298 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ . 2121 - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ الرُّعَيْنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ ، قِيلَ : وَمَا الْفَأْلُ ؟ قَالَ : الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ . 2122 - حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ ، قَالَ : حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قِيلَ : وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ . 2123 - 1843 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُد ، قَالَ : حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حدثنا اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . 2124 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حدثنا يَحْيَى بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قُعْنُبٍ ، قَالَ : حدثنا حَسَّانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ أَبِي سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ ، قَالَ : سُئِلَتْ عَائِشَةُ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْقَدَرِ ؟ قَالَتْ : كَانَ يَقُولُ : كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ . 2125 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، قَالَ : حدثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حدثنا حَسَّانُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطِّيَرُ تَجْرِي بِقَدَرٍ وَكَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ . 2126 - 1846 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حدثنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو الْحِمْصِيُّ ، قَالَ : حدثنا بِشْرُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : … ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ . 2127 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ ، قَالَ : حدثنا زَيْدٌ يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا طِيَرَةَ ، خَيْرُهَا الْفَأْلُ خَيْرُهَا الْفَأْلُ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ رَوَيْت لَنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِك هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا طِيَرَةَ ، أَوْ أَنَّهُ قَالَ : الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ الطِّيَرَةَ لَا مَعْنَى لَهَا ، وَإِذَا كَانَ لَا مَعْنَى لَهَا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمَسْمُوعَةِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يَكْرَهُ النَّاسُ ، وَإِذَا كَانَ لَا مَعْنَى لَهَا لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا إنَّمَا تَجْرِي بِمَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا لَا بِمَا سِوَاهُ ، وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ كَانَ الْمَحْبُوبُ مِنْهَا كَذَلِكَ إنَّمَا يَجْرِي بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَسْمُوعِ مِنْهَا مَكْرُوهًا كَانَ أَوْ مَحْبُوبًا ، فَمِنْ أَيْنَ جَازَ لك مَعَ ذَلِكَ أَنْ تُضِيفَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا مَضَرَّةَ فِي ضِدِّهِ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ : أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ ، إنَّمَا كَانَ لِغَيْرِ مَا تُوُهِّمَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ الْحَسَنَ لَا يَتَطَيَّرُ بِهِ سَامِعُوهُ ، كَمَا يَتَطَيَّرُونَ بِالْكَلَامِ الْقَبِيحِ ، فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا طِيَرَةَ مَعَهُ ، وَإِذَا كَانَ سَامِعُوهُ يُعِدُّونَهُ بِشَارَةً مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فَيَحْمَدُونَهُ عَلَيْهِ ، فَهَذَا مَعْنَى إعْجَابِ الْفَأْلِ الْحَسَنِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ . 2128 - مِمَّا قَدْ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، قَالَ : حدثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، قَالَ : حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ إذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ أَنْ يَسْمَعَ يَا رَاشِدُ يَا نَجِيحُ . فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا إذَا سَمِعَهُ خَارِجٌ إلَى حَاجَةٍ حَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ وَرَجَا بِهِ الْوُصُولَ إلَى حَاجَتِهِ بِمَنِّ اللَّهِ عَلَيْهِ وَتَوْفِيقِهَا لَهُ . 2129 - وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حدثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِأَرْضٍ تُسَمَّى غُدْرَةَ فَسَمَّاهَا خَضْرَةَ . وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَرَاهِيَةٍ نَفَاهَا عَلَى اسْمِهَا الْأَوَّلِ عِنْدَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَنْزِلَهَا نَازِلٌ وَاسْمُهَا عِنْدَهُ غُدْرَةُ فَيَتَطَيَّرُ بِذَلِكَ ، فَحَوَّلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَهَا إلَى خَضْرَةَ مِمَّا لَا طِيَرَةَ فِيهِ . فَبَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
