[136] 2476 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ جَرِيرٍ ، قَالَ : كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ : ذُو الْخَلَصَةِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَةِ وَالشَّامِيَّةِ ؟ فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ أَحْمَسَ فَكَسَرْنَاهُ ، وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ ، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ ، قَالَ : فَدَعَا لَنَا وَلِأَحْمَسَ . قَوْلُهُ : ( ذُو الْخَلَصَةَ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . وَحَكَى الْقَاضِي أَيْضًا ضَمَّ الْخَاءِ مَعَ فَتْحِ اللَّامِ ، وَحَكَى أَيْضًا فَتْحَ الْخَاءِ وَسُكُونَ اللَّامِ ، وَهُوَ بَيْتٌ فِي الْيَمَنِ كَانَ فِيهِ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ ، وَالْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : ( الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ ) بِغَيْرِ وَاوٍ . هَذَا اللَّفْظُ فِيهِ إِيهَامٌ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَا الْخَلَصَةَ كَانُوا يُسَمُّونَهَا الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَّةَ ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ الْكَرِيمَةُ الَّتِي بِمَكَّةَ تُسَمَّى الْكَعْبَةَ الشَّامِيَّةَ ، فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا لِلتَّمْيِيزِ . هَذَا هُوَ الْمُرَادُ ، فَيَتَأَوَّلُ اللَّفْظُ عَلَيْهِ ، وَتَقْدِيرُهُ : يُقَالُ لَهُ : الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ ، وَيُقَالُ لِلَّتِي بِمَكَّةَ : الشَّامِيَّةُ . وَأَمَّا مَنْ رَوَاهُ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ الْكَعْبَةُ الشَّامِيَّةُ بِحَذْفِ الْوَاوِ ، كَأَنْ يُقَالَ : هَذَانِ اللَّفْظَانِ أَحَدُهُمَا لِمَوْضِعٍ ، وَالْآخَرُ لِلْآخَرِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ وَالْكَعْبَةِ الْيَمَانِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ ؟ ) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : ذِكْرُ الشَّامِيَّةِ وَهَمٌ وَغَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهُ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَالْوَهَمُ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ، بَلْ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ هَذَا اللَّفْظِ ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ قَوْلِهِمْ : الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ وَالشَّامِيَّةُ ، وَوُجُودُ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب مِنْ فَضَائِلِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ · ص 30 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب فضائل جرير بن عبد الله رضي الله عنه · ص 402 ( 59 ) باب فضائل جرير بن عبد الله رضي الله عنه ( 2475 ) ( 134 و 135 ) [ 2384 ] عن جرير قال : مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ . وفي رواية : إلا تبسم في وجهي، وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ : اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا . ( 2476 ) ( 137 ) [ 2385] وعنه قال : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا جَرِيرُ ، أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ - بَيْتٍ لِخَثْعَمَ كَانَ يُدْعَى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَةِ ، وفي رواية : الكعبة الشامية . قَالَ : فَنَفَرْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ، وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدْرِي فَقَالَ : اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا . قَالَ : فَانْطَلَقَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُبَشِّرُهُ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ - مِنَّا - فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْنَاهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ ! فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ . وفي أخرى : قال : فدعا لنا ولأحمس. ( 59 ) ومن باب فضائل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه وبجيلة من ولد أنمار بن نزار بن معد بن عدنان ، واختلف في بجيلة هل هو أب أو أُمٌّ نسبت القبيلة إليها ؟ وجرير هذا هو سيد بجيلة ، ويُكنى أبا عمرو ، وقال له عمر رضي الله عنه : " ما زلت سيدًا في الجاهلية والإسلام " ، وقال فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أقبل وافدًا : " يطلع عليكم خير ذي يمن ، كأن على وجهه مسحة مَلك " ، فطلع جرير . وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول فيه : " جرير بن عبد الله يوسف هذه الأمة " ، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " . أسلم قبل موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأربعين يومًا ، نزل جرير الكوفة بعد موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتخذ بها دارًا ، ثم تحوَّل إلى قرقيسيا ومات بها سنة أربع وخمسين ، وقيل : سنة إحدى وخمسين ، وقيل : مات بالسَّراة في ولاية الضحَّاك بن قيس على الكوفة لمعاوية . روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة حديث ، أخرج له في الصحيحين خمسة عشر حديثًا . و ( قوله : " ما حجبني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ أسلمت " ) يعني أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما كان يحتجب منه ، بل بنفس ما يعلم النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ باستئذانه ترك كل ما يكون فيه وأذن له مبادرًا لذلك مبالغة في إكرامه ، ولا يفهم من هذا أن جريرًا كان يدخل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيته من غير إذن ، فإنَّ ذلك لا يصحُّ لحرمة بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولما يُفضي ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز من عورات البيوت . و ( قوله : " ولا رآني إلا ضحك في وجهي " ) ، هذا منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرح به وبشاشة للقائه وإعجابٌ برؤيته ، فإنَّه كان من كملة الرجال خَلْقًا وخُلُقًا . و ( قوله : " وكنت لا أثبت على الخيل " ) يعني أنه كان يسقط أو يخاف السُّقوط من على ظهورها حالة إجرائها ، فدعا له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأكثر مما طلب ؛ بالثبوت مطلقًا وبأن يجعله هاديًا لغيره ومهديًّا في نفسه . فكان كل ذلك ، وظهر عليه جميع ما دعا له به ، وأول ذلك أنه نفر في خمسين ومائة فارس لذي الخلصة فحرقها وعمل فيها عملاً لا يعمله خمسة آلاف ، وبعثه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لذي الكلاع وذي رُعَيْن ، وله المقامات المشهورة . وذو الخلصة بفتح اللام : بيت بَنَتْهُ خثعم تعظمه وتطوف به وتنحر عنده ، تشبهه ببيت مكة ، وتسمِّيه العرب الكعبة اليمانية والشامية ، وقد كانت العرب فعلت مثل هذا بيوتًا كثيرة قد تقدَّم ذكرها ، فأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهدمها كلها وتحريقها فكان ذلك ، ومحا الله الباطل ، وأحق الحق بكلماته .