[46] 2766 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى قَالَا : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي بكر الصِّدِّيقِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ : جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ : إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ : قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ ، فَقَاسُوهُ ، فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ، قَالَ قَتَادَةُ : فَقَالَ الْحَسَنُ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ . [47] - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيقِ النَّاجِيَّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَأَتَى رَاهِبًا ، فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ ، فَقَتَلَ الرَّاهِبَ ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ ، فَنَأَى بِصَدْرِهِ ، ثُمَّ مَاتَ . فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ؛ فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ ، فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا . [48] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَزَادَ فِيهِ : فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي ، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي . ( 8 ) باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، ثُمَّ قَتَلَ تَمَامَ الْمِائَةِ ، ثُمَّ أَفْتَاهُ الْعَالِمُ بِأَنَّ لَهُ تَوْبَةٌ ) هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى صِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ عَمْدًا ، وَلَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ . وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ خِلَافِ هَذَا ، فَمُرَادُ قَائِلِهِ الزَّجْرُ عَنْ سَبَبِ التَّوْبَةِ ، لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ تَوْبَتِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِيهِ ، وَهُوَ وإِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلنَا ، وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ خِلَافٌ ؛ فَلَيْسَ مَوْضِعَ الْخِلَافِ ، وَإِنَّمَا مَوْضِعُهُ إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِمُوَافَقَتِهِ وَتَقْرِيرِهِ ، فَإِنْ وَرَدَ كَانَ شَرْعًا لَنَا بِلَا شَكٍّ ، وَهَذَا قَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ إِلَى قَوْلِهِ : إِلا مَنْ تَابَ الْآيَةَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا فَالصَّوَابُ فِي مَعْنَاهَا : أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّمُ ، وَقَدْ يُجَازَى بِهِ ، وَقَدْ يُجَازَى بِغَيْرِهِ وَقَدْ لَا يُجَازَى بَلْ يُعْفَى عَنْهُ ، فَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا مُسْتَحِلًّا لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأْوِيلٍ ، فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ ، يَخْلُدُ بِهِ فِي جَهَنَّمَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ بَلْ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ ، فَهُوَ فَاسِقٌ عَاصٍ مُرْتَكِبُ كَبِيرَةٍ ، جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ، لَكِنْ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا فِيهَا ، فَلَا يَخْلُدُ هَذَا ، وَلَكِنْ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ ، فَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَصْلًا ، وَقَدْ لَا يُعْفَى عَنْهُ ، بَلْ يُعَذَّبُ كَسَائِرِ الْعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ ، ثُمَّ يَخْرُجُ مَعَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ، وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَى الْآيَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَازَى بِعُقُوبَةٍ مَخْصُوصَةٍ أَنْ يَتَحَتَّمَ ذَلِكَ الْجَزَاءُ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ يُخَلَّدُ فِي جَهَنَّمِ ، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهَا جَزَاؤُهُ أَيْ : يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَازَى بِذَلِكَ ، وَقِيلَ : إِنَّ الْمُرَادَ مَنْ قَتَلَ مُسْتَحِلًّا ، وقِيلَ : وَرَدَتِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْخُلُودِ طُولُ الْمُدَّةِ لَا الدَّوَامُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهَا هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جَازَاهُ ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ ؛ لِمُخَالَفَتِهَا حَقِيقَةَ لَفْظِ الْآيَةِ ، وَأَمَّا هَذَا الْقَوْلُ فَهُوَ شَائِعٌ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، وَهُوَ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا عُفِي عَنْهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهَا كَانَتْ جَزَاءً ، وَهِيَ جَزَاءٌ لَهُ ، لَكِنْ تَرَكَ اللَّهُ مُجَازَاتَهُ عَفْوًا عَنْهُ وَكَرَمًا ، فَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا ؛ فَإِنَّ فِيهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضكِ ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ : فِي هَذَا اسْتِحْبَابُ مُفَارَقَةِ التَّائِبِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي أَصَابَ بِهَا الذُّنُوبَ ، وَالْأَخْدَانَ الْمُسَاعِدِينَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَمُقَاطَعَتِهِمْ مَا دَامُوا عَلَى حَالِهِمْ ، وَأَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِمْ صُحْبَةَ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَبِّدِينَ الْوَرِعِينَ وَمَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ ، وَيَنْتَفِعُ بِصُحْبَتِهِمْ ، وَتَتَأَكَّدُ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ ) هُوَ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ ، أَيْ : بَلَغَ نِصْفَهَا . قَوْلُهُ : ( نَأَى بِصَدْرِهِ ) أَيْ نَهَضَ ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْأَلِفِ عَلَى الْهَمْزَةِ وَعَكْسُهُ ، وَسَبَقَ فِي حَدِيثِ أَصْحَابِ الْغَارِ . وَأَمَّا قِيَاسُ الْمَلَائِكَةِ مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ ، وَحُكْمُ الْمَلَكِ الَّذِي جَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ ، فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُمْ عِنْدَ اشْتِبَاهِ أَمْرِهِ عَلَيْهِمْ ، وَاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ أَنْ يُحَكِّمُوا رَجُلًا مِمَّنْ يَمُرُّ بِهِمْ ، فَمَرَّ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ ، فَحَكَمَ بِذَلِكَ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجبَاب قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ · ص 235 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب لا ييأس من قبول التوبة ولو قتل مائة نفس · ص 89 ( 6 ) باب لا ييأس من قبول التوبة ولو قتل مائة نفس 2766 ( 46 و 48 ) [ 2683 ] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ : إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ ، فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ . فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ ملك الْمَوْت فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ : جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ : إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ : قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ . قَالَ قَتَادَةُ : قَالَ الْحَسَنُ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ . وزاد في أخرى : فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي . [ ( 6 ) ومن باب : لا ييأس من قبول التوبة ولو قتل مائة نفس ] ( قول الراهب لقاتل التسعة والتسعين : إنه لا توبة له ) . دليل على : قلة علم ذلك الراهب ، وعدم فطنته ، حيث لم يصب وجه الفتيا ، ولا سلك طريق التحرز على نفسه ، ممن صار القتل له عادة معتادة ، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه ، فكان حقه ألا يشافهه بمنع التوبة مداراة لدفع القتل عن نفسه ، كما يداري الأسد الضاري ، لكنه أعان على نفسه ، فإنَّه لما آيسه من رحمة الله وتوبته قتله ، بحكم سبعيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه ، ولما لطف الله به بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله . فما زال يبحث إلى أن ساقه الله تعالى إلى هذا الرجل العالم الفاضل ، فلما سأله نطق بالحق والصواب ، فقال له : ومن يحول بينك وبينها ؟ مفتيا ومنكرا على من ينفيها عنه ، ثم إنه أحاله على ما ينفعه ، وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه بحكم عادة أهلها الفاسدة ، ولقومه الذين كانوا يعينونه على ذلك ، ويحملونه عليه . وبهذا يُعلم فضل العلم على العبادة ، فإنَّ الأول غلبت عليه الرهبانية . واغتر بوصف الناس له بالعلم ، فأفتى بغير علم ، فهلك في نفسه وأهلك غيره . والثاني كان مشتغلا بالعلم ومعتنيا به ، فوفق للحق ، فأحياه الله في نفسه ، وأحيا به الناس. قال القاضي : ومذهب أهل السنة والجماعة أن التوبة تكفر القتل كسائر الذنوب ، وهو قول كافة العلماء ، وما روي عن بعضهم من تشديد في الزجر وتورية في القول فإنما ذلك ؛ لئلا يجترئ الناس على الدماء ، وقد اختلف في قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا فقيل : معناه : إن جازاه ، وقيل : الخلود : طول الإقامة لا التأبيد ، وقيل : الآية في رجل بعينه قتل رجلا له عليه دم بعد أخذ الدية ، ثم ارتد ، وقد تقدَّم القول على أن كل ما دون الشرك يجوز أن يغفره الله تعالى ، وأنه ليس من ذلك شيء كفرا ، قتلا كان أو ترك صلاة أو غيرها ، كما دل عليه قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ولقوله في حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - : " تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، فمن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به ، فهو كفارة له ، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه ، فأمره إلى الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عذبه . ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة أيضًا : " خمس صلوات افترضهن الله عز وجل على العباد ، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا ، كان له عند الله عهد أن يغفر له ، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد ، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه " . وهذه حجج صريحة تبين فساد مذهب المكفرة بشيء من ذلك . و ( قوله : " نصف الطريق " ) أي : بلغ نصفه ، يقال : نصف الماء والشجرة وغيرهما : إذا بلغ نصف ذلك . و ( قوله : نأى بصدره ) أي : نهض به مع ثقل ما أصابه من الموت ، وذلك دليل على صحة توبته وصدق رغبته . و ( قوله : " فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقالت ملائكة الرحمة : إنه جاء تائبا مقبلا بقلبه " ) . هذا نص صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبة وحرصه عليها ، وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى قالت : إنه لم يعمل خيرا قط . ولو اطلعت على ما في قلبه من التوبة ، لما صح لها أن تقول هذا ، ولا تنازع ملائكة الرحمة في قولها : إنه جاء تائبا مقبلا بقلبه ، بل شهدت بما في علمها ، كما شهد الآخرون بما تحققوه . لكن شهادة ملائكة الرحمة على إثبات ، وشهادة ملائكة العذاب على عدم علم ، وشهادة الإثبات مقدمة . فلا جرم لما تنازع الصنفان وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى ، بعث الله إليهما ملكا حاكما يفصل بينهما ، وصوره بصورة الآدمي ، إخفاء عن الملائكة وتنويها ببني آدم ، وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا . و ( قوله : " فجعلوه بينهم " ) فيه حجَّة لمالك على قوله : إن المتخاصمين إذا حكما بينهما رجلا يصلح للتحكيم لزمهما ما يحكم به ، وقد خالفه في ذلك الشافعي . و ( قوله : " فقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له " ) . دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده ، وتعذرت الشهادات ، وأمكنه أن يستدل بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى ، نفذ الحكم بذلك ، كما فعله سليمان عليه السلام حيث قال : ائتوني بالسكين أشقه بينهما . تنبيه : قال القاضي : جعل الله قُربه من القرية علامة للملك عند اختلافهم مع عدمهم معرفة حقيقة باطنه التي اطلع الله عليها ، ولو تحققوا توبته لم يختلفوا ولم يحتاجوا للمقايسة . قلت : وهذه غفلة منه عن قول ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله عز وجل . وهذا نص في أن ملائكة الرحمة علمت ما في قلبه ، فلو علمت ملائكة العذاب ما في قلبه لما تنازعوا ؛ لأن الملائكة كلهم لا يخفى عليهم أن التوبة إذا صحت في القلب ، وعمل على مقتضاها بالجوارح بالقدر الممكن ، مقبولة بفضل الله تعالى ، ووعده الصادق ، والأحسن ما ذكرناه إن شاء الله تعالى ، وإنما جعل الله قرب تلك الأرض سببا مرجحا لحجَّة ملائكة الرحمة ، ومصدقا لصحة التوبة ، وفيه دليل على أن أعمال الظاهر عنوان على الباطن . و ( قوله : " فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي " ) . إنما كان ذلك لما حكم الحاكم بقياس الأرض . ويفهم منه أن الرجل كان أقرب إلى الأرض التي خرج منها ، فلو ترك الله الأرض على حالها ، لقبضته ملائكة العذاب ، لكن غمرته الألطاف الإلهية ، وسبقت له العناية الأزلية ، فقربت البعيد ، وألانت الحديد. ويستفاد منه أن الذنوب وإن عظمت ، فعفو الله أعظم منها ، وأن من ألهم صدق التوبة . فقد سلك به طريق اللطف والقربة .