[ 18 ] - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ ، وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْجُبْ نِسَاءَكَ ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي عِشَاءً ، وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً فَنَادَاهَا عُمَرُ : أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحِجَابَ . حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( كُنَّ يَخْرُجْنَ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ ) وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ . مَعْنَى ( تَبَرَّزْنَ ) أَرَدْنَ الْخُرُوجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ، ( وَالْمَنَاصِعُ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ ، وَهُوَ جَمْعُ مَنْصَعٍ ، وَهَذِهِ الْمَنَاصِعُ مَوَاضِعُ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : أَرَاهَا مَوَاضِعَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ ، أَيْ أَرْضٌ مُتَّسَعَةٌ ، وَالْأَفْيَحُ بِالْفَاءِ الْمَكَانُ الْوَاسِعُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَفِيهِ تَنْبِيهُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْكِبَارِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ ، وَنَصِيحَتِهِمْ ، وَتَكْرَارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ . وَفِيهِ جَوَازُ تَعَرُّقِ الْعَظْمِ . وَجَوَازُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ لِذَلِكَ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِ الزَّوْجِ ، لِأَنَّهُ مِمَّا أَذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : فَرْضُ الْحِجَابِ مِمَّا اخْتُصَّ بِهِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِنَّ بِلَا خِلَافٍ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ كَشْفُ ذَلِكَ لِشَهَادَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ إِظْهَارُ شُخُوصِهِنَّ ، وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ إِلَّا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ مِنَ الْخُرُوجِ لِلْبَرَازِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَقَدْ كُنَّ إِذَا قَعَدْنَ لِلنَّاسِ جَلَسْنَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ ، وَإِذَا خَرَجْنَ حُجِبْنَ وَسَتَرْنَ أَشْخَاصَهُنَّ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ يَوْمَ وَفَاةِ عُمَرَ ، وَلَمَّا تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا جَعَلُوا لَهَا قُبَّةً فَوْقَ نَعْشِهَا تَسْتُرُ شَخْصَهَا . هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب إِبَاحَةِ الْخُرُوجِ لِلنِّسَاءِ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ · ص 327 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب في احتجاب النساء وما يخفف عنهن من ذلك · ص 494 ( 12 ) باب في احتجاب النساء وما يخفف عنهن من ذلك ( 2170 ) ( 18 ) - [2079] عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ ، إِذَا تَبَرَّزْنَ ، إِلَى الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْجُبْ نِسَاءَكَ ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ، زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي ، عِشَاءً ، وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً ، فَنَادَاهَا عُمَرُ : أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ ، يَا سَوْدَةُ! حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأُنِزَلَ الْحِجَابُ . ( 12 ) ومن باب احتجاب النساء وما يُخفَّف عنهن من ذلك قوله : ( كن يخرجن بالليل يتبرَّزن إلى المناصع ) يتبرَّزن : يخرجن إلى البَرَاز- بفتح الباء - وهو الموضع الذي يُتبرَّز فيه ؛ أي : يظهر . والبروز : الظهور ، ومنه : وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً أي : ظاهرة . مستوية لا يحجبها شيء ، كما قال تعالى : لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا و ( المناصع ) : موضع خارج المدينة . و ( قوله : وهو صعيد أفيح ) أي : أرض مستوية متسعة ، وذلك كناية عن خروجهن إلى الحدث ؛ إذ لم يكن لهم كنف في البيوت ؛ كانوا لا يتخذونها استقذارًا ، فكانت النساء يخرجن بالليل إلى خارج البيوت ، ويبعدن عنها إلى هذا الموضع . وقد نصَّت على هذا عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك . وقول عمر - رضي الله عنه - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( احجب نساءك ) مصلحة ظهرت لعمر فأشار بها ، ولا يظن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أن تلك المصلحة خفيت عليه ، لكنَّه كان ينتظر الوحي في ذلك ، ولذلك لم يوافق عمر على ذلك حين أشار عليه به ، لا سيما وقد كانت عادة نساء العرب ألا يحتجبن لكرم أخلاق رجالهم ، وعفاف نسائهم غالبًا ، ولذلك قال عنترة : وأغُضُّ طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها فلما لم يكن هنالك ريبة ؛ تركهم ، ولم ينههم استصحابًا للعادة ، وكراهة لابتداء أمرٍ أو نهي ؛ فإنَّه كان يحبُّ التخفيف عن أمته . ففيه من الفقه : الإشارة على الإمام بالرأي ، وإعادة ذلك إن احتاج إليها ، وجواز إشارة المفضول على الفاضل ، وجواز إعراض المشار عليه ، وتأخير الجواب إلى أن يتبيَّن له وجه يرتضيه . وقول عمر - رضي الله عنه - في هذا الحديث : ( ألا قد عرفناك يا سودة ) يقتضي : أن ذلك كان من عمر - رضي الله عنه - قبل نزول الحجاب ؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها قالت فيه : حرصًا على أن ينزل الحجاب ، فأنزل الحجاب . والرواية الأخرى تقتضي أن ذلك كان بعد نزول الحجاب ، فالأولى أن يحمل ذلك على أن عمر تكرر منه هذا القول قبل نزول الحجاب وبعده ، ولا بُعد فيه . ويحتمل أن يحمل ذلك على أن بعض الرواة ضمَّ قصة إلى أخرى ، والأول أولى ؛ فإنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقع في قلبه نفرة عظيمة ، وأنفة شديدة من أن يطلع أحدٌ على حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى صرح له بقوله : احجب نساءك ؛ فإنَّهن يراهن البر والفاجر . ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب وبعده . فإنه كان قصده : ألا يخرجن أصلًا ، فأفرط في ذلك فإنَّه مفض إلى الحرج والمشقة ، والإضرار بهن ، فإنَّهن محتاجات إلى الخروج ، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تأذَّت بذلك سودة : ( قد أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ ) . و ( قوله : فأنزل الحجاب ) أي : آية الحجاب ؛ وهي قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى قوله : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كذلك روي عن أنس وابن مسعود - رضي الله عنهما - ؛ غير أن هذا يتوجَّه عليه إشكال ، وهو : أن حديث أنس وابن مسعود يقتضي : أن سبب نزولها هو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أعرس بزينب اجتمع عنده رجال فجلسوا في بيته ، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط ، فأطالوا المجلس حتى ثقلوا عليه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . وحديث عائشة يقتضي أن الحجاب إنَّما نزل بسبب قول عمر : احجب نساءك . ويزول ذلك الإشكال بأن يقال : إن الآية نزلت عند مجموع السَّببين . فيكون عمر قد تقدَّم قوله : احجب نساءك ، وكرر ذلك عليه إلى أن اتفقت قصة بناء زينب ، فصدقت نسبة نزول الآية لكل واحد من ذينك السَّببين . قلت : وهذا الحجاب الذي أمر به أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وخُصِّصن به هو في الوجه والكفين . قال القاضي عياض : لا خلاف في فرضه عليهن في الوجه والكفين الذي اختلف في ندب غيرهن إلى ستره ، قالوا : ولا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها ، ولا ظهور أشخاصهن ، وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج إلى البراز ، وقد كن إذا خرجن جلسن للناس من وراء حجاب ، وإذا خرجن لحاجة حجبن وسترن .