[34] 2846 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْتَجَّتْ النَّارُ وَالْجَنَّةُ ؛ فَقَالَتْ هَذِهِ : يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ ، وَقَالَتْ هَذِهِ : يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ . فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ : أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ . وَرُبَّمَا قَالَ : أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ . وَقَالَ لِهَذِهِ : أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا . [35] - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَحَاجَّتْ النَّارُ وَالْجَنَّةُ ، فَقَالَتْ النَّارُ : أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ : فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ ؟ فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ : أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي ، وَقَالَ لِلنَّارِ : أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا ، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ ، فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ : قَطْ قَطْ ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ حُمَيْدٍ - ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ . [36] - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَقَالَتْ النَّارُ : أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ : فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ ؟ قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ : إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي ، وَقَالَ لِلنَّارِ : إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رِجْلَهُ تَقُولُ : قَطْ قَطْ ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا ، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا . ( 2847 ) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ . فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى قَوْلِهِ : وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ . [37] 2848 - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمَهُ ، فَتَقُولُ : قَطْ قَطْ ، وَعِزَّتِكَ . وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ . وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارِ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى حَدِيثِ شَيْبَانَ . [38] - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَأَخْبَرَنَا عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا ، وَتَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ ، فَيَنْزَوِي بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، وَتَقُولُ : قَطْ قَطْ . بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا ، فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ . [39] - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَبْقَى مِنْ الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْقَى ، ثُمَّ يُنْشِئُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا خَلْقًا مِمَّا يَشَاءُ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَحَاجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ ) إِلَى آخِرِهِ ، هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي النَّارِ وَالْجَنَّةِ تَمْيِيزًا ، تُدْرَكَانِ بِهِ فَتَحَاجَّتَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّمْيِيزُ فِيهِمَا دَائِمًا . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَقَالَتِ الْجَنَّةُ : فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَعَجَزُهُمْ ؟ ) أَمَّا ( سَقَطُهُمْ ) : فَبِفَتْحِ السِّينِ وَالْقَافِ ، أَيْ : ضُعَفَاؤُهُمْ وَالْمُحْتَقَرُونَ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا ( عَجَزُهُمْ ) فبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْجِيمِ جَمْعُ عَاجِزٍ ، أَيْ : الْعَاجِزُونَ عَنْ طَلَبِ الدُّنْيَا وَالتَّمَكُّنِ فِيهَا وَالثَّرْوَةِ وَالشَّوْكَةِ ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، فَفِيهَا : ( لَا يَدْخُلنِي إِلَّا ضِعَافُ النَّاسِ وَغِرَّتُهُمْ ) ، فَرُوِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ، حَكَاهَا الْقَاضِي ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي النُّسَخِ ، إِحْدَاهَا : ( غَرَثُهُمْ ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ ، قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ شُيُوخِنَا ، وَمَعْنَاهَا : أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَالْجُوعِ ، وَالْغَرَثُ : الْجُوعُ . وَالثَّانِي : ( عَجَزَتُهُمْ ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَجِيمٍ وَزَايٍ وَتَاءٍ ، جَمْعُ عَاجِزٍ كَمَا سَبَقَ . وَالثَّالِثُ : ( غِرَّتُهُمْ ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ ، وَهَكَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا ؛ أَيْ : الْبُلْهُ الْغَافِلُونَ ، الَّذِينَ لَيْسَ بِهِمْ فَتْكٌ وَحِذْقٌ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا . وَهُوَ نَحْوُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ ، قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ سَوَادُ النَّاسِ وَعَامَّتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، الَّذِينَ لَا يَفْطِنُونَ لِلسُّنَّةِ ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمِ الْفِتْنَةُ ، أَوْ يُدْخِلُهُمْ فِي الْبِدْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، منهم ثَابِتُو الْإِيمَانِ ، وَصَحِيحُو الْعَقَائِدِ ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَأَمَّا الْعَارِفُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ ، وَالصَّالِحُونَ الْمُتَعَبِّدُونَ ، فَهُمْ قَلِيلُونَ ، وَهُمْ أَصْحَابُ الدَّرَجَاتِ ، قَالَ : مَعْنَى الضُّعَفَاءِ هُنَا ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : أَهْلُ الْجَنَّةُ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ ، أَنَّهُ الْخَاضِعُ لِلَّهِ تَعَالَى ، الْمُذِلُّ نَفْسَهُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، ضِدُّ الْمُتَجَبِّرِ الْمُسْتَكْبِرِ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَتَقُولُ : قَطْ ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ) ، مَعْنَى ( يُزْوَى ) يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، فَتَجْتَمِعُ وَتَلْتَقِي عَلَى مَنْ فِيهَا ، وَمَعْنَى : ( قَطْ ) حَسْبِي ، أَيْ : يَكْفِينِي هَذَا ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ : قَطْ قَطْ بِإِسْكَانِ الطَّاءِ فِيهِمَا وَبِكَسْرِهَا ، مُنَوَّنَةٌ وَغَيْرُ مُنَوَّنَةٍ . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ ، حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رِجْلَهُ ) ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ، حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعِزَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمَهُ ، فَتَقُولُ : قَطْ قَطْ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : ( فَيَضَعُ قَدَمَهُ عَلَيْهَا ) ، هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَشَاهِيرِ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ ، وَقَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ بَيَانُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا عَلَى مَذْهَبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ : أَنَّهُ لَا يُتَكَلَّمُ فِي تَأْوِيلِهَا ، بَلْ نُؤْمِنُ أَنَّهَا حَقٌّ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ ، وَلَهَا مَعْنَى يَلِيقُ بِهَا ، وَظَاهِرُهَا غَيْرُ مُرَادٍ . وَالثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهَا ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْقَدَمِ هُنَا الْمُتَقَدِّمُ ، وَهُوَ شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ وَمَعْنَاهُ : حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مَنْ قَدَّمَهُ لَهَا مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي : هَذَا تَأْوِيلُ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ، وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ . الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ قَدَمُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينِ ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَدَمِهِ إِلَى ذَلِكِ الْمَخْلُوقِ الْمَعْلُومِ . الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يُسَمَّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا ( يَضَعُ اللَّهُ فِيهَا رِجْلَهُ ) فَقَدْ زَعَمَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنِ فَوْرَكَ أَنَّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ ، وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فَهِيَ صَحِيحَةٌ ، وَتَأْوِيلُهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْقَدَمِ ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُرَادَ بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ ، كَمَا يُقَالُ : رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ ، أَيْ : قِطْعَةٌ مِنْهُ ، قَالَ الْقَاضِي : أَظْهَرُ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ اسْتَحَقُّوهَا ، وَخُلِقُوا لَهَا ، قَالُوا : وَلَا بُدَّ مِنْ صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ ; لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الْعَقْلِيِّ عَلَى اسْتِحَالَةِ الْجَارِحَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا ) قَدْ سَبَقَ مَرَّاتٍ بَيَانُ أَنَّ الظُّلْمَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَنْ عَذَّبَهُ بِذَنْبٍ أَوْ بِلَا ذَنْبٍ فَذَلِكَ عَدْلٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا ) هَذَا دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْأَعْمَالِ ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُخْلَقُونَ حِينَئِذٍ ، وَيُعْطَوْنَ فِي الْجَنَّةِ مَا يُعْطَوْنَ بِغَيْرِ عَمَلٍ ، وَمِثْلُهُ أَمْرُ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا طَاعَةً قَطُّ ، فَكُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ سَعَةِ الْجَنَّةِ ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ لِلْوَاحِدِ فِيهَا مِثْلُ الدُّنْيَا عَشْرَةِ أَمْثَالِهَا ، ثُمَّ يَبْقَى فِيهَا شَيْءٌ لِخَلْقٍ يُنْشِئُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجباب جهنم أعاذنا الله منها · ص 309 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمباب محاجة الجنة والنار · ص 191 ( 18 ) باب محاجة الجنة والنار 2846 ( 35 و 36 ) [ 2766 ] عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تحاجت النار والجنة ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، وقالت الجنة : فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم . في رواية : وغرتهم ، بدل : وعجزهم . فقال الله للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال للنار : أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول : قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض . وفي رواية : فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعلى رجله تقول : قط قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض ، فلا يظلم الله من خلقه أحدا . وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا . 2848 ( 38 ) [ 2767] وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد ؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه ، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول : قط قط ، بعزتك وكرمك ، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة . ( 18 ) ومن باب : محاجة الجنة والنار ( قوله : تحاجت الجنة والنار ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين . . . الحديث ) ظاهر هذه المحاجة : أنها لسان مقال ، فيكون خزنة كل واحد منهما هم القائلون بذلك ، ويجوز أن يخلق الله ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنة ، وقد قلنا فيما تقدَّم : إنه لا يشترط عقلا في الأصوات المقطعة أن يكون محلها حيا ، خلافا لمن اشترط ذلك من المتكلمين . ولو سلمنا ذلك لكان من الممكن أن يخلق الله في بعض أجزاء الجنة والنار الجمادية حياة ، بحيث يصدر ذلك القول عنه ، والله تعالى أعلم . لا سيما وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ إن كل ما في الجنة حي ، ويحتمل أن يكون ذلك لسان حال ، فيكون ذلك عبارة عن حالتيهما ، والأول أولى ، والله تعالى أعلم . و ( قول الجنة : " ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم " ، وفي رواية : وغرتهم " ) الضعفاء : جمع ضعيف : يعني به الضعفاء في أمر الدنيا ، ويحتمل أن يريد به هنا الفقراء . وحمله على الفقراء أولى من حمله على الأول ؛ لأنَّه يكون معنى الضعفاء معنى العجزة المذكورين بعد . وسقطهم - بفتح السين والقاف - : جمع ساقط وهو النازل القدر ، وهو الذي عبر عنه بأنه لا يؤبه له ، وأصله من سقط المتاع : وهو رديئه . وعجزهم ، قال القاضي : هو بفتح العين والجيم ، جمع عاجز. قلت : ويلزمه على ذلك أن يكون بالتاء ككاتب وكتبة ، وحاسب وحسبة ، وسقوط التاء في مثل هذا الجمع نادر ، وإنما يسقطونها إذا سلكوا بالجمع مسلك اسم الجنس ، كما فعلوا ذلك في سقطهم ، وصواب هذا اللفظ : أن يكون عُجَّزهم بضم العين وتشديد الجيم ، كنحو : شاهد وشهد ، وكذلك أذكر أني قرأته : وغَرْثهم : بفتح الغين المعجمة والثاء المثلثة ، جمع غرثان ، وهو الجيعان ، والغرث : الجوع . وقد رواه الطبري : غِرتهم : بكسر الغين وبالتاء باثنتين فوقها ، وتشديد الراء ؛ أي غفلتهم وأهل البله منهم ، كما قال في الحديث الآخر : " أكثر أهل الجنة البله " يعني به : عامة أهل الإيمان الذين لم يتفطنوا للشبه ، ولم توسوس لهم الشياطين بشيء من ذلك ، فهم صحاح العقائد ، ثابتو الإيمان ، وهم أكثر المؤمنين ، وأما العارفون والعلماء والحكماء ، فهم الأقل ، وهم أصحاب الدرجات العلى والمنازل الرفيعة . و ( قوله : " وأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها " ، وفي اللفظ الآخر : " حتى يضع رب العزة فيها قدمه " . وفي اللفظ الآخر : " حتى يضع الله رجله " ولم يذكر لا فيها ولا عليها ، وقد ضل بظاهر هذا اللفظ من أذهب الله عقله ، وأعدم فهمه ، وهم المجسمة المشبهة ، فاعتقدوا : أن لله تعالى رجلا من لحم وعصب تشبه رجلنا ، كما اعتقدوا في الله تعالى أنه جسم يشبه أجسامنا ذو وجه وعينين ، وجنب ويد ورجل وهكذا . . . وهذا ارتكاب جهالة خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول ، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه ، وكيف يستقر هذا المذهب الفاسد في قلب من له أدنى فكرة ، ومن العقل أقل مسكة ، فإنَّ الأجسام من حيث هي كذلك متساوية في الأحكام العقلية ، وما ثبت للشيء ثبت لمثله ، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث ، فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثا ، وهو محال باتفاق العقلاء والشرائع . ثم انظر غفلتهم وجهلهم بكلام الله تعالى وبمعانيه ، فكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ويلزم على قولهم أن يكون كل واحد منا مثلا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية ، والجوارح ، وغير ذلك من الأعضاء والأعصاب واللحم والجلود والشعور ، وغير هذا ، وكل ذلك جهالات وضلالات ، ولله سر في إبعاد بعض العباد وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وقد تأول علماؤنا ذلك الحديث تأويلات . وأشبه ما فيها تأويلان : أحدهما : أن النار تتغيظ وتتهيج ؛ حنقا على الكفار والمتكبرين والعصاة ، كما قال تعالى : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ وكما قال : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وكما قال في هذا الحديث : " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد ؟ " ، وكما قال : " تخرج عنق من النار فتقول : وكلت بالجبارين والمتكبرين ". فكأنها تعلو وتطغى حتى كأنها تجاوز الحد ، وفي بعض الحديث : " أنها تكاد أن تلتقم أهل المحشر فيكسر الله سورتها ، وحدتها ، ويردها ويذللها ذل متكبر وطئ بالقدم والرجل " ، فعبر عن تذليلها بذلك ، ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " فيضع قدمه عليها " ، وعلى هذا فيكون " فيها " في الرواية الأخرى بمعنى عليها . كما قال : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي : على جذوع النخل . وثانيهما : أن القدم والرجل عبارة عمن تأخر دخوله في النار من أهلها ، وهم جماعات كثيرة ؛ لأنَّ أهل النار يلقون فيها فوجا بعد فوج ، كما قال تعالى : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا ويؤيده قوله في هذا الحديث : " لا يزال يلقى فيها " فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين ، إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم ، كما روي عن ابن مسعود أنه قال : ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت ، إلا وعليه اسم صاحبه ، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته ، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد ، قالت الخزنة : قط قط ؛ أي : حسبنا حسبنا ، اكتفينا اكتفينا . فحينئذ تنزوي جهنم على من فيها ؛ أي : تجتمع وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر ، فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم ، كما عبرت العرب عن جماعة الجراد بالرجل ، فتقول : جاء رجل من جراد ؛ أي : جماعة منها ، ويشهد بصحَّة هذا التأويل قوله في آخر الحديث : "ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة " . والله بمراد رسوله أعلم ، والتسليم في المشكلات أسلم . وقد تقدَّم القول في قط الزمانية ، وأنها مبنية على الضم مشددة ومخففة ، وأنها تقال بفتح القاف ، وهو الأصل فيها ، ويقال بالضم إتباعا. وأما قط بمعنى حسب ، فهي مبنية على السكون ، وقد تكسر وتلحقها نون الوقاية إذا أضيفت ، وتقال بالدال ، ويصح فيها ما يصح في الطاء .