832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
أصل
شرح مشكل الآثارص 254 شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 254 832- باب بيان مشكل ما رواه نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتبايعين أنهما بالخيار حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار . 6182 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الوهاب -يعني الثقفي - قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : سمعت نافعا ، يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع خيارا . قال نافع : فكان عبد الله إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه . 6183 - وحدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا علي بن حجر ، قال : حدثنا هشيم ، عن يحيى بن سعيد ، قال : حدثنا نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان لا بيع بينهما حتى يفترقا ، إلا بيع الخيار . قال أبو جعفر : فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا في حديث الثقفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا ، فاحتمل ذلك التفرق أن يكون هو ما ذكره في حديثه هذا عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه ، فارق صاحبه ، فيكون ذلك التفرق المذكور في حديثه هذا ، هو التفرق بالأبدان ، ويحتمل أن يكون ذلك التفرق الذي كان ابن عمر يستعمله ، ليس هو التفرق الذي نراه ينقطع به الخيار المذكور في حديثه هذا ، ويكون كان يفعل ذلك ؛ لأن الحديث يحتمله ، وإن كان الذي يراه هو فيه غير ذلك ، فكان يفعل ما يفعل مما ذكره نافع عنه في ذلك احتياطا من قول غيره ، حتى لا يلحقه فيه من قول غيره خلاف ما يريده في بيعه ذلك ، كمثل الذي لحقه في البيع الذي باعه بالبراءة من عيوبه ، على أنه يرى أن الحكم في ذلك هو الذي يراه فيه ، فخوصم فيه إلى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فحكم عليه فيه بخلاف ما كان يراه فيه مما رواه عثمان - رضي الله عنه - الواجب فيه ، ورأى عليه اليمين في ذلك : بالله - عز وجل - ما بعته ذا [ولا] علمته ولا كتمته ، فأبى أن يحلف على ذلك ، وارتجع العبد . فاحتمل أن يكون ما ذكره عنه نافع مما كان يفعله في الحديث الذي ذكرناه عنه لمثل ذلك المعنى أيضا . وقد وجدنا عنه مما قد دلنا على أن مذهبه كان في ذلك المعنى : أن البيع يتم في المبيع قبل افتراق متبايعيه بعد تعاقدهما البيع بأبدانهما . 6184 - كما حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر ، قال : ما أدركت الصفقة حيا ، فهو من مال المبتاع . 6185 - وكما حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، قال : حدثني الزهري ، عن حمزة بن عبد الله : أن عبد الله بن عمر قال ، ثم ذكر مثله. فكان ما في هذا الحديث قد دلنا أن مذهب ابن عمر كان فيما أدركته الصفقة حيا ، أنه يكون من مال مبتاعه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا وقد وقع ملكه عليه بالصفقة ، وإن لم يفارق بائعه ببدنه . وكان حديث هشيم عن يحيى الذي ذكرناه من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتبايعان لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا بيع الخيار ، غير مخالف عندنا لحديثه الآخر الذي ذكرنا ، ويكون معنى : لا بيع بينهما حتى يفترقا ، أي : لا بيع بينهما لا خيار فيه حتى يفترقا ، فإذا تفرقا قطع ذلك التفرق خيارهما فيه إلا بيع الخيار ، بمعنى : فإن الخيار يبقى لصاحبه بعد ذلك إلى المدة المشروط له الخيار فيها . وكان ذلك التفرق المذكور في هذا الحديث مما قد تنازع أهل العلم في تأويله ما هو ؟ فقالت طائفة منهم : هو بين قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع : قد قبلت ذلك منك ، يكون للبائع الرجوع عن ما قال قبل قول المبتاع له : قد قبلت ذلك منك ، ويكون للمبتاع قبول ذلك القول ما لم يفارق البائع ببدنه ، فإن فارقه ببدنه لم يكن له بعد ذلك أن يقبل منه القول الذي قاله له . وقال قائلو هذا القول : ولولا أن ذلك كذلك ، لكان له قبول ذلك القول بعد المدة الطويلة ، وبعد مفارقته قائله له ببدنه ، وممن كان يقول هذا القول ، ويذهب بمعنى هذا الحديث إلى ذلك التأويل أبو يوسف . 6186 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، وذكرناه بعد ذلك لأحمد بن أبي عمران ، فوافقه على ذلك في روايته إياه عن بشر بن الوليد ، ووافق أبا يوسف على هذا التأويل أيضا عيسى بن أبان . وقال آخرون من أهل العلم : إن قول البائع للمبتاع : قد بعتك ، وقول المبتاع له : قد قبلت منك ، يكونان به مفترقين ، ويكون ذلك كمعنى قول الله - عز وجل - في الطلاق : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ ، فكأن الزوج إذا قال لامرأته : قد طلقتك على كذا ، فقالت هي له : قد قبلت ذلك منك ، صارا مفترقين الفرقة التي قال الله - عز وجل - وإن لم يتفرقا بأبدانهما . فكان مثل ذلك قول صاحب السلعة لصاحبه الذي ساومه بها : قد بعتك سلعتي بكذا ، فقال له الآخر : قد قبلت ذلك منك ، يكونان به