[5] 2677 - حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ - وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا ، مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ : مَنْ أَحْصَاهَا . [6] - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَزَادَ هَمَّامٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ . ( 2 ) باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا ، مَنْ أَحْصَاهَم دَخَلَ الْجَنَّةَ ، إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى ، إِذْ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَكَانَتِ الْأَسْمَاءُ لِغَيْرِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَشْهَرَ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : ( اللَّهُ ) لِإِضَافَةِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ إِلَيْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ : وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ كُلُّ اسْمٍ لَهُ ، فَيُقَالُ : الرَّءُوفُ وَالْكَرِيمُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا يُقَالُ : مِنْ أَسْمَاءِ الرَّءُوفِ أَوِ الْكَرِيمِ اللَّهُ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ حَصْرٌ لِأَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ : أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَسْمَاءٌ غَيْرَ هَذِهِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، فَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِإِحْصَائِهَا لَا الْإِخْبَارِ بِحَصْرِ الْأَسْمَاءِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : أَسْأَلُكَ بِكُلٍّ اسْمٍ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : لِلَّهِ تَعَالَى أَلِفُ اسْمٍ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذَا قَلِيلٌ فِيهَا . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا تَعْيِينُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فَقَدْ جَاءَ فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فِي بَعْضِ أَسْمَائِهِ خِلَافٌ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا مَخْفِيَّةُ التَّعْيِينِ كَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَنَظَائِرِهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) ، فَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِإِحْصَائِهَا ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ : مَعْنَاهُ : حَفِظَهَا ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : ( مَنْ حَفِظَهَا ) ، وَقِيلَ : أَحْصَاهَا : عَدَّهَا فِي الدُّعَاءِ بِهَا ، وَقِيلَ : أَطَاقَهَا ، أَيْ : أَحْسَنَ الْمُرَاعَاةَ لَهَا ، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ ، وَصَدَّقَ بِمَعَانِيهَا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : الْعَمَلُ بِهَا وَالطَّاعَةُ بِكُلِّ اسْمِهَا ، وَالْإِيمَانُ بِهَا لَا يَقْتَضِي عَمَلًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمُرَادُ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتُهُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ لَهَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ) الْوِتْرُ : الْفَرْدُ ، وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى : الْوَاحِدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نَظِيرٌ . وَمَعْنَى ( يُحِبُّ الْوِتْرَ ) : تَفْضِيلُ الْوِتْرِ فِي الْأَعْمَالِ ، وَكَثِيرٍ مِنَ الطَّاعَاتِ ، فَجَعَلَ الصَّلَاةَ خَمْسًا ، وَالطَّهَارَةَ ثَلَاثًا ، وَالطَّوَافَ سَبْعًا ، وَالسَّعْيَ سَبْعًا ، وَرَمْيَ الْجِمَارِ سَبْعًا ، وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ثَلَاثًا ، وَالِاسْتِنْجَاءَ ثَلَاثًا ، وَكَذَا الْأَكْفَانُ ، وَفِي الزَّكَاةِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، وَخَمْسُ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ ، وَنِصَابُ الْإِبِلِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَجَعَلَ كَثِيرًا مِنْ عَظِيمِ مَخْلُوقَاتِهِ وِتْرًا : مِنْهَا السَّمَاوَاتُ ، وَالْأَرْضُونَ ، وَالْبِحَارُ ، وَأَيَّامُ الْأُسْبُوعِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَاهُ مُنْصَرِفٌ إِلَى صِفَةِ مَنْ يَعْبُدِ اللَّهَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ، وَالتَّفَرُّدِ مُخْلِصًا لَهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِ مَنْ أَحْصَاهَا · ص 177 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب فضل إحصاء أسماء الله تعالى · ص 13 ( 3 ) باب فضل إحصاء أسماء الله تعالى 2677 [ 2616 ] عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله تسعة وتسعين اسما ، من حفظها دخل الجنة ، والله وتر يحب الوتر " . وفي رواية : " وإن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ؛ من أحصاها دخل الجنة " . ( 3 ) ومن باب : فضل إحصاء أسماء الله تعالى ( قوله : " لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - " ) الاسم في العرف العام : هو الكلمة الدالة على معنى مفرد ، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف ، إذ كل واحد منها يصدق عليه ذلك الحد ، فلا فعل ، ولا حرف في العرف العام ، وإنما ذلك اصطلاح النحويين والمنطقيين ، وليس ذلك من غرضنا . وإذا فهمت هذا فهمت غلط من قال : إن الاسم هو المسمى حقيقة ، كما قالت طائفة من جهال الحشوية ؛ فإنَّهم صرحوا بذلك واعتقدوه حتى أُلزِموا على ذلك أن من قال : سم ، مات ، ومن قال : نار ، احترق . وهؤلاء أخس من أن يشتغل بمخاطبتهم ، وأما من قال من النحويين ، ومن المتكلمين : الاسم هو المسمى ، فحاشاهم أن يريدوا هذه الحماقة ، وإنَّما أرادوا أنه هو من حيث أنه لا يدلّ إلا عليه ، ولا يفيد إلا هو ، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليها من غير مزيد أمر آخر ، وإن كان من الأسماء الدالة على معنى زائد : دل على تلك الذات ، منسوبة إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره . وبيان ذلك : أنك إذا قلت : زيد - مثلا - فهو يدلّ على ذات مشخصة في الوجود من غير زيادة ولا نقصان ، فلو قلت - مثلا - : العالم ؛ دل هذا على تلك الذات منسوبة إلى العلم ، وكذلك لو قلت : الغني ؛ دل ذلك على تلك الذات مع إضافة مال إليها ، وكذلك لو قلت : الفقير ؛ دل على تلك الذات مع سلب المال عنها ، وهذا جار في كل ما يقال عليه اسم بالعرف العام . ومن هنا صح عقلا أن تكثر الأسماء المختلفة على ذات واحدة ، ولا توجب تعددا فيها ، ولا تكثيرا ، وقد غمض فهم هذا - مع وضوحه - على بعض أئمة المتكلمين ، وفر منه هربا من لزوم تعدد في ذات الإله ، حتى تأول هذا الحديث ؛ بأن قال : إن الاسم فيه يراد به التسمية ، ورأى أن هذا يخلصه من التكثر ، وهذا فرار من غير مفر إلى غير مفر ، وذلك أن التسمية إنما هي وضع الاسم ، أو ذكر الاسم ، فإنَّه يقال لمن سمى ابنه عند ولادته بزيد : سمى يسمي تسمية ، وكذلك نقول لمن ذكر اسم زيد لغيره ، وعلى هذا فالتسمية هي نسبة الاسم إلى مسماه ، فإذا قلنا : إن لله تعالى تسعة وتسعين تسمية ، اقتضى ذلك : أن يكون له تسعة وتسعون اسما ينسبها كلها إليه ، فبقي الإلزام بعد ذلك التكلف والتعسف ، والحق ما ذكرناه ، والمفهم الإله . وقد يقال : الاسم هو المسمى ، ويعني به : أن هذه الكلمة التي هي الاسم ، قد يطلق ويراد به المسمى ، كما قيل ذلك في قوله تعالى : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى أي : سبح ربك ، فأريد بالاسم المسمى ، وهذا بحث لفظي لا ينبغي أن ينكر ، ولا جرم قال به في هذه الآية وفيما يشبهها جماعة من علماء اللسان وغيرهم ، وإذا تقرر هذا فافهم أن أسماء الحق سبحانه وإن تعددت فلا تعدد في ذاته تعالى ، ولا تركيب ، لا عقليا كترتيب المحدودات ، ولا محسوسا كترتيب الجسمانيات ، وإنما تعددت أسماؤه تعالى بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات ، ثم هذه الأسماء من جهة دلالتها على أربعة أضرب ؛ فمنها : ما يدلّ على الذات مجردة ، كاسم الله تعالى ، على قول من يقول : إنه عَلَم غير مشتق ، وهو الخليل وغيره ؛ لأنَّه يدلّ على الوجود الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال ، دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد ، ولأنه أشهر أسمائه حتى تعرف كل أسمائه به ، فيقال : الرحمن : اسم الله ، ولا يقال : الله اسم الرحمن ، ولأن العرب عاملته معاملة الأسماء الأعلام في النداء ، فجمعوا بينه وبين ياء النداء ، ولو كان مشتقا