[5] - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ ، وَإِنِّي عَجَّلْتُ نَسِيكَتِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْلَ دَارِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعِدْ نُسُكًا . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ ، فَقَالَ : هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ ، وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ ، فَقَالَ : لَا يَذْبَحَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يُصَلِّيَ . قَالَ : فَقَالَ خَالِي : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ هُشَيْمٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَجْزِي ) فَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ ، هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِيهِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَالْكُتُبِ ، وَمَعْنَاهُ : لَا تَكْفِي مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَفِيهِ أَنَّ جَذَعَةَ الْمَعْزِ لَا تَجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةِ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ ) قَالَ الْقَاضِي : كَذَا رَوَيْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ ( مَكْرُوهٌ ) بِالْكَافِ وَالْهَاءِ مِنْ طَرِيقِ السِّنْجَرِيِّ وَالْفَارِسِيِّ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ . قَالَ : ورَوَيْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعُذْرِيِّ ( مَقْرُومٌ ) بِالْقَافِ وَالْمِيمِ ، قَالَ : وَصَوَّبَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ : مَعْنَاهُ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ ، يُقَالُ : قَرِمْتُ إِلَى اللَّحْمِ وَقَرِمْتُهُ إِذَا اشْتَهَيْتُهُ ، قَالَ : وَهِيَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ : عَرَفْتُ أَنَّهُ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، فَتَعَجَّلْتُ ، وَأَكَلْتُ ، وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي ، وَكَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( إِنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ ) وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . قَالَ الْقَاضِي : وَأَمَّا رِوَايَةُ ( مَكْرُوهٌ ) فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا : صَوَابُهُ ( اللَّحَمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ تَرْكُ الذَّبْحِ وَالتَّضْحِيَةِ ، وَبَقَاءُ أَهْلِهِ فِيهِ بِلَا لَحْمٍ حَتَّى يَشْتَهُوهُ مَكْرُوهٌ ، وَاللَّحَمُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ - اشْتِهَاءُ اللَّحْمِ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ لِيَ الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ : مَعْنَاهُ ذَبْحُ مَا لَا يَجْزِي فِي الْأُضْحِيَّةِ مِمَّا هُوَ لَحْمٌ مَكْرُوهٌ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ ، هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ : مَعْنَاهُ : هَذَا يَوْمٌ طَلَبُ اللَّحَمِ فِيهِ مَكْرُوهٌ شَاقٌّ ، وَهَذَا حَسَنٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ ) الْعَنَاقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَهِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ إِذَا قَوِيَتْ مَا لَمْ تَسْتَكْمِلْ سَنَةً ، وَجَمْعُهَا أَعْنُقٌ وَعُنُوقٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ ( عَنَاقَ لَبَنٍ ) فَمَعْنَاهُ : صَغِيرَةٌ قَرِيبَةٌ مِمَّا تَرْضَعُ . قَوْلُهُ : ( عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ ) أَيْ : أَطْيَبُ لَحْمًا وَأَنْفَعُ لِسِمَنِهَا وَنَفَاسَتِهَا . وَفِيهِ : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الضَّحَايَا طِيبُ اللَّحْمِ لَا كَثْرَتُهُ ، فَشَاةٌ نَفِيسَةٌ أَفْضَلُ مِنْ شَاتَيْنِ غَيْرِ سَمِينَتَيْنِ بِقِيمَتِهَا ، وَقَدْ سَبَقَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِّ ، وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّ تَكْثِيرَ الْعَدَدِ فِي الْعَقِّ مَقْصُودٌ ، فَهُوَ الْأَفْضَلُ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ ) مَعْنَاهُ : أَنَّكَ ذَبَحْتَ صُورَةً نَسِيكَتَيْنِ ، وَهُمَا هَذِهِ وَالَّتِي ذَبَحَهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَهَذِهِ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَصَلَتْ بِهَا التَّضْحِيَةُ ، وَالْأُولَى وَقَعَتْ شَاةَ لَحْمٍ ، لَكِنْ لَهُ فِيهَا ثَوَابٌ لَا بِسَبَبِ التَّضْحِيَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَقَعْ أُضْحِيَّةً ، بَلْ لِكَوْنِهِ قَصَدَ بِهَا الْخَيْرَ وَأَخْرَجَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، فَلِهَذَا دَخَلَهُمَا أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ ، فَقَالَ : هَذِهِ خَيْرُ النَّسِيكَتَيْنِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَتَضَمَّنُ أَنَّ فِي الْأُولَى خَيْرًا أَيْضًا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ) مَعْنَاهُ : جَذَعَةُ الْمَعْزِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى سِيَاقِ الْكَلَامِ ، وَإِلَّا فَجَذَعَةُ الضَّأْنِ تَجْزِي .