مفترقين الفرقة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يتفرقا بأبدانهما ، وممن قال هذا القول ، وفسره هذا التفسير محمد بن الحسن. وقال آخرون : الفرقة التي عناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث ، هي الفرقة بالأبدان بعد التبايع ؛ لأن المساوم والمساوم قبل تعاقدهما البيع متساومان ، وليسا بمتبايعين ، وإنما يكونان متبايعين بعد ما يتعاقدان البيع ، وهناك يجب لهما الخيار لا قبله . وممن كان يذهب إلى ذلك الشافعي ، ويحتج فيه بما قد ذكرنا ، وكان الذي احتج به قد وجدنا في اللغة ما يجوز خلافه ؛ لأنا قد وجدنا فيها إطلاق اسم من قرب من شيء بمعنى : من قد بلغ ذلك الشيء ، وكان من أهله ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة ، ومنه قول الله - عز وجل - : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ، ليس على معنى أنهن إذا استوفين آجالهن أمسكن بمعروف ، وإنما ذلك على قربهن بلوغ آجالهن ، ويدل على ذلك قول الله - عز وجل - في الآية الأخرى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ . ومن ذلك ما قد أطلقه المسلمون جميعا في ابن إبراهيم الذي أمر بذبحه ، إما إسماعيل وإما إسحاق - صلى الله عليهما - أن سموه ذبيحا لقربه من الذبح ، وإن لم يكن ذبح ، ومن ذلك ما يطلقونه مما قد حكاه لنا المزني ، عن الشافعي في تأويل الآية التي ذكرنا أن العرب تقول : قد دخل فلان مدينة كذا ؛ لقربه منها ، وبقصده إلى دخولها ، وإن لم يكن في الحقيقة دخلها ، وإذا كان ذلك كذلك فيما ذكرنا ، كان محتملا في الحديث الذي روينا مثله ، والله أعلم بمراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بما أراده فيه . ثم نظرنا في هذا الحديث من رواية غير يحيى ، عن نافع كيف هي ؟ . 6187 - فوجدنا عبد الملك بن مروان الرقي قد حدثنا ، قال : حدثنا شجاع بن الوليد السكوني ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كل بيعين بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6188 - ووجدنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا بندار ، قال : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون خيار . 6189 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . فكان ما رويناه من حديث عبيد الله هذا يرجع معناه إلى معنى ما رويناه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن نافع قبله في هذا المعنى . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ 6190 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا محمد بن علي بن حرب ، قال : حدثنا محرز بن الوضاح ، عن إسماعيل - يعني ابن أمية - الأموي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار ، فقد وجب البيع . فكان ما في هذا الحديث كمثل ما في حديث يحيى وعبيد الله اللذين ذكرناهما قبله . ثم نظرنا كيف رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6191 - فوجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان - يعني محمد بن الفضل السدوسي - قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ؛ وربما قال : أو يكون بيع خيار . 6192 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا زياد بن أيوب ، قال : حدثنا ابن علية ، قال : حدثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار ، وربما قال : بايع ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر . 6193 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا عبد الأعلى -يعني ابن عبد الأعلى السامي - قال : حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول : اختر . فكان ما رواه أيوب ، عن نافع في ذلك كمثل ما رواه عليه من ذكرناه قبله عن نافع إلا أن فيه : أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر ، فاحتمل أن يكون ذلك على قول يقوله بعد البيع ، فيكون قد أوجب له خيارا لمن لم يكن له خيار قبله ، واحتمل أن يكون على خيار يتعاقدان البيع عليه ، ويشترطه أحدهما لصاحبه في البيع ، وهو أولى التأويلين به ؛ لأنه يرجع إلى إيجاب ما لم يكن للمقول له قبل ذلك . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6194 - فوجدنا المزني قد حدثنا ، قال : حدثنا الشافعي ، عن سفيان ، قال : حدثنا ابن جريج ، قال : أملى علينا نافع : أن عبد الله بن عمر أخبره ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا تبايع المتبايعان بالبيع ، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان عن خيار فقد وجب . 6195 - ووجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : أخبرنا علي بن ميمون ، قال : حدثنا سفيان ، ثم ذكر بإسناده مثله ، غير أنه قال : فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : فكان معنى هذا قد دخل في معنى ما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6196 - فوجدنا يونس قد حدثنا ، قال : حدثنا ابن وهب أن مالكا أخبره . - ووجدنا المزني قد حدثنا ، قال : أخبرنا الشافعي ، عن مالك ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار . قال : فكان معنى هذا الحديث كمعنى ما وافقه في ألفاظه مما قد ذكرناه قبله . ثم نظرنا : هل رواه عن نافع غير من ذكرنا ؟ . 6197 - فوجدنا الربيع المرادي قد حدثنا ، قال : حدثنا شعيب بن الليث ، قال : أخبرنا الليث ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا تبايع الرجلان ، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر ، فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع ، فقد وجب البيع . قال أبو جعفر : كتب هذا الحديث عني أبو عبد الرحمن - يعني النسائي - فكان في هذا الحديث ما قد دل على أن معنى : أو يخير أحدهما الآخر ، فيما قد ذكرناه قبله ، إنما هو على تخير يتعاقد المتبايعان البيع عليه على ما في هذا الحديث ، لا على ما سوى ذلك مما قد حمله بعض الناس عليه ، وكيف يجوز أن يخير من له خيار بعقد البيع ! هذا يبعد قبوله في القلوب ، وإنما يكون التخير لإيجاب ما لم يكن واجبا قبله ، وذلك يوجب أن يكون على ما قد رواه الليث عن نافع ، فيكون الخيار الذي يخيره أحد المتبايعين صاحبه ، هو على الخيار الذي يتراوضان عليه حتى يعقدان البيع عليه ، لا على خيار يستأنفانه بعد البيع . وفي ذلك ما قد دل أن البيع يجب بالتعاقد ، وأنه لا خيار فيه لواحد من متبايعيه بعد تعاقدهما إياه ، إلا أن يكون البيع وقع على أن لأحدهما خيارا إلى مدة ، فيكون له الخيار إلى انقضاء تلك المدة . وقد وجدنا الذي يذهب في الخيار إلى أنه التفرق بالأبدان بعد عقد البيع ، يقول : إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع ، فالخيار الذي يجب له بذلك التخير ، هو الخيار الذي كان واجبا له قبله ، والذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ، فإنما قاله ليفيد أمته معنى ، وإذا كان على ما قال من تأوله على ما ذكرنا ، لم يكن فيه فائدة ، وحاش لله أن يكون كذلك ، ولكنه عندنا - والله أعلم - على ما قد بينه الليث في حديثه مما يقع عقد البيع عليه ، وإذا كان الخيار إذا وقع البيع عليه ، لم يمنع الذي له الخيار أن يكون مالكا لما ابتاع قبل انقطاع خياره بعد أن يفترق هو وصاحبه عن موطن البيع ، كانا قبل أن يتفرقا عن موطن البيع كذلك أيضا . وكان وجوب الخيار المذكور في الحديث على خلاف ذلك ، وهو الخيار بين العقد وبين القبول على ما ذكرناه عن قائليه في هذا الباب. ثم رجعنا إلى ما يوجبه النظر في ذلك ، فوجدنا التمليكات قد تكون في أموال ، وقد تكون في منافع وهي الإجارات ، وقد تكون في أبضاع ، وهي ما توجبه التزويجات ، وما يوجبه الخلع ، فكانت التمليكات في الأبضاع تتم قبل تفرق متعاقديها ، وكذلك الإيجارت تتم قبل تفرق متعاقديها ، فكان مثل ذلك في القياس تمليكات الأموال ، وهي البياعات ، تتم قبل تفرق متعاقديها بعد تعاقدهما بأبدانهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 268 833- باب بيان مشكل ما رواه عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6198 - حدثنا بكار بن قتيبة ، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . 6199 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا وهب بن جرير ، قال : حدثنا شعبة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر مثله . 6200 - وحدثنا نصر بن مرزوق ، قال : حدثنا علي بن معبد ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . 6201 - وحدثنا يزيد بن سنان ، قال : حدثنا القعنبي وشيبان بن فروخ ، قالا : حدثنا عبد العزيز القسملي ، قال : حدثنا عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله . هكذا روى من ذكرنا هذا الحديث عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، وقد رواه سفيان بن عيينة ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، فخالف ذلك . 6202 - كما حدثنا المزني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن دينار : أنه سمع عبد الله بن عمر ، يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يقول البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ، أو يكون بيعهما عن خيار ، فإذا كان البيع عن خيار ، فقد وجب . فعاد معنى ما قد روي عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر في هذا المعنى مما قد اختلف عنه فيه ، إلى ما يوافقه مما قد رويناه قبله ، وكلامنا فيه ككلامنا في مثله مما قد تقدم مما روي عن نافع ، عن ابن عمر والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 279 837 - باب بيان مشكل ما رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المعنى . 6209 - حدثنا محمد بن بحر بن مطر البغدادي ، قال : حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم ، قال : حدثنا أيوب بن عتبة ، عن أبي كثير الغبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يكون بيع خيار . فكان معنى هذا الحديث ، كمعنى ما ذكرناه مما يوافقه في ألفاظه من أحاديث نافع عن ابن عمر ، والكلام فيه كالكلام فيما تكلمنا به فيه هنالك ، والله نسأله التوفيق .