كِتَاب صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ [18] 2785 - حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ - يَعْنِي الْحِزَامِيَّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ؛ اقْرَءُوا : فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [19] 2786 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ - يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ - ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : جَاءَ حَبْرٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَوْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ، فَيَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ ، أَنَا الْمَلِكُ ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [20] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، كِلَاهُمَا ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، قَالَ : جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ فُضَيْلٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ : ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ، وَقَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ تَصْدِيقًا لَهُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَتَلَا الْآيَةَ . [21] - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، قَالَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ يَقُولُ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالْأَرْضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالشَّجَرَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ ، أَنَا الْمَلِكُ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [22] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، ح ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، ح ، وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، كُلُّهُمْ عَنْ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا : وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ . وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ : وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ، وَلَكِنْ فِي حَدِيثِهِ : وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ . وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ تَصْدِيقًا لَهُ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ . [23] 2787 - حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقْبِضُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ ؟ [24] 2788 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَطْوِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا الْمَلِكُ ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ؟ [25] - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : يَأْخُذُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ فَيَقُولُ : أَنَا اللَّهُ - وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا - أَنَا الْمَلِكُ . حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ ، حَتَّى إِنِّي لَأَقُولُ : أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ [26] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَهُوَ يَقُولُ : يَأْخُذُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ . كتاب صفة القيامة والجنة والنار قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ) أَيْ : لَا يَعْدِلُهُ فِي الْقَدْرِ وَالْمَنْزِلَةِ ، أَيْ : لَا قَدْرَ لَهُ . وَفِيهِ : ذَمُّ السِّمَنِ . و ( الْحَبْرُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا ، وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ ، وَهُوَ الْعَالِمُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكَ السَّمَاوَاتِ عَلَى أُصْبُعٍ وَالْأَرْضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ . . . إِلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ) هَذَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِيهَا الْمَذْهَبَانِ : التَّأْوِيلُ وَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ ، مَعَ الْإِيمَانِ بِهَا ، مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا غَيْرَ مُرَادٍ ، فَعَلَى الْمُتَأَوِّلِينَ يَتَأَوَّلُونَ الْأَصَابِعَ هُنَا عَلَى الِاقْتِدَارِ ، أَيْ : خَلَقَهَا مَعَ عِظَمِهَا ، بِلَا تَعَبٍ وَلَا مَلَلٍ ، وَالنَّاسُ يَذْكُرُونَ الْإِصْبَعَ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ وَالِاحْتِقَارِ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ : بِإصْبُعِي أَقْتُلُ زَيْدًا ، أَيْ : لَا كُلْفَةَ عَلَيَّ فِي قَتْلِهِ ، وَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَصَابِعَ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ، وَالْمَقْصُودُ : أَنَّ يَدَ الْجَارِحَةِ مُسْتَحِيلَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقَ الْحَبْرَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبِضُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ ، وَالْمَخْلُوقَاتِ بِالْأَصَابِعِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا الْإِشَارَةُ إِلَى نَحْوِ مَا يَقُولُ ، قَالَ الْقَاضِي : وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينِ : لَيْسَ ضَحِكُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَجُّبُهُ وَتِلَاوَتُهُ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لِلْحَبْرِ ، بَلْ هُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِ ، وَإِنْكَارٌ وَتَعَجُّبٌ مِنْ سُوءِ اعْتِقَادِهِ ، فَإِنَّ مَذْهَبَ الْيَهُودِ التَّجْسِيمُ ، فَفُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ تَصْدِيقًا لَهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي عَلَى مَا فُهِمَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ : ( أَنَّ ابْنَ مِقْسَمٍ نَظَرَ إِلَى ابْنِ عُمرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَأْخُذُ اللَّهُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرضِيهِ بِيَدَيْهِ ، وَيَقُولُ : أَنَا اللَّهُ ، وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا ، أَنَا الْمَلِكُ ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ ) ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ وَيَبْسُطُهَا ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِهَذَا قَالَ : إِنَّ ابْنَ مِقْسَمٍ نَظَرَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ كَيْفَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَأَمَّا إِطْلَاقُ الْيَدَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى فَمُتَأَوَّلٌ عَلَى الْقُدْرَةِ ، وَكَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِالْيَدَيْنِ ؛ لِأَنَّ أَفْعَالِنَا تَقَعُ بِالْيَدَيْنِ ، فَخُوطِبْنَا بِمَا نَفْهَمُهُ ، لِيَكُونَ أَوْضَحَ وَأَوْكَدَ فِي النُّفُوسِ ، وَذَكَرَ الْيَمِينَ وَالشِّمَالَ حَتَّى يَتِمَّ الْمِثَالُ ؛ لِأَنَّا نَتَنَاوَلُ بِالْيَمِينِ مَا نُكْرِمُهُ ، وَبِالشِّمَالِ مَا دُونَهُ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّنَا يَقْوَى لِمَا لَا يَقْوَى لَهُ الشِّمَالُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّمَوَاتِ أَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ ، فَأَضَافَهَا إِلَى الْيَمِينِ ، وَالْأَرَضِينَ إِلَى الشِّمَالِ ، لِيُظْهِرَ التَّقْرِيبَ فِي الِاسْتِعَارَةِ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُوصَفُ بِأَنَّ شَيْئًا أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَا أَثْقَلَ مِنْ شَيْءٍ ، هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فِي هَذَا . قَالَ الْقَاضِي : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ : يَقْبِضُ ، وَيَطْوِي ، وَيَأْخُذُ ، كُلُّهُ بِمَعْنَى الْجَمْعِ ؛ لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ مَبْسُوطَةٌ ، وَالْأَرَضِينَ مَدْحُوَّةٌ ، وَمَمْدُودَةٌ ، ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ وَتَبْدِيلِ الْأَرْضِ غَيْرِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ ، فَعَادَ كُلُّهُ إِلَى ضَمِّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَرَفْعِهَا وَتَبْدِيلِهَا بِغَيْرِهَا ، قَالَ : وَقَبْضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ ، وَبَسْطَهَا تَمْثِيلٌ لِقَبْضِ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَجَمْعِهَا بَعْدَ بَسْطِهَا ، وَحِكَايَةٌ لِلْمَبْسُوطِ وَالْمَقْبُوضِ ، وَهُوَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُونَ ، لَا إِشَارَةً إِلَى الْقَبْضِ وَالْبَسْطِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْقَابِضُ وَالْبَاسِطُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَلَا تَمْثِيلَ لِصِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى السَّمْعِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْيَدِ الَّتِي لَيْسَتْ بِجَارِحَةٍ . وَقَوْلُهُ : فِي الْمِنْبَرِ ( يَتَحَرَّكَ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ أَسْفَلِهِ إِلَى أَعْلَاهُ ؛ لِأَنَّ بِحَرَكَةِ الْأَسْفَلِ يَتَحَرَّكُ الْأَعْلَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَحَرُّكَهُ بِحَرَكَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِهِ هَيْبَةً لَسَمْعِهِ كَمَا حَنَّ الْجِذْعُ ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ مُشْكِلٍ ، وَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ ، وَلَا نُشَبِّهُ شَيْئًا بِهِ ، وَلَا نُشَبِّهُهُ بِشَيْءٍ ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ عَنْهُ ، فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ ، فَمَا أَدْرَكْنَا عِلْمَهُ فَبِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَا خَفِيَ عَلَيْنَا آمَنَّا بِهِ وَوَكَّلْنَا عِلْمَهُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَحَمَلْنَا لَفْظَهُ عَلَى مَا احْتُمِلَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الَّذِي خُوطِبْنَا بِهِ ، وَلَمْ نَقْطَعْ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ . قَوْلُهُ : ( وَالشَّجَرُ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ ) الثَّرَى هُوَ التُّرَابُ النَّدِيُّ . قَوْلُهُ : ( بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ : أَنْيَابُهُ .