34 - كِتَاب الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ [1] ( 1929 ) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ . قُلْتُ : وَإِنْ قَتَلْنَ ؟ قَالَ : وَإِنْ قَتَلْنَ ، مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا . قُلْتُ لَهُ : فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ ، فَأُصِيبُ ، فَقَالَ : إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ . كِتَاب الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَمَا يُؤْكَلُ مِنْ الْحَيَوَانِ ( 1 - 2 ) بَاب الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ قَوْلُهُ : ( إنِّي أُرْسِلُ كِلَابِي الْمُعَلَّمَةَ . . . إِلَى آخِرِهِ ) مَعَ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الِاصْطِيَادِ فِيهَا كُلِّهَا إِبَاحَةُ الِاصْطِيَادِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ ، وَتَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هُوَ مُبَاحٌ لِمَنِ اصْطَادَ لِلِاكْتِسَابِ وَالْحَاجَةِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ بِالْأَكْلِ وَثَمَنِهِ . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ اصْطَادَ لِلَّهْوِ ، وَلَكِنْ قَصَدَ تَذْكِيَتَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ ، فَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَأَجَازَهُ اللَّيْثُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ . قَالَ : فَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ نِيَّةِ التَّذْكِيَةِ فَهُوَ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ وَإِتْلَافُ نَفْسٍ عَبَثًا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ . قُلْتُ : وَإِنْ قَتَلْنَ ؟ قَالَ : وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يُشْرِكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ ) فِي هَذَا الْأَمْرِ بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى إِرْسَالِ الصَّيْدِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ عَلَى الصَّيْدِ وَعِنْدَ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ أَمْ سُنَّةٌ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ أَنَّهَا سُنَّةٌ ، فَلَوْ تَرَكَهَا سَهْوًا أَوْ عَمْدًا حَلَّ الصَّيْدُ وَالذَّبِيحَةُ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ . وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يَحِلَّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ فِي صَيْدِ الْجَوَارِحِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ : إِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ وَالصَّيْدُ ، وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا فَلَا ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ تَرْكُهَا ، وَقِيلَ : لَا يُكْرَهُ ، بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى ، وَالصَّحِيحُ الْكَرَاهَةُ . وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَبِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ إِلَى قَوْلِهِ : إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ فَأَبَاحَ بِالتَّذْكِيَةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ التَّسْمِيَةِ وَلَا وُجُوبِهَا ، فَإِنْ قِيلَ : التَّذْكِيَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالتَّسْمِيَةِ ، قُلْنَا : هِيَ فِي اللُّغَةِ الشَّقُّ وَالْفَتْحُ ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَهُمْ لَا يُسَمُّونَ ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ ، لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا فَنَأْكُلُ مِنْهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَمُّوا وَكُلُوا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، فَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ هِيَ الْمَأْمُورُ بِهَا عِنْدَ أَكْلِ كُلِّ طَعَامٍ ، وَشُرْبِ كُلِّ شَرَابٍ ، وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَنْ أَكَلَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ بِفَاسِقٍ ، فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِيُجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآيَاتِ السَّابِقَاتِ ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ . وَحَمَلَهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّسْمِيَةِ أَنَّهَا لِلِاسْتِحْبَابِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ ) فِي إِطْلَاقِهِ دَلِيلٌ لِإِبَاحَةِ الصَّيْدِ بِجَمِيعِ الْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ مِنَ الْأُسُودِ وَغَيْرِهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : لَا يَحِلُّ صَيْدُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ ؛ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ ) فِيهِ : أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حِلِّ مَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ الْمُرْسَلُ كَوْنُهُ كَلْبًا مُعَلَّمًا ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِرْسَالُ ، فَلَوْ أَرْسَلَ غَيْرَ مُعَلَّمٍ أَوِ اسْتُرْسِلَ الْمُعَلَّمُ بِلَا إِرْسَالٍ ، لَمْ يَحِلَّ مَا قَتَلَهُ ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَلَّمِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْمُعَلَّمُ إِذَا اسْتُرْسِلَ فَلَا يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْأَصَمِّ مِنْ إِبَاحَتِهِ ، وَإِلَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَحِلُّ إِنْ كَانَ صَاحِبُهُ أَخْرَجَهُ لِلِاصْطِيَادِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا لَمْ يُشْرِكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إِذَا شَارَكَهُ كَلْبٌ آخَرُ ، وَالْمُرَادُ كَلْبٌ آخَرٌ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ ، أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ ، أَوْ شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ ، فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ ، فَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا شَارَكَهُ كَلْبٌ أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ عَلَى ذَلِكَ الصَّيْدِ حَلَّ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : إِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ ، فَأُصِيبُ ، فَقَالَ : إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ ) . ( الْمِعْرَاضُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ : خَشَبَةٌ ثَقِيلَةٌ ، أَوْ عَصًا فِي طَرَفِهَا حَدِيدَةٌ ، وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : هُوَ سَهْمٌ لَا رِيشَ فِيهِ وَلَا نَصْلَ ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : هُوَ سَهْمٌ طَوِيلٌ لَهُ أَرْبَعُ قُذَذٍ رِقَاقٍ ، فَإِذَا رَمَى بِهِ اعْتَرَضَ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ كَقَوْلِ الْهَرَوِيِّ ، وَنَحْوُهُ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ ، وَقِيلَ : هُوَ عُودٌ رَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ غَلِيظُ الْوَسَطِ إِذَا رُمِيَ بِهِ ذَهَبَ مُسْتَوِيًا . وَأَمَّا ( خَزَقَ ) فَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ ، وَمَعْنَاهُ نَفَذَ ، وَالْوَقْذُ وَالْمَوْقُوذُ هُوَ الَّذِي يُقْتَلُ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ مِنْ عَصًا أَوْ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَالْجَمَاهِيرِ : أَنَّهُ إِذَا اصْطَادَ بِالْمِعْرَاضِ فَقَتَلَ الصَّيْدَ بِحَدِّهِ حَلَّ ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ : يَحِلُّ مُطْلَقًا ، وَكَذَا قَالَ هَؤُلَاءِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ بِالْبُنْدُقَةِ ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَقَالَ الْجَمَاهِيرُ : لَا يَحِلُّ صَيْدُ الْبُنْدُقَةِ مُطْلَقًا : لِحَدِيثِ الْمِعْرَاضِ ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ رَضٌّ وَوَقْذٌ ، وَهُوَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّهُ وَقِيذٌ أَيْ مَقْتُولٌ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ ، وَالْمَوْقُوذَةُ الْمَقْتُولَةُ بِالْعَصَا وَنَحْوِهَا ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْكَسْرِ وَالرَّضِّ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب الصَّيْدِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ · ص 64 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الصيد بالجوارح وشروطها · ص 203 ( 25 ) كتاب الصيد والذبائح وما يحل أكله من الحيوان وما لا يحل ( 1 ) باب الصيد بالجوارح وشروطها 1929 - ( 1 و 3 ) [1828] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ ؛ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ. قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مَعَهَا. قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ؟ فَقَالَ: إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ . وفي رواية : فإنه وقيذ فلا تأكله . ( 25 ) كتاب الصيد الأصلُ في جواز الصيد على الجملة : الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة . فأما الكتاب : فقوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ؛ أي : وصيد ما علَّمتم ، الآية . وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ وقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ الآية . وأما السُّنة : فصحيحها الأحاديث الآتية . وأما الإجماع : فمعلومٌ . والصيد : ذكاة في المتوحش طبعًا ، غير المقدور عليه ، المأكول نوعه . والنظر فيه : في الصائد ، والمصيد ، والآلة التي يصاد بها . ولكل منها شروط يأتي ذكرها أثناء النظر في الأحاديث إن شاء الله تعالى . ( 1 و 2 ) ومن باب : الصيد بالجوارح وشروطها قوله : ( إذا أرسلت كلبك المعلَّم ) تعليم الكلب وغيره مما يصاد به هو : تأديبه على الصيد ، بحيث يأتمر إذا أمر ، وينزجر إذا زُجِر . ولا يختلف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش . واختلف فيما يصاد به من الطير . فالمشهور : أن ذلك مشترطٌ فيها . وذكر ابن حبيب : أنه لا يشترط أن تنزجر إذا زُجِرَت ؛ فإنَّه لا يتأتى ذلك فيها غالبًا . فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت . قلت : والوجود يشهد للجمهور ، بل الذي لا ينزجر نادرٌ فيها ، وقد شرط الشافعي ، وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه ، ولا يأكل منه شيئًا . ولم يشترطه مالك في المشهور عنه ، وسيأتي . وقد ألحق الجمهور بالكلب كلَّ حيوان مُعَلَّم يتأتى به الاصطياد تمسُّكًا بالمعنى ، وبما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيد البازي فقال : ( ما أمسك عليك فَكُل ) على أن في إسناده مجالدًا ، ولا يُعرف إلا من حديثه ، وهو ضعيف . والمعتمد : النظر إلى المعنى ، وذلك أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلًا ، فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير ، وهذا هو القياس في معنى الأصل ، كقياس السيف على المِدْيَة ؛ التي ذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - بها ، وقياس الأَمَة على العبد في سراية العتق . وقد خالف في ذلك قوم ، وقصروا الإباحة على الكلاب خاصة . ومنهم من يستثني الكلب الأسود ، وهو الحسن ، والنخعي ، وقتادة ؛ لأنَّه شيطان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، متمسكين بقوله : ( مكلِّبين ) ، وبأنَّه ما وقع في الصحيح إلا ذكر الكلاب ، وهذا لا حجَّة لهم فيه ؛ لأنَّ ذكر الكلاب في هذه المواضع إنما كان لأنها الأغلب والأكثر . وأيضًا فإن ذكرها خصوصًا لا يدل على أن غيرها لا يصاد بها ؛ لأنَّ الكلب لقب ، ولا مفهوم للقب عند جماهير المحققين من الأصوليين ، ولم يصر إليه إلا الدَّقاق ، وليس هو فيه على توفيق ، ولا وفاق . ولو صحَّ زعمه ذلك لكفر من قال : عيسى رسول الله ؛ فإنَّه كان يلزم منه بحسب زعمه : أن محمدًا وغيره من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ليس رسولًا . وفي ( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أرسلت ) ما يدلُّ على أن الإرسال لا بدَّ أن يكون من جهة الصائد ، ومقصودًا له ؛ لأنَّ أفعل فعل الفاعل كأَخْرَج ، وأَكْرم ، ثم هو فعل عاقل ، فلا بدَّ أن يكون مفعولًا لغرض صحيح ، وفيه مسألتان : الأولى : أن يقصد الصائد عند الإرسال قصد التذكية والإباحة ، وهذا لا يختلف فيه ، فلو قصد مع ذلك اللهو ؛ فكرهه مالك ، وأجازه ابن عبد الحكم . وهو ظاهر قول الليث : ما رأيت حقًّا أشبه بباطل منه . يعني : الصيد . فأما لو فعله بغير نيَّة التذكية : فهر حرام ؛ لأنَّه من باب الفساد وإتلاف نفس حيوان بغير منفعة . وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الحيوان إلا لمأكلة . الثانية : لا بدَّ أن يكون انبعاثُ الكلب بإرسالٍ من يد الصائد ، بحيث يكون زمامه بيده [فيُخلِّي عنه ، ويُغرِيه عليه ، فينبعثُ ، أو يكون الجارح ساكنًا مع رؤية الصيد ، فلا يتحرَّك له إلا بإغراء الصائد . فهذا بمنزلة ما زمامه بيده] فأطلقه مُغريًا له على أحد القولين . فأما لو انبعث الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ، ولا إغراء : فلا يجوز صيده ، ولا يحل أكله ؛ لأنَّه إنَّما صاد لنفسه ، وأمسك عليها ، ولا صُنعَ للصائد فيه ، فلا يُنْسبُ إليه إرساله ؛ لأنَّه لا يصدق عليه : ( إذا أرسلت كلبك المعلم ) . ولا خلاف في هذا فيما علمته . و( قوله : وذكرت اسم الله ) ، وفي الأخرى : ( واذكر اسم الله ) على الأمر . وظاهر هذا : أنه لا بدَّ من التسمية بالقول عند الإرسال ، فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد . وهو مذهب أهل الظاهر ، وجماعة أهل الحديث ، ويعضدهم ظاهر قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وذهب طائفة من أصحابنا ، وغيرهم : إلى أنه يجوز أكل ما صاد المسلم وذبحه ، وإن ترك التسمية عمدًا . وحملوا الأمر بالتسمية على الندب ، وكأنهم حملوا هذه الظواهر على ذكر اسم الله بالقلب ، وهو لا يخلو عنه المسلم غالبًا ، فإنَّه إذا نوى التذكية فقد ذكر الله تعالى بقلبه ، فإن معنى ذلك : القصد إلى فعل ما أباحه الله تعالى على الوجه الذي شرعه الله ، وهذا كما قاله بعض العلماء في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) أي : من لم ينو ، وأصل هذا : أن الذِّكر إنما هو التنبه بالقلب للمذكور ، ثم سمي القول الدال على الذكر : ذكرًا ، ثم اشتهر ذلك حتى صار السابق إلى الفهم من الذكر : القول اللِّساني . فأما الآية : فمحمولة على أن المراد بها ذبائح المشركين ، كما هو أشهر أقوال المفسرين وأحسنها . وذهب مالك في المشهور عنه إلى الفرق بين ترك التسمية عمدًا ، أو سهوًا ، فقال : لا تؤكل مع العمد ، وتؤكل مع السهو . وهو قول كافة فقهاء الأمصار ، وأحد قولي الشافعي . ثم اختلف أصحاب مالك في تأويل قوله : ( لا يؤكل ) ، فمنهم من قال : تحريمًا ، ومنهم من قال : كراهةً . ووجه الفرق : أن الناسي غير مكلَّف بما نسيه ، ولا مؤاخذة عليه ، فلا يؤثر نسيانه بخلاف العامد . و( قوله : وإن قَتَلْن ) هذا لا يختلف فيه أن قتل الجوارح للصيد ذكاة إذا كان قتلها بِتَخْلِيب ، أو تَنْيِيب ، فأما لو قتله صدْمًا ، أو نطحًا : فلا يؤكل عند ابن القاسم . وبه قال أبو حنيفة . وقال أشهب : يؤكل . وهو قول أحد قولي الشافعي . وسبب الخلاف : هل صدم الجارح له ، أو نطحه كالمعراض إذا أصاب بعرضه ، أم لا ؟ فشبهه ابن القاسم به ؛ فمنع ، وفرَّق الآخرون : بأن الجوارح حيوان ، وقد أمسك على صاحبه ، وقد قال الله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وليس كذلك المعراض ؛ فإنَّه لا يقال فيه : أمسك عليك . قلت : وهذا الفرق لفظي لا فقه فيه ، فإن الْمِعْرَاض ، وإن لم يُقل فيه : أمسك عليك ؛ لكنه يقال فيه : أمسك - مُطلقًا - ؛ لأنَّه لما أصاب الصيد وقتله فقد أمسكه ، والأفقه : قول ابن القاسم ، والله أعلم . فأما لو مات الصيد فزعًا ، أو دهشًا ، ولم يكن للجوارح فيه فعل : فلا يختلف في أنه لا يؤكل فيما علمت . و( قوله : فإن أدركته حيًّا فاذبحه ) هذا يدلُّ على أن المقدور عليه لا تكون ذكاته العقر ، بل الذبح ، أو النحر . وعلى هذا : فيجب على الصائد إذا أرسل الجوارح أن يجتهد في الجري مُهيِّئًا لآلة الذبح ؛ فإنَّه إن فرَّط في شيء من ذلك حتى هلك الصيد بين يدي الجوارح لم يجز أكله ؛ لأنَّه لما أمسكته الجوارح صار مقدورًا عليه . والصائد لو لم يُفرط كان متمكنًا من ذبحه ، فإن أدركه الصائد منفوذ المقاتل فحكمه حكم المقتول ؛ لأنَّه ميؤوس من بقائه . إلا أن مالكًا استحب ذكاته مراعاة للخلاف . هذا هو مشهور قوله . و( قوله : ما لم يشركها كلب ليس معها ) ، وفي أخرى : ( فإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل ) ، وفي الأخرى : ( وإن وجدت مع كلبك كلبًا غيره وقد قتل ، فلا تأكل ، فإنك لا تدري أيهما قتله ) هذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها فمعناها واحد . وهذا الاختلاف يدل : على أنهم كانوا ينقلون بالمعنى . وتفيد هذه الروايات : أن سبب إباحة الصيد الذي هو عَقْرُ الجارح له لا بدَّ أن يكون متحققًا غير مشكوك فيه ، ومع الشكِّ لا يجوز الأكل . وهذا الكلب المخالط محمول على أنه غير مرسل من صائد آخر ، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه . ولا يختلف في هذا . فأما لو أرسله صائدٌ آخر على ذلك الصيد فاشترك الكلبان فيه : فإنَّه للصائدين ؛ يكونان شريكين . فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله ، ثم جاء الآخر ، فهو للذي أنفذ مقاتله . و( قوله : فإني أرمي بالمعراض ) . قال أبو عبيد : المعراض : سهم لا ريش فيه ، ولا نصل . وقال غيره : المعراض : خشبة ثقيلة ، أو عصا غليظة في طرفها حديدة ، وقد تكون بغير حديدة ، غير أنها محدَّدُ طرفها . وهذا التفسير أولى من تفسير أبي عبيد ، وأشهر . و( قوله : إذا رميت بالمعراض فخزق فكل ، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله فإنَّه وقيذٌ ) معنى خزق : خرق ونفذ . والعرض : خلاف الطول . والوقيذ : الموقوذ ؛ أي : المضروب بالعصا حتى يموت . وبه فسر قوله تعالى : وَالْمَوْقُوذَةُ وبظاهر هذا الحديث قال جمهور العلماء من السلف والخلف . وقد شذَّ مكحول ، والأوزاعي ، فأباحا أكل ما أصاب المعراض بعرضه . وهو قول مردودٌ بالكتاب والسُّنَّة ؛ لأنَّه مخالف لنصوصهما .