أصل
شرح مشكل الآثارص 99 شرح مشكل الآثارص 98 372 - بَابٌ : بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ . 2652 - حَدّثَنَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا طِيَرَةَ وَالطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ ، وَإِنْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ ، وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ ، فَقَالَ قَائِلٌ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَلَامٌ مُتَضَادٌّ ؛ لِأَنَّ فِيهِ لَا طِيَرَةَ وَذَلِكَ نَفْيٌ لَهَا ، وَفِيهِ : مَنْ تَطَيَّرَ فَعَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ إثْبَاتٌ لَهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ - بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ - أَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِيهِ كَمَا ظَنَّ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : لَا طِيَرَةَ عَلَى نَفْيِهَا وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : مَنْ تَطَيَّرَ فَعَلَى نَفْسِهِ لَا أَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مَا تَطَيَّرَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَقِيقَتِهِ ، وَلَكِنَّ لُبْسَهُ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الطِّيَرَةَ شِرْكٌ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ الطِّيَرَةَ شِرْكٌ ، وَمَا مِنَّا إلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مِنْهُ الطِّيَرَةُ فَقَدْ دَخَلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَكَانَ مَا لَزِمَهُ بِدُخُولِهِ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
تأويل مختلف الحديثالْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ · ص 167 قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ . 10 - الْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ . قَالُوا : رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ . وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ النُّقْبَةَ تَقَعُ بِمِشَفَرِ الْبَعِيرِ فَتَجْرَبُ لِذَلِكَ الْإِبِلُ ، فَقَالَ : فَمَا أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ قَالَ: هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ . ثُمَّ رَوَيْتُمْ فِي خِلَافِ ذَلِكَ : لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ وَ فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ مَجْذُومٌ لِيُبَايِعَهُ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ ، وَأَمَرَهُ بِالْانْصِرَافِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . قَالُوا : وَهَذَا كُلُّهُ مُخْتَلِفٌ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ ، وَلِكُلِّ مَعْنًى مِنْهَا وَقْتٌ وَمَوْضِعٌ ، فَإِذَا وُضِعَ بِمَوْضِعِهِ زَالَ الْاخْتِلَافُ . وَالْعَدْوَى جِنْسَانِ : أَحَدُهُمَا: عَدْوَى الْجُذَامِ ، فَإِنَّ الْمَجْذُومَ تَشْتَدُّ رَائِحَتُهُ حَتَّى يُسْقِمَ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَتَهُ وَمُؤَاكَلَتَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ تَحْتَ الْمَجْذُومِ فَتُضَاجِعُهُ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ ، فَيُوَصِّلُ إِلَيْهَا الْأَذَى ، وَرُبَّمَا جُذِمَتْ ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ يَنْزِعُونَ فِي الْكَثِيرِ إِلَيْهِ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بِهِ سُلٌّ وَدَقٌّ وَنَقْبٌ ، وَالْأَطِبَّاءُ تَأْمُرُ بِأَنْ لَا يُجَالَسَ الْمَسْلُولُ وَلَا الْمَجْذُومُ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَعْنَى الْعَدْوَى ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ تَغَيُّرَ الرَّائِحَةِ ، وَأَنَّهَا قَدْ تُسْقِمُ مَنْ أَطَالَ اشْتِمَامَهَا ، وَالْأَطِبَّاءُ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ الْإِيْمَانِ بِيُمْنٍ أَوْ شُؤْمٍ ، وَكَذَلِكَ النُّقْبَةُ تَكُونُ بِالْبَعِيرِ ، وَهِيَ جَرَبٌ رَطْبٌ ، فَإِذَا خَالَطَهَا الْإِبِلُ وَحَاكَهَا وَأَوَى فِي مُبَارِكِهَا ، أَوْصَلَ إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ وَالنُّطَفُ ، نَحْوًا مِمَّا بِهِ . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُورِدِنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ . كَرِهَ أَنْ يُخَالِطَ الْمَعْيُوهُ الصَّحِيحَ ، فَيَنَالُهُ مِنْ نَطْفِهِ وَحِكَّتِهِ ، نَحْوٌ مِمَّا بِهِ . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُظَنَّ أَنَّ الَّذِي نَالَ إِبِلَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ فَيَأْثَمَ ، قَالَ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ لِأَنَّا نَجِدُ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ عَيَانًا . وَأَمَّا الْجِنْسُ الْآخَرُ مِنَ الْعَدْوَى فَهُوَ الطَّاعُونُ يَنْزِلُ بِبَلَدٍ ، فَيُخْرَجُ مِنْهُ خَوْفًا مِنَ الْعَدْوَى . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ : أَنَّهُ هَرَبَ مِنَ الطَّاعُونِ ، فَرَكِبَ حِمَارًا وَمَضَى بِأَهْلِهِ نَحْوَ سَفَوَانَ ، وَسَمِعَ حَادِيًا يَحْدُو خَلْفَهُ وَهُوَ يَقُولُ : لَنْ يُسْبَقَ اللَّهُ عَلَى حِمَارِ وَلَا عَلَى ذِي مَيْعَةٍ مُطَارِ أَوْ يَأْتِيَ الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ قَدْ يُصْبِحُ اللَّهُ أَمَامَ السَّارِي وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا كَانَ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ . وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تُدْخُلُوهُ . يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فِيهِ ، كَأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الْفِرَارَ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يُنْجِيكُمْ مِنَ اللَّهِ ، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ : وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوهُ أَنَّ مُقَامَكُمْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي لَا طَاعُونَ فِيهِ أَسْكَنُ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَطْيَبُ لِعَيْشِكُمْ . وَمِنْ ذَلِكَ تُعْرَفُ الْمَرْأَةُ بِالشُّؤْمِ أَوِ الدَّارُ فَيَنَالُ الرَّجُلَ مَكْرُوهٌ أَوْ جَائِحَةٌ فَيَقُولُ : أَعْدَتْنِي بِشُؤْمِهَا ، فَهَذَا هُوَ الْعَدْوَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا عَدْوَى . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . فَإِنَّ هَذَا حَدِيثٌ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْغَلَطُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَّهُ سَمِعَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَعِهِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَا : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ . فَطَارَتْ شَفَقًا ثُمَّ قَالَتْ : كَذِبَ وَالَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ ، مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ ثُمَّ قَرَأَتْ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا . وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْدَيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَّا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَزَلْنَا دَارًا فَكَثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثُرَتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا ، ثُمَّ تَحَوَّلْنَا عَنْهَا إِلَى أُخْرَى ، فَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا وَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ارْحَلُوا عَنْهَا وَذَرُوهَا وَهِيَ ذَمِيمَةٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِنَقْضٍ لِهَذَا ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِيهَا عَلَى اسْتِثْقَالٍ لِظِلِّهَا وَاسْتِيحَاشٍ بِمَا نَالَهُمْ فِيهَا ، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَرَائِزِ النَّاسِ وَتَرْكِيبِهِمُ اسْتِثْقَالَ مَا نَالَهُمُ السُّوءُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا سَبَبَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَحُبَّ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الْخَيْرُ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ ، وَبُغْضَ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الشَّرُّ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ . وَكَيْفَ يَتَطَيَّرُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَرَوْنَهَا شَيْئًا ، وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ رَجُلًا : وَلَيْسَ بِهَيَّابٍ إِذَا شَدَّ رَحْلَهُ يَقُولُ عَدَانِي الْيَوْمَ وَاقٌ وَحَاتِمٌ وَلَكِنَّهُ يَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقْدِمًا إِذَا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الْهَنَاتِ الْخُثَارِمُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْخُثَارِمُ : هُوَ الَّذِي يَتَطَيَّرُ ، الَوَاقُ الصَّرْدُ وَالْحَاتِمُ: الْغُرَابُ . وَقَالَ الْمُرَقِّشُ : وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمْ فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَا مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمْ وَكَذَاكَ لَا خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ عَلَى أَحَدٍ بِدَائِمْ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ : الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ وَالْحَسَدُ ، قِيلَ : فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ ؟ قَالَ : إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعُ ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقُ ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ أَوْ نَحْوُهَا . وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْجَبُ مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِالطِّيَرَةِ ، وَيَعِيبُهَا أَشَدَّ الْعَيْبِ . وَقَالَ فَرَقَتْ لَنَا نَاقَةٌ ، وَأَنَا بِالطَّفِّ ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهَا ، فَلَقِيَنِي هَانِئُ بْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ وَهُوَ مُسْرِعٌ يَقُولُ: وَالشَّرُّ يُلْفَى مَطَالِعَ الْأَكَمْ ثُمَّ لَقِيَنِي رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْحَيِّ فَقَالَ : وَلَئِنْ بَغَيْتَ لَنَا بُغَا ةً مَا الْبُغَاةُ بِوَاجِدِينَا ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى غُلَامٍ قَدْ وَقَعَ فِي صِغَرِهِ فِي نَارٍ فَأَحْرَقَتْهُ ، فَقَبُحَ وَجْهُهُ وَفَسَدَ ، قُلْتُ لَهُ: هَلْ ذَكَرْتَ مِنْ نَاقَةٍ فَارِقٍ ؟ قَالَ: هَاهُنَا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَعْرَابِ ، فَانْظُرْ فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ أَنْتَجَتْ فَأَخَذْتُهَا وَوَلَدَهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْفَارِقُ: الَّتِي قَدْ حَمَلَتْ فَفَارَقَتْ صَوَاحِبَهَا . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَرَّ طَائِرٌ يَصِيحُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : خَيْرٌ خَيْرٌ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ ، و كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِبُّ الْاسْمَ الْحَسَنَ ، وَالْفَأْلَ الصَّالِحَ . وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشَيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَوْنٍ عَنِ الْفَأْلِ ، فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيُسْمَعَ يَا سَالِمُ ، أَوْ يَكُونَ بَاغِيًا فَيُسْمَعُ يَا وَاجِدُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا جُعِلَ غَرَائِزَ النَّاسِ تَسْتَحِبَّهُ وَتَأْنَسُ بِهِ ، كَمَا جُعِلَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّحِيَّةِ بِالسَّلَامِ ، وَالْمَدِّ فِي الْأُمْنِيَةِ ، وَالتَّبْشِيرِ بِالْخَيْرِ ، وَكَمَا يُقَالُ : انْعَمْ وَاسْلَمْ ، وَ انْعَمْ صَبَاحًا ، وَكَمَا تَقُولُ الْفُرْسُ : عِشْ أَلْفَ نَيْرُوزٍ ، وَالسَّامِعُ لِهَذَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ، وَلَكِنْ جُعِلَ فِي الطِّبَاعِ مَحَبَّةُ الْخَيْرِ وَالْارْتِيَاحُ لِلْبُشْرَى ، وَالْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ وَالْوَجْهِ الْحَسَنِ ، وَالْاسْمِ الْخَفِيفِ . وَقَدْ يَمُرُّ الرَّجُلُ بِالرَّوْضَةِ الْمُنَوِّرَةِ فَتَسُرُّهُ وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ ، وَبِالْمَاءِ الصَّافِي فَيُعْجَبُ بِهِ وَهُوَ لَا يَشْرَبُهُ وَلَا يُورِدُهُ. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجَبُ بِالْأُتْرُجِّ ، وَيُعْجِبُهُ الْحَمَامُ الْأَحْمَرُ وَتُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ وَهِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ . وَهَذَا مِثْلُ إِعْجَابِهِ بِالْاسْمِ الْحَسَنِ وَالْفَأْلِ الْحَسَنِ ، وَعَلَى مِثْلِ هَذَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُ لِلْاسْمِ الْقَبِيحِ ، كـَ بَنِي النَّارِ وَ بَنِي حِرَاقٍ وَ بَنِي زِنْيَةٍ وَ بَنِي حَزَنٍ وَأَشْبَاهِ هَذَا .
