[ 69 ] 2204 - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، وَأَبُو الطَّاهِرِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالُوا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ( 26 -31 ) بَاب لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) الدَّوَاءُ بِفَتْحِ الدَّالِ مَمْدُودٌ ، وَحَكَى جَمَاعَاتٌ مِنْهُمُ الْجَوْهَرِيُّ فِيهِ لُغَةً بِكَسْرِ الدَّالِ . قَالَ الْقَاضِي : هِيَ لُغَةُ الْكِلَابِيِّينَ ، وَهُوَ شَاذٌّ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِحْبَابِ الدَّوَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا ، وَجُمْهُورِ السَّلَفِ ، وَعَامَّةِ الْخَلْفِ . قَالَ الْقَاضِي : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جُمَلٌ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، وَصِحَّةِ عِلْمِ الطِّبِّ ، وَجَوَازُ التَّطَبُّبِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَاسْتِحْبَابُهُ بِالْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ ، وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ التَّدَاوِيَ مِنْ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ ، وَقَالَ : كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّدَاوِي . وَحُجَّةُ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ ، وَأَنَّ التَّدَاوِيَ هُوَ أَيْضًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ، وَهَذَا كَالْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ ، وَكَالْأَمْرِ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ ، وَبِالتَّحَصُّنِ ، وَمُجَانَبَةِ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، مَعَ أَنَّ الْأَجَلَ لَا يَتَغَيَّرُ ، وَالْمَقَادِيرَ لَا تَتَأَخَّرُ ، وَلَا تَتَقَدَّمُ عَنْ أَوْقَاتِهَا ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ الْمُقَدَّرَاتِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ : ذَكَرَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الْكَثِيرَةَ فِي الطِّبِّ وَالْعِلَاجِ ، وَقَدِ اعْتَرَضَ فِي بَعْضِهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ، فَقَالَ : الْأَطِبَّاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْعَسَلَ مُسَهِّلٌ ، فَكَيْفَ يُوصَفُ لِمَنْ بِهِ الْإِسْهَالُ ؟ وَمُجْمِعُونَ أَيْضًا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَحْمُومِ الْمَاءَ الْبَارِدَ مُخَاطَرَةٌ قَرِيبٌ مِنَ الْهَلَاكِ ؛ لِأَنَّهُ يُجَمِّعُ الْمَسَامَّ ، وَيَحْقِنُ الْبُخَارَ ، وَيَعْكِسُ الْحَرَارَةَ إِلَى دَاخِلِ الْجِسْمِ ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلتَّلَفِ ، وَيُنْكِرُونَ أَيْضًا مُدَاوَاةَ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْحَرَارَةِ الشَّدِيدَةِ ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ خَطَرًا . قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْمُعْتَرِضُ جَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ ، وَهُوَ فِيهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَنَحْنُ نَشْرَحُ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَنَقُولُ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) فَهَذَا فِيهِ بَيَانٌ وَاضِحٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْأَطِبَّاءَ يَقُولُونَ : الْمَرَضُ هُوَ خُرُوجُ الْجِسْمِ عَنِ الْمَجْرَى الطَّبِيعِيِّ ، وَالْمُدَاوَاةُ رَدُّهُ إِلَيْهِ ، وَحِفْظُ الصِّحَّةِ بَقَاؤُهُ عَلَيْهِ ، فَحِفْظُهَا يَكُونُ بِإِصْلَاحِ الْأَغْذِيَةِ وَغَيْرِهَا ، وَرَدُّهُ يَكُونُ بِالْمُوَافِقِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْمُضَادَّةِ لِلْمَرَضِ . وَبُقْرَاطُ يَقُولُ : الْأَشْيَاءُ تُدَاوَى بِأَضْدَادِهَا ، وَلَكِنْ قَدْ يَدِقُّ وَيَغْمُضُ حَقِيقَةُ الْمَرَضِ ، وَحَقِيقَةُ طَبْعِ الدَّوَاءِ ، فَيَقِلُّ الثِّقَةُ بِالْمُضَادَّةِ ، وَمِنْ هَاهُنَا يَقَعُ الْخَطَأُ مِنَ الطَّبِيبِ فَقَطْ ، فَقَدْ يَظُنُّ الْعِلَّةَ عَنْ مَادَّةٍ حَارَّةٍ فَيَكُونُ عَنْ غَيْرِ مَادَّةٍ ، أَوْ عَنْ مَادَّةٍ بَارِدَةٍ ، أَوْ عَنْ مَادَّةٍ حَارَّةٍ دُونَ الْحَرَارَةِ الَّتِي ظَنَّهَا ، فَلَا يَحْصُلُ الشِّفَاءُ ، فَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَّهَ بِآخِرِ كَلَامِهِ عَلَى مَا قَدْ يُعَارَضُ بِهِ أَوَّلُهُ ، فَيُقَالُ قُلْتُ : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، وَنَحْنُ نَجِدُ كَثِيرِينَ مِنَ الْمَرْضَى يُدَاوُونَ فَلَا يَبْرَءُونَ ، فَقَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ لِفَقْدِ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الْمُدَاوَاةِ ، لَا لِفَقْدِ الدَّوَاءِ ، وَهَذَا وَاضِحٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ وَاسْتِحْبَابِ التَّدَاوِي · ص 359 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب لكل داء دواء والتداوي بالحجامة · ص 592 ( 9 ) باب لكل داء دواء ، والتداوي بالحجامة ( 2204 ) - [2143] عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ . ( 9 ) ومن باب : لكل داء دواء ، وفي التداوي بالحجامة قوله " لكل داء دواء " ، الدَّاء بفتح الدَّال لا غير ، والدَّواء تفتح داله وتكسر ، والفتح أفصح . وهذه الكلمة صادقة العموم لأنها خبر من الصادق البشير عن الخالق القدير : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ فالدَّاء والدَّواء خَلْقه ، والشِّفاء والهلاك فعله ، وربط الأسباب بالمسببات حِكمته وحُكمه على ما سبق به علمه ، فكل ذلك بقدر لا مَعْدِل عنه ولا وزر ، وما أحسن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما خرَّجه الترمذي عن أبي خزامة بن يعمر قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، أرأيت رقًى نسترقيها ودواء نتداوى به ؛ هل تردُّ من قدر الله شيئًا ؟ قال : هي من قدر الله . قال : هذا حديث حسن صحيح . وكفى بهذا بيان ، لكن للبصراء لا للعميان . وقوله " فإذا أصيب دواء الدَّاء برأ بإذن الله " ، ومعناه أن الله تعالى إذا شاء الشِّفاء يسَّر دواء ذلك الدَّاء ونبَّه عليه مستعمله فيستعمله على وجهه وفي وقته فيشفى ذلك المرض ، وإذا أراد إهلاك صاحب المرض أذهل عن دوائه أو حجبه بمانع يمنعه فهلك صاحبه ، وكلُّ ذلك بمشيئته وحكمه كما سبق في علمه ، ولقد أحسن من الشعراء من قال في شرح الحال : والنَّاس يلحَوْن الطَّبيب وإنَّما غَلَطُ الطَّبيبِ إصابةُ الْمَقْدُور وقد خرَّج أبو داود هذا الحديث وحديث أسامة بن شريك ، وقال فيه : إنَّه - صلى الله عليه وسلم - قال " يا عباد الله ، تداووا ! فإنَّ الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء ، غير داءٍ واحد : الهرم " ، فاستثنى الهرم من جملة الأدواء وإن لم يكن داء بنفسه ، لكن تلازمه الأدواء ، وهو مُفضٍ بصاحبه إلى الهلاك . وهذا نحو من قوله في الحديث الآخر : " كفى بالسَّلامة داء " ؛ أي : مصير السلامة إلى الدَّاء ، وكما قال حميد بن ثور : أَرَى بَصَرِي قد رابَني بَعْد صِحَّةٍ وَحَسْبُك داءً أن تصحَّ وتَسْلما