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجص 271 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمومن سورة تنزيل · ص 389 ( 21 ) ومن سورة تنزيل 2786 ( 21 و 22 ) [ 2901 ] عن عبد الله بن مسعود قال : جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا القاسم ، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر والثرى على إصبع . في رواية : ثم يهزهن ثم يقول : أنا الملك ، أنا الملك ، قال : فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك حتى بدت نواجذه . وفي أخرى : تصديقا له وتعجبا لما قال ، ثم قال : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ 2787 [ 2902 ] وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك ، أين ملوك الأرض ؟ ( 21 ) ومن سورة تنزيل ( قول اليهودي : إن الله يمسك السماوات على إصبع . . . الحديث إلى آخره ) . هذا كله قول اليهودي ، لا قول النبي صلى الله عليه وسلم ، والغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسمية ، وأن الله تعالى شخص ذو جوارح ، كما تعتقده غلاة الحشوية في هذه الملة ، وضحك النبي صلى الله عليه وسلم منه ، إنما هو تعجب من جهله ، ألا ترى أنه قرأ عند ذلك : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي : ما عرفوه حق معرفته ، ولا عظموه حق تعظيمه . وهذه الرواية هي الرواية الصحيحة المحققة ، فأمَّا رواية من زاد في هذا اللفظ : تصديقا له ، فليست بشيء ؛ لأنَّها من قول الراوي ، وهي باطلة ؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدق الكاذب ولا المحال ، وهذه الأوصاف في حق الله تعالى محال ، بدليل ما قدمناه غير مرة ، وحاصله أنه لو كان تعالى ذا يد وأصابع وجوارح على نحو ما هو المعروف عندنا ، لكان كواحد منا ، ويجب له من الافتقار والحدث والنقص والعجز ما يجب لنا ، وحينئذ تستحيل عليه الإلهية ، ولو جازت الإلهية لمن كان على هذه الأوصاف لجاز أن يكون كل واحد منا إلها ، ولصحت الإلهية للدجال ، ولصدق في دعواه إياها ، وكل ذلك كذب ومحال ، والمفضي إليه كذب ومحال ، فقول اليهودي كذب ومحال ، ولذلك أنزل الله تعالى في الرد عليه وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ . وإنما تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من جهله ، فوهم الراوي وظن أن ذلك التعجب تصديق ، وليس كذلك . فإن قيل : فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن " ، فقد أخبر بأن له أصابع . فالجواب : أنه إذا جاءنا مثل هذا في كلام الصادق تأولناه ، أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه ، مع القطع باستحالة ظاهره ، لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه . فأمَّا إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب ، بل من أخبرنا الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف كذبناه ، وقبحناه ، ثم لو سلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صدقه ، وقال له : صدقت ، لما كان تصديقا له في المعنى ، بل في النقل ، أي في نقل ذلك عن كتابه أو عن نبيه ، وحينئذ نقطع بأن ظاهره غير مراد ، ثم هل نتوقف في تعيين تأويل ونسلم ، أو نبدي تأويلا له وجه في اللسان وصحة في العقل على الرأيين اللذين لأئمتنا ، وقد تقدما . وقد قلنا : إن الأصبع يصح أن يراد به القدرة على الشيء ويسارة تقليبه ، كما يقول من استسهل شيئًا واستخفه مخاطبا لمن استثقله : أنا أحمله على أصبعي ، أو أرفعه بأصبعي وأمسكه بخنصري . وكما يقول من طاع بحمل شيء : أنا أحمله على عيني وأرفعه على رأسي . يعني به : الطواعية ، وما أشبه ذلك مما في معناه ، وهو كثير ، ولما كان ذلك معروفا عند العقلاء متداولا بينهم ، خوطبوا بذلك جريا على منهاجهم ، وتوسعا معلوما عندهم . وعلى هذا فيمكن حمل الحديث وما في معناه على نحو من هذا ، وبيان ذلك أن السماوات والأرض ، وهذه الموجودات عظيمة أقدارها في إدراكنا ، وكبير خلقها في حقنا ، فقد يسبق الوهم الغالب على الإنسان ، أن خلقها وإمساكها على الله تعالى كبير ، وتكلفها عسير ، فنفى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوهم بهذا الحديث ، وبينه على طريق التمثيل بما تعارفناه ، فكأنه قال : خلق بيده المذكورات العظيمة ، وإمساكها في قدرة الله تعالى كالشيء الحقير الذي تجعلونه بين أصابعكم ، وتهزونه بين أيديكم ، وتتصرفون فيه كيف شئتم ، ولهذا أشار بقوله : " ثم يقبض أصابعه ويبسطها " . وبقوله : " ثم يهزهن " أي : هن في قدرته كالحبة مثلا في حق أحدنا ؛ أي : لا يبالي بإمساكها ، ولا بهزها ، ولا تحريكها ، ولا القبض والبسط عليها ، ولا يجد في ذلك صعوبة ، ولا مشقة ، ومن لا يقنعه هذا التفهيم فليس له إلا سلامة التسليم ، والله بحقائق الأمور عليم . و ( قوله تعالى : " أنا الملك " ) أي : الحقيق بالمُلك والمِلك ، إذ لو اجتمع ملوك الدنيا من أولها إلى آخرها وجميع المخلوقات ، لما استطاعوا على إمساك مقدار ذرة من الأرضين ، ولا من السماوات ، وهذا معنى قوله : أنا الملك ، في حديث اليهودي . فأمَّا قوله : " أنا الملك " في حديث ابن عمر ، فمقصوده إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين ، وانتساب المنتسبين ، إذ قد ذهب كل ملك وملكه ، وكل جبار ومتكبر وملكه ، وانقطعت نِسَبهم ودعاويهم ، وهو نحو قوله تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ والإمساك المذكور في حديث اليهودي خلاف الطي والقبض الذي في حديث ابن عمر ؛ فإنَّ ذلك الإمساك هو استدامة وجود السماوات والأرض إلى يوم يطويها ويقبضها ويبدّلها ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا وقد بينا القبض والطي في الأنعام .