كِتَاب الْقَدَرِ [1] 2643 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ : إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ : بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ . فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا . حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ح وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ : إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ : أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا . وَأَمَّا فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ وَعِيسَى : أَرْبَعِينَ يَوْمًا . [2] 2644 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ نُمَيْرٍ - قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ؟ فَيُكْتَبَانِ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ؟ فَيُكْتَبَانِ ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ ، وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ ، وَرِزْقُهُ ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ ، فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ . [3] 2645 - حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، يقول : الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ ، فَأَتَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَالُ لَهُ : حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ - فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا ، وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا ، وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَبِّ ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ ، أَجَلُهُ ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ ، رِزْقُهُ ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ . [4] - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ أَبُو خَيْثَمَةَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا الطُّفَيْلِ حَدَّثَهُ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ يَقُولُ : إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ . قَالَ زُهَيْرٌ : حَسِبْتُهُ قَالَ : الَّذِي يَخْلُقُهَا ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ؟ ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ أَسَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ سَوِيٍّ ؟ فَيَجْعَلُهُ اللَّهُ سَوِيًّا أَوْ غَيْرَ سَوِيٍّ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ ، مَا رِزْقُهُ ؟ مَا أَجَلُهُ ؟ مَا خُلُقُهُ ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ شَقِيًّا ، أَوْ سَعِيدًا . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي كُلْثُومٌ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالرَّحِمِ ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا بِإِذْنِ اللَّهِ لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ . [5] 2646 - حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَرَفَعَ الْحَدِيثَ ، أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، نُطْفَةٌ ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ : قَالَ الْمَلَكُ : أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ؟ فَمَا الرِّزْقُ ؟ فَمَا الْأَجَلُ ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . كتاب القدر ( 1 ) بَاب كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقَاوَتِهِ وَسَعَادَتِهِ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ : إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ تَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ : بِكَتْبِ رِزْقِهِ ، وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ ، وَشَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ ) أَمَّا قَوْلُهُ : ( الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ) فَمَعْنَاهُ الصَّادِقُ فِي قَوْلِهِ ، الْمَصْدُوقُ فِيمَا يَأْتِي مِنَ الْوَحْيِ الْكَرِيمِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَحَدَكُمْ ) فبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى حِكَايَةِ لَفْظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بِكَتْبِ رِزْقِهِ ) هُوَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فِي أَوَّلِهِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ أَرْبَعٍ . وَقَوْلُهُ : ( شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ) مَرْفُوعٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : وَهُوَ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ إِرْسَالَهُ يَكُونُ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ ، أَوْ خَمْسٍة وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ : إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا ، وَخَلَقَ سَمْعَهَا ، وَبَصَرَهَا ، وَجِلْدَهَا . وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ : إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ . وَفِي رِوَايَةٍ : إِنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالرَّحِمِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا بِإِذْنِ اللَّهِ لِبِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ لِلْمَلَكِ مُلَازَمَةً وَمُرَاعَاةً لِحَالِ النُّطْفَةِ ، وَأَنَّهُ يَقُولُ : يَا رَبِّ هَذِهِ عَلَقَةٌ ، هَذِهِ مُضْغَةٌ ، فِي أَوْقَاتِهَا . فَكُلُّ وَقْتٍ يَقُولُ فِيهِ مَا صَارَتْ إِلَيْهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ أَعْلَمُ سُبْحَانَهُ ، وَلِكَلَامِ الْمَلَكِ وَتَصَرُّفِهِ أَوْقَاتٌ : أَحَدُهَا حِينَ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى نُطْفَةً ، ثُمَّ يَنْقُلُهَا عَلَقَةً ، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمِ الْمَلَكِ بِأَنَّهُ وَلَدٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نُطْفَةٍ تَصِيرُ وَلَدًا ، وَذَلِكَ عَقِبَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى ، وَحِينَئِذٍ يَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقَاوَتَهُ أَوْ سَعَادَتَهُ ، ثُمَّ لِلْمَلَكِ فِيهِ تَصَرُّفٌ آخَرَ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، وَهُوَ تَصْوِيرُهُ وَخَلْقُ سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَجِلْدِهِ وَعَظْمِهِ ، وَكَوْنُهُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ ، وَهِيَ مُدَّةُ الْمُضْغَةِ ، وَقَبْلَ انْقِضَاءِ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ ، وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ ; لِأَنَّ نَفْخِ الرُّوحِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ صُورَتِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ : ( فَإِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ قَالَ : يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ فَيَقْضِي رَبُّكُ مَا شَاءَ ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَبِّ أَجَلُهُ ، فَيَقُولُ رَبُّكُ مَا شَاءَ ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ ، وَذَكَرَ رِزْقَهُ ) ، فقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : لَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، بَلِ الْمُرَادُ بِتَصْوِيرِهَا وَخَلْقُ سَمْعِهَا إِلَى آخِرِهِ أَنَّهُ يَكْتُبُ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَفْعَلُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ ; لِأَنَّ التَّصْوِيرَ عَقِبَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْعَادَةِ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ ، وَهِيَ مُدَّةُ الْمُضْغَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ يَكُونُ لِلْمَلَكِ فِيهِ تَصْوِيرٌ آخَرَ ، وَهُوَ وَقْتِ نَفْخِ الرُّوحِ عَقِبَ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ حِينَ يَكْمُلُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نَفْخَ الرُّوحِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ ، فَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُبْعَثُ ) بِحَرْفِ ( ثُمَّ ) يَقْتَضِي تَأْخِيرَ كَتْبِ الْمَلَكِ هَذِهِ الْأُمُورِ إِلَى مَا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ ، وَالْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ تَقْتَضِي الْكَتْبَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى . وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : ( يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمُلْكُ فَيُؤْذَنُ فَيَكْتُبُ ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ( يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ) ، وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ لَا بِمَا قَبْلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ ) ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ ) ، مُعْتَرِضًا بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : وَالْمُرَادُ بِإِرْسَالِ الْمَلَكِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَمْرُهُ بِهَا وَبِالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِهَذِهِ الْأَفْعَالِ ، وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالرَّحِمِ ، وَأَنَّهُ يَقُولُ : يَا رَبِّ نُطْفَةٌ ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ . قَالَ الْقَاضِي : وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : ( وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ : يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ) ؟ لَا يُخَالِفُ مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُضْغَةِ ، بَلِ ابْتِدَاءٌ لِلْكَلَامِ ، وَإِخْبَارٌ عَنْ حَالَةٍ أُخْرَى ، فَأَخْبَرَ أَوَّلًا بِحَالِ الْمَلَكِ مَعَ النُّطْفَةِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ إِظْهَارَ خَلْقِ النُّطْفَةِ عَلَقَةً كَانَ كَذَا وَكَذَا ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرَ مِنَ الرِّزْقِ وَالْأَجَلِ ، وَالشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ ، وَالْعَمَلِ ، وَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ أَنَّهُ يُظْهِرُ ذَلِكَ لِلْمَلَكِ ، وَيَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِهِ وَكِتَابَتِهِ ، وَإِلَّا فَقَضَاءُ اللَّهِ تَعَالَى سَابِقٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَعِلْمُهُ وَإِرَادَتُهُ لِكُلِّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْأَزَلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَوَاَلَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا . وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ... إِلَخْ ) الْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ التَّمْثِيلُ لِلْقُرْبِ مِنْ مَوْتِهِ وَدُخُولِهِ عَقِبَهُ ، وَأَنَّ تِلْكَ الدَّارُ مَا بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَصِلَهَا إِلَّا كَمَنْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ ذِرَاعٌ ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا قَدْ يَقَعُ فِي نَادِرٍ مِنَ النَّاسِ ، لَا أَنَّهُ غَالِبٌ فِيهِمْ ، ثُمَّ أَنَّهُ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ انْقِلَابُ النَّاسِ مِنَ الشَّرِّ إِلَى الْخَيْرِ فِي كَثْرَةٍ ، وَأَمَّا انْقِلَابُهُمْ مِنَ الْخَيْرِ إِلَى الشَّرِّ فَفِي غَايَةِ النُّدُورِ ، وَنِهَايَةِ الْقِلَّةِ ، وَهُوَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي وَغَلَبَتْ غَضَبِي ) وَيَدْخُلُ فِي هَذَا مَنِ انْقَلَبَ إِلَى عَمَلِ النَّارِ بِكُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ ، لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ فِي التَّخْلِيدِ وَعَدَمِهِ ; فَالْكَافِرُ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ ، وَالْعَاصِي الَّذِي مَاتَ مُوَحِّدًا لَا يُخَلَّدُ فِيهَا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِإِثْبَاتِ الْقَدَرِ ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ تَهْدِمُ الذُّنُوبَ قَبْلَهَا ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الْمَعَاصِي غَيْرَ الْكُفْرِ فِي الْمَشِيئَةِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَيَقُولُ : يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ؟ فَيُكْتَبَانِ ، فَيَقُولُ : أَيْ رَبِّ ، أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ؟ فَيُكْتَبَانِ ) يُكْتَبَانِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَمَعْنَاهُ يُكْتَبُ أَحَدُهُمَا . قَوْلُهُ : ( دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَرِيحَةَ ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ بِلَادِنَا : ( يَتَصَوَّرُ ) بِالصَّادِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي ( يَتَسَوَّرُ ) بِالسِّينِ . قَالَ : وَالْمُرَادُ بِـ يَتَسَوَّرُ يَنْزِلُ ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ مِنْ تَسَوَّرْتُ الدَّارَ إِذَا نَزَلْتُ فِيهَا مِنْ أَعْلَاهَا ، وَلَا يَكُونُ التَّسَوُّرُ إِلَّا مِنْ فَوْقٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الصَّادُ الْوَاقِعَةُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا مُبَدَّلَةٌ مِنَ السِّينِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقَاوَتِهِ وَسَعَادَتِهِ · ص 144 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب لاَ يُغْتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنْظَرَ بِمَا يُخْتَمُ لَهُ · ص 316 ( 36 ) بَابُ لاَ يُغْتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنْظَرَ بِمَا يُخْتَمُ لَهُ 112 - [ 88 ] عَنْ سَهلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - الْتَقَى هو وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا ، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى عَسْكَرِهِ ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً إِلاَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ ، فَقَالُوا : مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَمَا إِنَّهُ مِنْ أهل النَّارِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا ، قَالَ : فَخَرَجَ مَعَهُ ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ ، قَالَ : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا ، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ ، قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أهل النَّارِ ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ ، فَقُلْتُ : أَنَا لَكُمْ بِهِ ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا ، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ ذَلِكَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بعَمَل أهل الْجَنَّةِ - فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ - وهو مِنْ أهل النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بعَمَل أهل النَّارِ - فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ - وهو مِنْ أهل الْجَنَّةِ . ( 36 ) وَمِنْ بَابِ : لاَ يُغْتَرُّ بِعَمَلِ عَامِلٍ حَتَّى يُنْظَرَ بِمَا يُخْتَمُ عليهُ ( قوله : لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً ) الشَّاذُّ : الخارجُ عن الجماعة ، والفاذُّ : المنفرد ، وأنَّث الكلمتَيْنِ على جهة المبالغة ؛ كما قالوا : عَلاَّمَةٌ ، ونَسَّابة ؛ قال ابن الأعرابي : يقال : فلانٌ لا يَدَعُ لهم شَاذَّةً ولا فَاذَّةً : إذا كان شُجَاعًا لا يلقاه أحدٌ . وفيه من الفقه : ما يدلُّ على جواز الإغْيَاءِ في الكلامِ والمبالغةِ فيه ، إذا احتِيج إليه ، ولم يكنْ ذلك تعمُّقًا ولا تشدُّقًا . و ( قوله : مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ ) كذا صحَّتْ روايتنا فيه رباعيًّا مهموزًا ، ومعناه : ما أغنَى ولا كَفَى . وفي الصحاح : أجزَأَني الشيءُ : كفاني ، وجزَى عنِّي هذا الأمرُ ، أي : قَضَى ؛ ومنه قوله : لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا أي : لا تَقْضِي ، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - لأبي بردةِ : تَجْزِي عَنْكَ ، وَلاَ تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ، قال : وبنو تميمٍ يقولون : أَجْزَأَتْ عنك شاةٌ ، بالهمز . وقال أبو عُبَيْد : جَزَأْتُ بالشيءِ وأجزَأْتُ ؛ أي : اكتفَيْتُ به ، وأنشَدَ : فَإِنَّ اللُّؤْمَ فِي الأَْقْوَامِ عَارٌ وَإِنَّ المَرْءَ يَجْزَى بِالكُرَاعِ وفلانٌ ، قيل : هو قُزْمَان . ونَصْلُ السيف : حديدتُهُ كلُّها ، وأنشدوا : كالسَّيْفِ سُلَّ نَصْلُهُ مِنْ غِمْدِهِ . . . . . . . . . ويقال عليها : مُنْصُلٌ ، والمرادُ بالنَّصْل في هذا الحديث : طَرَفُ النَّصْلِ الأسفلُ الذي يسمَّى : القَبِيعة ، والرئاس . وذُبَابُهُ : طَرَفُهُ الأعلى المحدَّدُ المهلَّل ، وظبَتَاهُ وغَرْبَاه : حَدَّاهُ ، وصدرُ السيفِ : مِنْ مَقْبِضه إلى مَضْرِبه ، ومَضْرِبُهُ : موقعُ الضَّرْب منه ، وهو دون الذُّبَاب بِشِبْرٍ . و ( قوله : فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ ) أي : عظَّموه وكَبُرَ عليهم ؛ وإنما كان ذلك ؛ لأنَّهم نظروا إلى صورةِ الحالْ ، ولم يعرفوا الباطنَ ولا المآلْ ، فأعلَمَ العليمُ الخبيرُ البشيرَ النذيرَ بمُغَيَّبِ الأمرِ وعاقبتِه ، وكان ذلك مِنْ أدلَّةِ صِدْقِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - وصِحَّةِ رسالتِه ، ففيه التنبيهُ على تركِ الاِعتمادِ على الأعمالْ ، والتعويلُ على فضلِ ذي العزَّةِ والجلالْ . و ( قوله : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلَ أهل الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ ) دليلٌ على أنَّ ذلك الرجُلَ لم يكنْ مخلصًا في جهاده ، وقد صرَّحَ الرجلُ بذلك فيما يروى عنه أنَّه قال : إِنَّمَا قَاتَلْتُ عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي ، فيتناول هذا الخَبَرُ أهلَ الرياء . فأمَّا حديثُ أبي هريرة الذي قال فيه : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أهل الجَنَّةِ ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أهل النَّارِ فَيَدْخُلُهَا : فإنَّما يتناوَلَ مَنْ كان مخلصًا في أعمالِهِ ، قائمًا بها على شروطها ، لكنْ سبَقَتْ عليه سابقةُ القدر ، فبدَّل به عند خاتمته ؛ كما يأتي بحقيقته في كتاب القدر ، إن شاء الله تعالى .
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب الأعمال بالخواتيم · ص 664 ( 5 ) باب الأعمال بالخواتيم ( 2651 ) [ 2577] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ( 112 ) ( 179 ) [ 2578 ] وقد تقدم حديث سهل بن سعد الساعدي في كتاب الإيمان .