745 باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ما قال أصحابه وتابعوهم ومن سواهم من أهل اللغة في أختان الرجل من هم وفي أصهاره من هم ؟ . 5589 - حدثنا أحمد بن شعيب ، حدثنا أحمد بن بكار الحراني ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن محمد بن أسامة بن زيد ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي ، وأنت مني وأنا منك . فكان في هذا الحديث ، ما قد عقلنا به أن زوج ابنة الرجل ختن له . وقد روي عن عبد الله بن مسعود مما يدخل في هذا الباب ، 5590 - ما قد حدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا الحجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً النحل 72 ، قال : الحفدة : الأختان . 5591 - وما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله مثله . وكان ذلك عندنا والله أعلم : أن الله تعالى جعل لعباده بنين وهم الذكران ، وبنات يزوجونهن ممن يكون من حفدتهم ، أي : من أعوانهم ، وممن يدخل في جملتهم . وقد روي عن ابن عباس في ذلك . 5592 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : هم الولد . قال أبو جعفر : فلم يكن هذا عندنا مخالفا لما رويناه ، عن ابن مسعود ، لأن الذي في هذا : أنهم الولد الذين يكون منهم البنات اللاتي يكن سببا للأختان المذكورين في حديث ابن مسعود . وقد روي عن من بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك . 5593 - ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا وهب ، عن شعبة ، عن عاصم ، عن زر ، قال : سألني عبد الله بن مسعود ، عن الحفدة ، قلت : هم الأعوان . 5594 - وما قد حدثنا إبراهيم ، حدثنا عارم ، حدثنا معتمر ، عن أبيه ، قال : قال الحسن : الحفدة : الخدم ، وقال أهل المدينة : أزواج البنات . 5595 - وما قد حدثنا محمد بن جعفر بن أعين ، حدثنا عاصم بن علي ، قال : حدثنا أبو هلال ، عن الحسن في قول الله عز وجل : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ، قال : البنون : بنوك وبنو ابنك ، والحفدة : ما حفد لك وعمل لك وأعانك . قال أبو جعفر : وهذا عندنا لا اختلاف فيه لما قد ذكرنا قبله من قول من قال : إنهم أزواج البنات ، لأنه قد يجوز أن يكونوا إذا صاروا أزواجا لبناتهم أن يصيروا لهم أعوانا وخدما ، وقد كان محمد بن الحسن قال في كتابه في الزيادات الذي 5596 - ناولناه الحجاج بن عمران وأخبرنا أنه أخذه من صفوان بن المغلس ، عن أبي سليمان الجوزجاني ، عن محمد بن الحسن أنه قال : أختان الرجل أزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته وكل ذات رحم محرم منه ، وأصهاره : كل ذي رحم محرم من زوجته ، ولم يحك في ذلك خلافا بينه وبين أحد من أصحابه . وذكر ابن السكيت في كتابه في إصلاح المنطق قال : سألت الأصمعي : من الأختان ؟ فقال : كل شيء من قبل المرأة فهم الأختان ، مثل أم المرأة وأختها وعمتها والأصهار تجمع هذا كله ، يقال : صاهر فلان إلى بني فلان وأصهر إليهم ، قال : وخالفه ابن الأعرابي في الأصهار ، فقال : الصهر : زوج ابنة الرجل وأخوه وأبوه وعمه ، والأختان : أبو المرأة وأخوها وعمها . قال أبو جعفر : فتأملنا ما قد قيل في هذين المعنيين فوجدنا ما قاله محمد بن الحسن في تخصيصه ذوي الأرحام المحرمة في المعنيين اللذين ذكرا في هذا الباب دون من سواهم ، ممن هو في القرابة مثلهم ، من غير أن يكون أرحامهم محرمة ، فوجدنا ذلك من قوله : لا معنى له ، إذ كان فيما قد روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل اللغة والفصاحة ما قد دفع ذلك ، وهو ما قد روي عنهم مما قالوه عند تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار . 5597 - كما قد حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن شماس ، أو لابن عم له ، فكاتبت على نفسها ، وكانت امرأة حلوة مليحة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتستعينه في مكاتبتها ، فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها ، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت ، فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف ، فوقعت في سهم لثابت بن قيس بن شماس ، أو لابن عم له ، فكاتبني فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على كتابتي ، قال : فهل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال : أقضي عنك كتابتك وأتزوج بك ، قالت : نعم ، قال : قد فعلت ، وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث ، فقالوا : صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما في أيديهم ، قالت : فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق ، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها . ففي هذا الحديث ، أن الناس قالوا : لما بلغهم تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية لقومها أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلوهم بذلك أصهارا له ، وفيهم من ليس بذي رحم منها ، فدل ذلك : أن أصهار الرجل قوم نسائه اللائي هن أزواجه ممن أرحامهم التي بينهم وبين أزواجه محرمات ، أو غير محرمات ، وكان هذا مثل ما قاله محمد بن الحسن في قرابة الرجل وفي أنسبائه : إنهم على كل ذي رحم محرم من الرجال ، والنساء على بني الأب ، الذي ينتمون إليه من قبل الرجال أقصى أب في الإسلام ، ومن قبل النساء أقصى أب في الإسلام كانوا ذوي رحم محرم ، أو لم يكونوا ، ولا يلتفت إلى من كان من الآباء في الجاهلية وهذا قول قد قاله أبو يوسف أيضا ، كما حدثنا الكيساني ، عن أبيه ، عن أبي يوسف في إملائه عليهم فكان مثل ذلك عندنا في أصهاره أن يمتثل فيه هذا المعنى أيضا ، وقد روي في حديث الفضل بن العباس وربيعة بن الحارث قولهما لعلي - رضي الله عنه - : لقد كنت نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعنون تزويجه ابنته - فما نفسناه عليك . 5598 - كما قد حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، حدثنا جويرية بن أسماء ، عن مالك بن أنس ، عن الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه ، قال : اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب قالا : لو بعثنا هذين الغلامين لي وللفضل بن العباس على الصدقة ، فأديا ما يؤدي الناس ، وأصابا ما يصيب الناس ، فبينما هما في ذلك إذ جاء علي - رضي الله عنه - فوقف عليهما فذكرا له ذلك ، فقال علي : لا تفعلا ذلك ، فوالله ما هو بفاعل ، فقال ربيعة بن الحارث : ما يمنعك هذا إلا نفاستك علينا ، فوالله لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك ، قال علي : أنا أبو حسن ، أرسلاهما فانطلقا واضطجع ، ثم ذكر بقية الحديث . فكان في هذا الحديث ، قول ربيعة بن الحارث لعلي : لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نفسناه عليك . فقال قائل : ففي هذا ما قد دل أن عليا كان صهرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتزوجه ابنته . فكان جوابنا له في ذلك : أنه ليس في هذا الحديث مما يوجب ذلك ، لأن معنى قول ربيعة لعلي : لقد نلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي : نلت أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صهرا لك بتزويجك ابنته ، كما يقال للرجل : نلت معروف فلان ، على معنى : أنك نلت المعروف الذي كان من قبل فلان ، لا أن الذي نال المعروف كان المعروف من قبله ، وإنما كان من قبل غيره إليه . ومثل ذلك أيضا ما روي من قول عثمان بن عفان - رضي الله عنه - في نفسه . 5599 - كما حدثنا أبو أمية ، حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي ، حدثنا إسحاق بن يحيى ، يعني : العوصي ، حدثنا الزهري ، حدثنا عروة بن الزبير أن عبيد الله بن عدي بن الخيار حدثه ، قال : قال لي عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله وآمن بما بعث به ، ثم هاجرت الهجرتين ونلت صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله ما عصيته ، ولا غششته ، حتى توفاه الله عز وجل . فمعنى ذلك كمعنى ما ذكرناه في مثله في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه . ولما ثبت في الأصهار ما ذكرنا ، وأنهم أنسباء أزواج البنات كانت أنسباء أرحامهم بأزواجهم محرمات أو غير محرمات ، كان مثل ذلك الأختان الذين هم أزواج البنات وأزواج الأخوات وأزواج العمات وأزواج الخالات يكون أنسباؤهم الذين هم من أزواج هؤلاء ، كأنسباء الزوجات ، فيما ذكرنا الذين صاروا بذلك أصهارا للأزواج ، يستوي في ذلك من كانت رحمه من أزواج هؤلاء النساء محرمات أو غير محرمات ، وقد أجاز لنا علي بن عبد العزيز ، عن أبي عبيد في كتابه في الأنساب أنه ذكر عاصم بن عبد الله بن يزيد ، وهو رجل من بني هلال ، قال : كان قد ولي لأبي جعفر خراسان ، وأنه ذكر ذلك من كلام أبي عبيد لإبراهيم بن محمد العباسي ، فأنشده لعاصم هذا ، قال : فلو كنت صهرا لابن مروان قربت ركابي إلى المعروف والعطن الرحب ولكنني صهر النبي محمد وخال بني العباس والخال كالأب . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث ، ما قد دل أن أنسباء المرأة أصهار لزوجها ، كانت أرحامهم منها محرمات ، أو كانت أرحامهم منها غير محرمات ، وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما يدخل في هذا المعنى . 5600 - ما قد حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا الفريابي ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن عمير ، قال الشيخ وهو أحد موالي العباس ، عن ابن عباس ، قال : قال : حرم من النسب سبع ، ومن الصهر سبع ، ثم قرأ : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ إلى قوله : وَبَنَاتُ الأُخْتِ هذا من النسب ، وباقي الآية من الصهر والسابعة وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ . ففي هذا الحديث ، أن الله تعالى حرم من الصهر سبعا ، أي : حرم على الرجل أن يتزوج من يكون له بتزويجه إياه أصهارا سواه من أنسبائه ، وفي ذلك ما قد دل على ما ذكرنا ، والله نسأله التوفيق .
أصل
شرح مشكل الآثارص 187 شرح مشكل الآثارص 323 847- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أحب الناس كان إليه . 6246 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا يحيى بن حماد ، قال : أخبرنا أبو عوانة ، قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، قال : أخبرني أسامة بن زيد ، قال : مررت فإذا علي والعباس -عليهما السلام - قاعدان ، فقالا : يا أسامة ، استأذن لنا . فقلت : يا رسول الله ، إن عليا والعباس بالباب يستأذنان ، قال : أتدري ما جاء بهما ؟ قلت : لا . قال : لكني أدري ، ائذن لهما . فدخلا ، فقال علي : يا رسول الله ، أي الناس أحب إليك ؟ قال : فاطمة ابنة محمد . قال : إني لست أسأل عن النساء . قال : من أنعم الله عليه ، وأنعمت عليه : أسامة بن زيد ، قال علي : ثم من ؟ قال : ثم أنت . . 6247 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أبو همام فهد بن سلام ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أسامة بن زيد ، قال : أتى علي والعباس - عليهما السلام - وأنا في المسجد ، فقالا : استأذن لنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخلت ، فاستأذنت لهما ، فقال : أتدري فيما جاءا ؟ فقلت : لا والله . فقال : ولكني أدري ، ائذن لهما فدخلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا : يا رسول الله ، جئناك نسألك عن أحب أهل بيتك إليك ، قال : فقال : فاطمة . فقالا : لسنا نسألك عن النساء ، إنما نسألك عن الرجال ، قال : فقال : أسامة ، فقال العباس شبه المغضب : ثم من يا رسول الله ؟ قال : ثم علي ، فقال : جعلت عمك آخر القوم ! فقال : يا عباس ، إن عليا سبقك بالهجرة . قال أبو جعفر : فكان في حديث إبراهيم بن مرزوق أن سؤال علي كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه ، وفي حديث ابن أبي داود سؤاله كان إياه عن أحب أهل بيته إليه ؟ فكان جوابه - عليه السلام - له في ذلك ما ذكر من جوابه له في ذلك إياه في هذين الحديثين ، وفيهما : أن أسامة كان أحب الرجال إليه . فقال قائل : فقد رويتم عنه - صلى الله عليه وسلم - في موضع آخر أن أسامة كان من محبته ما يخالف هذا ، فذكر . 6248 - ما قد حدثنا يزيد بن سنان وفهد بن سليمان ، قالا : حدثنا القعنبي ، قال : قرأت على مالك ، عن عبد الله بن دينار ، قال : قال ابن عمر : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمرته ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل ، وايم الله ، إنه كان خليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده . 6249 - وما قد حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا علي بن معبد . - وما قد حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا حجاج بن إبراهيم ، ثم اجتمعا ، فقال كل واحد منهما ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر هذا الحديث . قال : ففي هذا الحديث من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن أسامة من أحب الناس إليه ، وفي الحديث الذي رويته قبله أنه أحب الرجال إليه ، فهذان حديثان متضادان . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنهما ليسا بمتضادين كما ظن ؛ لأن الحديث الأول إنما كان فيه سؤال علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه ، وعن أحب أهل بيته إليه ، وإخباره إياه جوابا له أنه فاطمة . وفي الحديث الثاني قوله - صلى الله عليه وسلم - في أسامة : إنه من أحب الناس إليه والناس فيهم فاطمة ، فلما كانت فاطمة - عليها السلام - في محبته - عليه السلام- فوق أسامة من محبته ، كان موضع أسامة من محبته دون ذلك ، فكان من أحب الناس إليه إذا كان في الناس النساء والرجال ، وكان أحب الرجال إليه ، إذ ليست فاطمة من الرجال ، ولكنها من النساء ، وفي ذلك ما قد دل على أن لا تضاد في واحد من هذين الحديثين للآخر منهما . قال : فقد رويتم من جوابه كان لعمرو بن العاص لما سأله عن أحب الناس إليه ، فذكر 6250 - ما قد حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ ومحمد بن خزيمة ، قالا : حدثنا معلى بن أسد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن المختار ، قال : حدثنا خالد الحذاء ، عن أبي عثمان ، قال : حدثني عمرو بن العاص : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل ، قال : فقلت : أي الناس أحب إليك ؟ فقال : عائشة ، فقلت : فمن الرجال ؟ قال : فأبوها ، قلت : ثم من ؟ قال : عمر بن الخطاب ، فعد رجالا . قال : فبهذا الحديث جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرا بما أجابه به فيه ، وهو خلاف ما أجاب به عليا في حديث أسامة الذي قد ذكرته في هذا الباب . وذكر في ذلك أيضا ِ 6251 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن سعيد بن مسروق ، قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن إسماعيل -يعني ابن أبي خالد - عن قيس -يعني ابن أبي حازم - عن عمرو بن العاص ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الناس أحب إليك فأحبه ؟ قال : عائشة . قلت : لست أسألك عن النساء ، إنما أسألك عن الرجال . فقال : أبو بكر ، أو قال : أبوها -رضي الله عنه - . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون عمرو علم أن لأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من محبته إياهم ما ليس لغيرهم ، فكان سؤاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه ، يريد به الناس الذين هم سوى أهل بيته ، وعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مراده كان في ذلك ، فأجابه بالجواب الذي أجابه به مما ذكر في حديثه ، وكان حديث أسامة فيه ذكر سؤال علي عليه السلام إياه عما سأله عنه ، وعلي من أهل بيته ، فأجابه بما أجابه به مما ذكر جوابه إياه في ذلك الحديث . فقال قائل : فقد ذكر في ذلك أسامة ، وليس من أهل بيته . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون كان ذلك منه ، وأسامة حينئذ من أهل بيته ؛ لأن أباه قد كان يدعى ابنه ، فيقال زيد بن محمد 6252 - كما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر ، قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : والله إن كنا لنسمي زيد بن حارثة زيد بن محمد ، حتى أنزل الله - عز وجل - : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ . . قال أبو جعفر : فكان أسامة حينئذ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن ابن ، فكان بذلك من أهل بيته ، وبذلك المعنى تقدم في محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سواه ممن ذكر في حديثه ذلك من أهل بيته ، ثم نسخ الله - عز وجل - ذلك بما نسخه به مما قد تلونا ، وبقوله - عز وجل - : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ، وأعاد زيدا وأسامة وأمثالهما إلى قوله - عز وجل - : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ . وفي ذلك ما قد دل أن أسامة لما خرج عن البنوة التي كان فيها مما استحق به تقدم غيره من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في محبة رسول الله أن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك قد عادت إلى من كان ذكره من محبته بمحبته بعده من أهل بيته . وقال قائل آخر : قد رويتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى ما قد رويتموه عنه فيه مما قد ذكرتموه في هذا الباب ، وأنتم تروون عنه ما يخالف ذلك ، فذكر 6253 - ما قد حدثنا مالك بن يحيى الهمداني أبو غسان ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : أخبرني الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : سألت عائشة أي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحب إليه ؟ قالت : أبو بكر ، قلت : ثم من ؟ قالت : ثم عمر ، قلت : ثم من ؟ قالت : ثم أبو عبيدة بن الجراح ، قال : قلت : ثم من ؟ فسكتت . قال : فالذي في هذا الحديث من هذا المعنى ، يخالف ما قد رويتموه قبله في حديث أسامة بن زيد في هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا خلاف في شيء مما قد رويناه في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الذي رويناه عنه في حديث أسامة على حقائق ما كان عنده - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ؛ لأنه كان مسؤولا عنه ومجيبا لسائله عما أجابه به في حديث أسامة ، والذي في حديث عائشة هو جوابها عما سألت عنه عما كان عليه ، وذلك على ما يقع في قلبها مما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - وقد يكون على خلاف ذلك . قال : فقد رويتم عنها جوابا منها عن مثل هذا السؤال ما يخالف هذا الجواب ، وذكر . 6254 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن آدم ، قال : حدثنا ابن أبي غنية ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن جميع - وهو ابن عمير - قال : دخلت مع أبي على عائشة وأنا غلام ، فذكر لها عليا ، فقالت : ما رأيت رجلا كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه ، ولا امرأة أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من امرأته . 6255 - وما قد حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي ، قال : حدثنا الهيثم بن جميل ، قال : حدثنا هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن جميع بن عمير ، قال : دخلت مع أمي على عائشة ، فقالت لها أمي : من كان أحب النساء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت : فاطمة . قالت : فمن الرجال ؟ قالت : زوجها . قال : فالذي عنها في هذا الحديث يخالف الذي عنها في الحديث الذي ذكرتموه عنها قبله في هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا خلاف في ذلك كما ظن ، ولكن عائشة سئلت في حديثها الأول عن أحب الناس كان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان الذي عندها أن أحدا لا يذهب عنه أن أحدا لا يتقدم أهل بيته في محبته ، كما لم يتقدم أحد سواهم إياهم في التبليغ عنه في الموسم سورة براءة ، وفي قوله : إنه لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي ، فأجابت بالجواب المذكور فيه عن أحب الناس كان إليه سوى أهل بيته ، وسئلت في حديثها الثاني عن علي ، وهو من أهل بيته ، فأجابت فيه بالجواب الذي أجابت به فيه ، وفي ذلك ما قد حقق ما حملنا عليه معنى حديث أسامة ، وحديث عمرو على ما ذكرنا من معنى كل واحد منهما الذي ذكرناه في هذا الباب . وما حقق ما ذكرنا فيما رويناه عن عائشة من سائر أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن سواهم من الناس في محبته . 