لكانت لامه زائدة ، وحينئذ لا يجمع بينه وبينها في النداء ، كما لا تقول العرب : يا لحارث ولا يا لعباس . ولاستيفاء المباحث علم الاشتقاق . ومنها : ما يدلّ على صفات الباري تعالى الثابتة له ، كالعالم والقادر ، والسميع والبصير . ومنها : ما يدلّ على إضافة أمر ما إليه ، كالخالق ، والرازق . ومنها : ما يدلّ على سلب شيء عنه ، كالقدوس ، والسلام . وهذه الأقسام الأربعة لازمة منحصرة ، دائرة بين النفي والإثبات ، فاختبرها تجدها كذلك . و ( قوله : " مائة إلا واحدا " ) تأكيد للجملة الأولى ، ليرفع به وهم متوهم في النطق أو الكتابة ؛ لأنَّ تسعة مقاربة لسبعة فيهما . ومائة منصوبة بدل من تسعة . و ( قوله : " من أحصاها دخل الجنة " ) هذه الجملة خبر ثان للمائة المذكورة في الجملة الأولى ، غير أن هذه الجملة هي الفائدة المقصودة لعينها ، والجملة الأولى مقصودة لها ، لا أن مقصودها حصر الأسماء فيما ذكر ، وهذا كقول القائل : لزيد مائة دينار ، أعدها للصدقة ، لا يفهم من هذا : أنه ليس له مال غير المائة دينار ، وإنما يفهم أن هذه المائة هي التي أعدها للصدقة لا غيرها . وقد دل على أن لله أسماء أخر ما قدمناه من قوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أسالك بكل اسم سميت به نفسك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " و قوله : " فأحمده بمحامد لا أقدر عليها ، إلا أن يلهمنيها الله " . وقد بحث الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسنة ، فجمعوها في كتبهم ، كالخطابي ، والقشيري ، وغيرهما ، فمن أرادها وجدها . وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا ، وزاد فيه ذكر الأسماء وتعديدها إلى تسعة وتسعين ، وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح ، وهو ثقة عند أهل الحديث . والإحصاء في الكلام على ثلاث مراتب ؛ أولها : العدد ، ومنه قوله تعالى : وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا والثانية : بمعنى الفهم ، ومنه يقال : رجل ذو حصاة ؛ أي : ذو لب وفهم ، ومنه سمي العقل : حصاة ، قال كعب بن سعد الغنوي : وأن لسان المرء ما لم يكن له حصاة على عوراته لدليل والثالثة : بمعنى الإطاقة على العمل والقوة ، ومنه قوله تعالى : عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي : لن تطيقوا العمل بذلك ، والمرجو من كرم الله تعالى ، أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحَّة النية ، أن يدخله الله الجنة ، لكن المرتبة الأولى : هي مرتبة أصحاب اليمين ، والثانية : للسابقين ، والثالثة : للصديقين ، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها ، والمحافظة على حدودها ، والاتصاف بقدر الممكن منها ، كما أشار إليه الطوسي في " المقصد الأسنى " . و ( قوله : " والله وتر يحب الوتر " ) قد تقدَّم أن الوتر : الفرد ، والشفع : الزوج ، وأن معنى وحدانية الله تعالى : أنَّه واحد في ذاته فلا انقسام له ، وواحد في إلهيته ، فلا نظير له ، وواحد في مُلكه ومِلكه فلا شريك له و ( قوله : " يحب الوتر " ) ظاهره : أن الوتر هنا للجنس ، لا معهود جرى ذكره يحمل عليه ، فيكون معناه على هذا : أنه يحب كل وتر شرعه ، وأمر به ، كالمغرب ، فإنها وتر صلاة النهار ، ووتر صلاة الليل ، وكالصلوات الخمس ، فإنَّها وتر ، وكالوتر في مرار الطهارة ، وغسل الميت ، ونحو هذا مما شرع فيه الوتر ، ومعنى محبته لهذا النوع : أنه أمر به ، وأثاب عليه . ويصلح ذلك للعموم لما خلقه وترا من مخلوقاته ، كالسماوات السبع والأرضين السبع ، والذراري السبع ، وكآدم الذي خلقه من تراب ، وعيسى الذي خلقه من غير أب ، وهكذا كل ما خلقه الله وترا من مخلوقاته ، ومعنى محبته لهذا النوع أنه خصصها بذلك لِحَكَم علمها ، وأمور قدرها . ويحتمل أن يريد بذلك الوتر واحدا بعينه ، فقيل : هو صلاة الوتر ، وقيل : يوم الجمعة ، وقيل : يوم عرفة ، وقيل : آدم ، وقيل غير ذلك . وقيل : يحتمل أن يكون معناه منصرفا إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرد على سبيل الإخلاص والاختصاص . قلت : وهذه الأقوال كلها متكافئة ، وأشبه ما تقدَّم : حمله على العموم ، وقد ظهر لي وجه ، وأرجو أن يكون أولى بالمقصود ، وهو أن الوتر يراد به التوحيد ، فيكون معناه : إن الله تعالى في ذاته وكماله وأفعاله واحد ، ويحب التوحيد ، أي : يوحّد ويعتقد انفراده دون خلقه ، فيلتئم أول الحديث وآخره ، وظاهره وباطنه .