[19] - حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ اللَّيْثِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، يَعْنِي شَيْبَانَ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِمَكَّةَ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِلَى قَوْله : مُهَانًا فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : وَمَا يُغْنِي عَنَّا الْإِسْلَامُ وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ ، وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . قَالَ : فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَعَقَلَهُ ، ثُمَّ قَتَلَ ، فَلَا تَوْبَةَ لَهُ . [20] - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . قَالَ : هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ ، نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ هَاشِمٍ : فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ : إِلا مَنْ تَابَ قَوْلُهُ : ( فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَقَلَهُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ عَلِمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَتَحْرِيمَ الْقَتْلِ . قَوْلُهُ : نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَدِينَةِ يَعْنِي بِالنَّاسِخَةِ آيَةَ النِّسَاءِ : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
الشروح
المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاجص 441 المفهم لما أشكل من تلخيص مسلمومن سورة الفرقان · ص 381 ( 17 ) ومن سورة الفرقان 3023 ( 19 ) [ 2895] عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية بمكة : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى قوله : مُهَانًا فقال المشركون : وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش ؟ فأنزل الله تعالى : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا إلى آخر الآية . قال : فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له . ( 17 ) ومن سورة الفرقان ( قوله تعالى : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ . . . ) الآيتين - هذه الآية معطوفة على ما قبلها من الأوصاف التي وصف بها عباد الرحمن ، وهو من باب عطف الصفات بعضها على بعض ، وكذلك ما بعد هذه الآية من الآيات معطوف بعضها على بعض ، والكل معطوف على قوله : الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا إلى أن قال : أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا إلى قوله : وَمُقَامًا وهذه الجملة هي خبر المبتدأ الذي هو : وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم وما تعلق بها ، وقد تضمنت هذه الآية مدح من لم تقع منه هذه الفواحش الثلاث التي هي : الشرك بالله ، والقتل - العدوان ، والزنى . وذم من وقعت منه ، ومضاعفة العذاب عليه ، وهي محمولة على ظاهرها عند الجمهور ، وعليه فيكون معنى قوله : إِلا بِالْحَقِّ أي : بأمر موجب للقتل شرعا. وذلك الأمر هو المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنى بعد إحصان ، أو كفر بعد إيمان ، أو قتل نفس بغير نفس ". وقد صرف هذه الآية عن ظاهرها بعض أهل المعاني فقال : لا يليق بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص ووصفهم بما ذكرهم من صفات المعرفة والتشريف وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يُمدحوا بنفيها ؛ لأنَّهم أعلى وأشرف . فقال : معناها لا يدعون الهوى إلها ، ولا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلا لها . ومعنى إِلا بِالْحَقِّ أي : إلا بسكين الصبر وسيف المجاهدة ، ولا ينظرون إلى نساء ليست لهم بمحرم بشهوة فيكون سفاحا ، بل بالضرورة فيكون كالنكاح مباحًا . قلت : وهذا كلام رائق ، غير أنَّه عند السبر مائق ، وهي نبعة باطنية ونزعة باطلية ، وإنما يصح تشريف عباد الرحمن باختصاص الإضافة بعد أن تحلوا بتلك الصفات الحميدة وتخلوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة ، فبدأ في صدر هذه الآيات بصفات التحلي تشريفا لها ، ثم أعقبها بصفات التخلي تقعيدا لها ، والله تعالى أعلم . وقد تقدَّم القول على إِلا مَنْ تَابَ وعلى قول ابن عباس في سورة النساء . وفي هذه الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع ، وقد استوفينا ذلك في الأصول ، وفي الآية مباحث تطول .