6256 - ما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، قال : حدثنا العيزار بن حريث ، قال : قال النعمان بن بشير : استأذن أبو بكر - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمع صوت عائشة تقول : والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ، مرتين أو ثلاثا ، فاستأذن أبو بكر - رضي الله عنه - فدخل ، فأهوى إليها ، وقال : يا بنت فلانة ، ألا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فكان في هذا الحديث وقوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما قالت عائشة من ذلك ، فلم ينكره عليها ، وخرج جميع معاني كل ما رويناه في هذا الباب خروجا لا تضاد فيه ، ولم يكن ما ذكرناه من تقديم علي عليه السلام في محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فيها ، بمانع أن يكون أبو بكر يتقدمه بالفضل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن كل واحد منهما له موضعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من محبة ، ومن فضل رضوان الله عليهما ، وعلى سائر أصحابه سواهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 323 847- باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أحب الناس كان إليه . 6246 - حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا يحيى بن حماد ، قال : أخبرنا أبو عوانة ، قال : أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، قال : أخبرني أسامة بن زيد ، قال : مررت فإذا علي والعباس -عليهما السلام - قاعدان ، فقالا : يا أسامة ، استأذن لنا . فقلت : يا رسول الله ، إن عليا والعباس بالباب يستأذنان ، قال : أتدري ما جاء بهما ؟ قلت : لا . قال : لكني أدري ، ائذن لهما . فدخلا ، فقال علي : يا رسول الله ، أي الناس أحب إليك ؟ قال : فاطمة ابنة محمد . قال : إني لست أسأل عن النساء . قال : من أنعم الله عليه ، وأنعمت عليه : أسامة بن زيد ، قال علي : ثم من ؟ قال : ثم أنت . . 6247 - حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، قال : حدثنا أبو همام فهد بن سلام ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أسامة بن زيد ، قال : أتى علي والعباس - عليهما السلام - وأنا في المسجد ، فقالا : استأذن لنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخلت ، فاستأذنت لهما ، فقال : أتدري فيما جاءا ؟ فقلت : لا والله . فقال : ولكني أدري ، ائذن لهما فدخلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا : يا رسول الله ، جئناك نسألك عن أحب أهل بيتك إليك ، قال : فقال : فاطمة . فقالا : لسنا نسألك عن النساء ، إنما نسألك عن الرجال ، قال : فقال : أسامة ، فقال العباس شبه المغضب : ثم من يا رسول الله ؟ قال : ثم علي ، فقال : جعلت عمك آخر القوم ! فقال : يا عباس ، إن عليا سبقك بالهجرة . قال أبو جعفر : فكان في حديث إبراهيم بن مرزوق أن سؤال علي كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه ، وفي حديث ابن أبي داود سؤاله كان إياه عن أحب أهل بيته إليه ؟ فكان جوابه - عليه السلام - له في ذلك ما ذكر من جوابه له في ذلك إياه في هذين الحديثين ، وفيهما : أن أسامة كان أحب الرجال إليه . فقال قائل : فقد رويتم عنه - صلى الله عليه وسلم - في موضع آخر أن أسامة كان من محبته ما يخالف هذا ، فذكر . 6248 - ما قد حدثنا يزيد بن سنان وفهد بن سليمان ، قالا : حدثنا القعنبي ، قال : قرأت على مالك ، عن عبد الله بن دينار ، قال : قال ابن عمر : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمرته ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل ، وايم الله ، إنه كان خليقا للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إلي ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده . 6249 - وما قد حدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا علي بن معبد . - وما قد حدثنا يوسف بن يزيد ، قال : حدثنا حجاج بن إبراهيم ، ثم اجتمعا ، فقال كل واحد منهما ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر هذا الحديث . قال : ففي هذا الحديث من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن أسامة من أحب الناس إليه ، وفي الحديث الذي رويته قبله أنه أحب الرجال إليه ، فهذان حديثان متضادان . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنهما ليسا بمتضادين كما ظن ؛ لأن الحديث الأول إنما كان فيه سؤال علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه ، وعن أحب أهل بيته إليه ، وإخباره إياه جوابا له أنه فاطمة . وفي الحديث الثاني قوله - صلى الله عليه وسلم - في أسامة : إنه من أحب الناس إليه والناس فيهم فاطمة ، فلما كانت فاطمة - عليها السلام - في محبته - عليه السلام- فوق أسامة من محبته ، كان موضع أسامة من محبته دون ذلك ، فكان من أحب الناس إليه إذا كان في الناس النساء والرجال ، وكان أحب الرجال إليه ، إذ ليست فاطمة من الرجال ، ولكنها من النساء ، وفي ذلك ما قد دل على أن لا تضاد في واحد من هذين الحديثين للآخر منهما . قال : فقد رويتم من جوابه كان لعمرو بن العاص لما سأله عن أحب الناس إليه ، فذكر 6250 - ما قد حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ ومحمد بن خزيمة ، قالا : حدثنا معلى بن أسد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن المختار ، قال : حدثنا خالد الحذاء ، عن أبي عثمان ، قال : حدثني عمرو بن العاص : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات السلاسل ، قال : فقلت : أي الناس أحب إليك ؟ فقال : عائشة ، فقلت : فمن الرجال ؟ قال : فأبوها ، قلت : ثم من ؟ قال : عمر بن الخطاب ، فعد رجالا . قال : فبهذا الحديث جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرا بما أجابه به فيه ، وهو خلاف ما أجاب به عليا في حديث أسامة الذي قد ذكرته في هذا الباب . وذكر في ذلك أيضا ِ 6251 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن سعيد بن مسروق ، قال : حدثنا علي بن مسهر ، عن إسماعيل -يعني ابن أبي خالد - عن قيس -يعني ابن أبي حازم - عن عمرو بن العاص ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الناس أحب إليك فأحبه ؟ قال : عائشة . قلت : لست أسألك عن النساء ، إنما أسألك عن الرجال . فقال : أبو بكر ، أو قال : أبوها -رضي الله عنه - . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون عمرو علم أن لأهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من محبته إياهم ما ليس لغيرهم ، فكان سؤاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب الناس إليه ، يريد به الناس الذين هم سوى أهل بيته ، وعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مراده كان في ذلك ، فأجابه بالجواب الذي أجابه به مما ذكر في حديثه ، وكان حديث أسامة فيه ذكر سؤال علي عليه السلام إياه عما سأله عنه ، وعلي من أهل بيته ، فأجابه بما أجابه به مما ذكر جوابه إياه في ذلك الحديث . فقال قائل : فقد ذكر في ذلك أسامة ، وليس من أهل بيته . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل وعونه - : أنه قد يحتمل أن يكون كان ذلك منه ، وأسامة حينئذ من أهل بيته ؛ لأن أباه قد كان يدعى ابنه ، فيقال زيد بن محمد 6252 - كما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن أبي الغمر ، قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : والله إن كنا لنسمي زيد بن حارثة زيد بن محمد ، حتى أنزل الله - عز وجل - : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ . . قال أبو جعفر : فكان أسامة حينئذ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن ابن ، فكان بذلك من أهل بيته ، وبذلك المعنى تقدم في محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سواه ممن ذكر في حديثه ذلك من أهل بيته ، ثم نسخ الله - عز وجل - ذلك بما نسخه به مما قد تلونا ، وبقوله - عز وجل - : مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ، وأعاد زيدا وأسامة وأمثالهما إلى قوله - عز وجل - : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ . وفي ذلك ما قد دل أن أسامة لما خرج عن البنوة التي كان فيها مما استحق به تقدم غيره من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في محبة رسول الله أن محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك قد عادت إلى من كان ذكره من محبته بمحبته بعده من أهل بيته . وقال قائل آخر : قد رويتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى ما قد رويتموه عنه فيه مما قد ذكرتموه في هذا الباب ، وأنتم تروون عنه ما يخالف ذلك ، فذكر 6253 - ما قد حدثنا مالك بن يحيى الهمداني أبو غسان ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : أخبرني الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، قال : سألت عائشة أي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أحب إليه ؟ قالت : أبو بكر ، قلت : ثم من ؟ قالت : ثم عمر ، قلت : ثم من ؟ قالت : ثم أبو عبيدة بن الجراح ، قال : قلت : ثم من ؟ فسكتت . قال : فالذي في هذا الحديث من هذا المعنى ، يخالف ما قد رويتموه قبله في حديث أسامة بن زيد في هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا خلاف في شيء مما قد رويناه في هذا الباب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن الذي رويناه عنه في حديث أسامة على حقائق ما كان عنده - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ؛ لأنه كان مسؤولا عنه ومجيبا لسائله عما أجابه به في حديث أسامة ، والذي في حديث عائشة هو جوابها عما سألت عنه عما كان عليه ، وذلك على ما يقع في قلبها مما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - وقد يكون على خلاف ذلك . قال : فقد رويتم عنها جوابا منها عن مثل هذا السؤال ما يخالف هذا الجواب ، وذكر . 6254 - ما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن آدم ، قال : حدثنا ابن أبي غنية ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن جميع - وهو ابن عمير - قال : دخلت مع أبي على عائشة وأنا غلام ، فذكر لها عليا ، فقالت : ما رأيت رجلا كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه ، ولا امرأة أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من امرأته . 6255 - وما قد حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي ، قال : حدثنا الهيثم بن جميل ، قال : حدثنا هشيم ، عن العوام بن حوشب ، عن جميع بن عمير ، قال : دخلت مع أمي على عائشة ، فقالت لها أمي : من كان أحب النساء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت : فاطمة . قالت : فمن الرجال ؟ قالت : زوجها . قال : فالذي عنها في هذا الحديث يخالف الذي عنها في الحديث الذي ذكرتموه عنها قبله في هذا الباب . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أنه لا خلاف في ذلك كما ظن ، ولكن عائشة سئلت في حديثها الأول عن أحب الناس كان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان الذي عندها أن أحدا لا يذهب عنه أن أحدا لا يتقدم أهل بيته في محبته ، كما لم يتقدم أحد سواهم إياهم في التبليغ عنه في الموسم سورة براءة ، وفي قوله : إنه لا يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي ، فأجابت بالجواب المذكور فيه عن أحب الناس كان إليه سوى أهل بيته ، وسئلت في حديثها الثاني عن علي ، وهو من أهل بيته ، فأجابت فيه بالجواب الذي أجابت به فيه ، وفي ذلك ما قد حقق ما حملنا عليه معنى حديث أسامة ، وحديث عمرو على ما ذكرنا من معنى كل واحد منهما الذي ذكرناه في هذا الباب . وما حقق ما ذكرنا فيما رويناه عن عائشة من سائر أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن سواهم من الناس في محبته . 6256 - ما قد حدثنا أبو أمية ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، قال : حدثنا العيزار بن حريث ، قال : قال النعمان بن بشير : استأذن أبو بكر - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمع صوت عائشة تقول : والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ، مرتين أو ثلاثا ، فاستأذن أبو بكر - رضي الله عنه - فدخل ، فأهوى إليها ، وقال : يا بنت فلانة ، ألا أسمعك ترفعين صوتك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فكان في هذا الحديث وقوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما قالت عائشة من ذلك ، فلم ينكره عليها ، وخرج جميع معاني كل ما رويناه في هذا الباب خروجا لا تضاد فيه ، ولم يكن ما ذكرناه من تقديم علي عليه السلام في محبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر فيها ، بمانع أن يكون أبو بكر يتقدمه بالفضل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن كل واحد منهما له موضعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من محبة ، ومن فضل رضوان الله عليهما ، وعلى سائر أصحابه سواهما ، والله نسأله التوفيق .