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب وَقْتِ الأضحية · ص 97 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب ما يجوز في الأضاحي من السن · ص 358 1961 - ( 5 ) [1958] وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَإِنِّي عَجَّلْتُ نَسِيكَتِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْلَ دَارِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعِدْ نُسُكًا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ لَبَنٍ، هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ. فَقَالَ: هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ، وَلَا تَجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ . و( قوله : إن هذا يومٌ اللحم فيه مكروه ) قال القاضي : هكذا رويناه بالهاء والكاف من طريق الفارسي ، والسجزي ، وكذا ذكره الترمذي ، ورويناه من طريق العذري : ( مقروم ) بالقاف والميم . قلت : وهذه الرواية هي الصواب الواضح . ومعناها : أن اللحم في هذا اليوم تتشوَّف النفوس إليه لشهوتها . يقال : قَرِمْتُ إلى اللحم ، وقَرِمْتُه : إذا اشتهيته ، أَقْرُمُ قرمًا . وأما رواية مكروه : ففيها بُعْد . وقد تكلَّف لها بعضهم ما لا يصحّ رواية ولا معنى ، فقال : صوابه : اللَّحم - بفتح الحاء - قال : ومعناه : أن يترك أهله بلا لحم حتى يشتهوه . و( اللَّحم ) -بالفتح - : شهوة اللحم . فانظر مع هذا التكلُّف القبيح كيف لا يظهر منه معنى صحيح . وقال آخر : معنى : ( اللحم فيه مكروه ) أي : لمخالفته السنة ، كما قال في الحديث الآخر : ( شاتك شاة لحم ) . قلت : وهذا من قول من لم يتأمل مساق الحديث ، فإنَّ هذا التأويل ليس ملائمًا له ، ولا موافقًا لمعناه ؛ إذ لا يستقيم أن يقول : إن هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة ، وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي . وهذا فاسد . وأقرب ما يتكلّف لهذه الرواية وأنسبه : أن يقال : إن معناه : اللحم فيه مكروه التأخير . فحذف التأخير ، وهو يريده . ويشهد لهذا قوله بعده متصلًا به : ( وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني ) . وهذا مناسب لما قدَّرناه من المحذوف . والله تعالى أعلم . و( قوله : هي خير نسيكتيك ) سَمَّى ما ذبح قبل الصلاة نسيكة بحسب توهُّم الذابح وزعمه ، وذلك : أنه إنما ذبحها في ذلك الوقت بنيَّة النسك ، وبعد ذلك بيَّن له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أنها ليست نسكًا شرعًا ؛ لما قال : ( من ذبح قبل الصلاة ، فإنما هو لحم عجله لأهله ، ليس من النُّسك في شيء ) . وقول عقبة : ( قسم فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحايا فأصابني جذع ، فقلت : يا رسول الله ! أصابني جذع ، فقال : ضحِّ به ) . وفي الرواية الأخرى : ( عَتُود ) هذه الرواية تدلُّ على أن الجذع المذكور في حديث عقبة هو من المعز ، فإنَّ العَتُود إنما هو بأصل وضعه اسم لما رعى وقَوِي من أولاد المعز ، وأتى عليه حول . هذا هو المعروف في اللغة ، وعلى هذا : فيكون هذا الحديث معارضًا لحديث أبي بردة ، ولذلك قال علماؤنا : إن حديث عقبة منسوخ بحديث أبي بردة ، ودلَّ على هذا : ما حكي من الإجماع على عدم إجزاء الجذع من المعز . قلت : ويمكن في حديث عقبة تأويلان ، ولا يصار فيه إلى النَّسخ : أحدهما : أن الجذع المذكور فيه : هو من الضأن ، وأطلق عليه العَتُود ؛ لأنَّه في سِنِّه وقوته ، ولا يستنكر هذا ، فمن المعلوم : أن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب ، أو شبه . وثانيهما : أن العَتُود وإن كان من المعز ، فقد يقال على ما خرج من السنة الأولى ، ودخل في السنة الثانية لتقارب ما بينهما . وقد دلَّ على صحة هذا ما حكاه القاضي عن أهل اللغة : أن العتود : الجدي الذي بلغ السِّفَاد . قال ابن الأعرابي : المعز ، والإبل ، والبقر : لا تضرب فحولها إلا بعد أن تثني ، فإذا صحَّ هذا ارتفع التعارض ، وصحَّ الجمع بين الحديثين ، والجمع أولى من الترجيح ، والنسخ لا يصح مع إمكان الجمع . وفي حديث عقبة دليل على تأكد أمر الأضحية ، وأن الإمام ينبغي أن يفرِّق الضحايا على من لا يقدر عليها من بيت مال المسلمين .