تأويل مختلف الحديثالْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ · ص 167 قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ . 10 - الْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ . قَالُوا : رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ . وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ النُّقْبَةَ تَقَعُ بِمِشَفَرِ الْبَعِيرِ فَتَجْرَبُ لِذَلِكَ الْإِبِلُ ، فَقَالَ : فَمَا أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ قَالَ: هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ . ثُمَّ رَوَيْتُمْ فِي خِلَافِ ذَلِكَ : لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ وَ فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ مَجْذُومٌ لِيُبَايِعَهُ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ ، وَأَمَرَهُ بِالْانْصِرَافِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . قَالُوا : وَهَذَا كُلُّهُ مُخْتَلِفٌ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ ، وَلِكُلِّ مَعْنًى مِنْهَا وَقْتٌ وَمَوْضِعٌ ، فَإِذَا وُضِعَ بِمَوْضِعِهِ زَالَ الْاخْتِلَافُ . وَالْعَدْوَى جِنْسَانِ : أَحَدُهُمَا: عَدْوَى الْجُذَامِ ، فَإِنَّ الْمَجْذُومَ تَشْتَدُّ رَائِحَتُهُ حَتَّى يُسْقِمَ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَتَهُ وَمُؤَاكَلَتَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ تَحْتَ الْمَجْذُومِ فَتُضَاجِعُهُ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ ، فَيُوَصِّلُ إِلَيْهَا الْأَذَى ، وَرُبَّمَا جُذِمَتْ ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ يَنْزِعُونَ فِي الْكَثِيرِ إِلَيْهِ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بِهِ سُلٌّ وَدَقٌّ وَنَقْبٌ ، وَالْأَطِبَّاءُ تَأْمُرُ بِأَنْ لَا يُجَالَسَ الْمَسْلُولُ وَلَا الْمَجْذُومُ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَعْنَى الْعَدْوَى ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ تَغَيُّرَ الرَّائِحَةِ ، وَأَنَّهَا قَدْ تُسْقِمُ مَنْ أَطَالَ اشْتِمَامَهَا ، وَالْأَطِبَّاءُ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ الْإِيْمَانِ بِيُمْنٍ أَوْ شُؤْمٍ ، وَكَذَلِكَ النُّقْبَةُ تَكُونُ بِالْبَعِيرِ ، وَهِيَ جَرَبٌ رَطْبٌ ، فَإِذَا خَالَطَهَا الْإِبِلُ وَحَاكَهَا وَأَوَى فِي مُبَارِكِهَا ، أَوْصَلَ إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ وَالنُّطَفُ ، نَحْوًا مِمَّا بِهِ . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُورِدِنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ . كَرِهَ أَنْ يُخَالِطَ الْمَعْيُوهُ الصَّحِيحَ ، فَيَنَالُهُ مِنْ نَطْفِهِ وَحِكَّتِهِ ، نَحْوٌ مِمَّا بِهِ . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُظَنَّ أَنَّ الَّذِي نَالَ إِبِلَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ فَيَأْثَمَ ، قَالَ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ لِأَنَّا نَجِدُ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ عَيَانًا . وَأَمَّا الْجِنْسُ الْآخَرُ مِنَ الْعَدْوَى فَهُوَ الطَّاعُونُ يَنْزِلُ بِبَلَدٍ ، فَيُخْرَجُ مِنْهُ خَوْفًا مِنَ الْعَدْوَى . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ : أَنَّهُ هَرَبَ مِنَ الطَّاعُونِ ، فَرَكِبَ حِمَارًا وَمَضَى بِأَهْلِهِ نَحْوَ سَفَوَانَ ، وَسَمِعَ حَادِيًا يَحْدُو خَلْفَهُ وَهُوَ يَقُولُ : لَنْ يُسْبَقَ اللَّهُ عَلَى حِمَارِ وَلَا عَلَى ذِي مَيْعَةٍ مُطَارِ أَوْ يَأْتِيَ الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ قَدْ يُصْبِحُ اللَّهُ أَمَامَ السَّارِي وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا كَانَ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ . وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تُدْخُلُوهُ . يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فِيهِ ، كَأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الْفِرَارَ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يُنْجِيكُمْ مِنَ اللَّهِ ، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ : وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوهُ أَنَّ مُقَامَكُمْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي لَا طَاعُونَ فِيهِ أَسْكَنُ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَطْيَبُ لِعَيْشِكُمْ . وَمِنْ ذَلِكَ تُعْرَفُ الْمَرْأَةُ بِالشُّؤْمِ أَوِ الدَّارُ فَيَنَالُ الرَّجُلَ مَكْرُوهٌ أَوْ جَائِحَةٌ فَيَقُولُ : أَعْدَتْنِي بِشُؤْمِهَا ، فَهَذَا هُوَ الْعَدْوَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا عَدْوَى . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . فَإِنَّ هَذَا حَدِيثٌ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْغَلَطُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَّهُ سَمِعَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَعِهِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَا : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ . فَطَارَتْ شَفَقًا ثُمَّ قَالَتْ : كَذِبَ وَالَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ ، مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ ثُمَّ قَرَأَتْ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا . وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْدَيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَّا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَزَلْنَا دَارًا فَكَثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثُرَتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا ، ثُمَّ تَحَوَّلْنَا عَنْهَا إِلَى أُخْرَى ، فَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا وَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ارْحَلُوا عَنْهَا وَذَرُوهَا وَهِيَ ذَمِيمَةٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِنَقْضٍ لِهَذَا ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِيهَا عَلَى اسْتِثْقَالٍ لِظِلِّهَا وَاسْتِيحَاشٍ بِمَا نَالَهُمْ فِيهَا ، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَرَائِزِ النَّاسِ وَتَرْكِيبِهِمُ اسْتِثْقَالَ مَا نَالَهُمُ السُّوءُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا سَبَبَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَحُبَّ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الْخَيْرُ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ ، وَبُغْضَ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الشَّرُّ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ . وَكَيْفَ يَتَطَيَّرُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَرَوْنَهَا شَيْئًا ، وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ رَجُلًا : وَلَيْسَ بِهَيَّابٍ إِذَا شَدَّ رَحْلَهُ يَقُولُ عَدَانِي الْيَوْمَ وَاقٌ وَحَاتِمٌ وَلَكِنَّهُ يَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقْدِمًا إِذَا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الْهَنَاتِ الْخُثَارِمُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْخُثَارِمُ : هُوَ الَّذِي يَتَطَيَّرُ ، الَوَاقُ الصَّرْدُ وَالْحَاتِمُ: الْغُرَابُ . وَقَالَ الْمُرَقِّشُ : وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمْ فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَا مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمْ وَكَذَاكَ لَا خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ عَلَى أَحَدٍ بِدَائِمْ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ : الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ وَالْحَسَدُ ، قِيلَ : فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ ؟ قَالَ : إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعُ ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقُ ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ أَوْ نَحْوُهَا . وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْجَبُ مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِالطِّيَرَةِ ، وَيَعِيبُهَا أَشَدَّ الْعَيْبِ . وَقَالَ فَرَقَتْ لَنَا نَاقَةٌ ، وَأَنَا بِالطَّفِّ ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهَا ، فَلَقِيَنِي هَانِئُ بْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ وَهُوَ مُسْرِعٌ يَقُولُ: وَالشَّرُّ يُلْفَى مَطَالِعَ الْأَكَمْ ثُمَّ لَقِيَنِي رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْحَيِّ فَقَالَ : وَلَئِنْ بَغَيْتَ لَنَا بُغَا ةً مَا الْبُغَاةُ بِوَاجِدِينَا ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى غُلَامٍ قَدْ وَقَعَ فِي صِغَرِهِ فِي نَارٍ فَأَحْرَقَتْهُ ، فَقَبُحَ وَجْهُهُ وَفَسَدَ ، قُلْتُ لَهُ: هَلْ ذَكَرْتَ مِنْ نَاقَةٍ فَارِقٍ ؟ قَالَ: هَاهُنَا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَعْرَابِ ، فَانْظُرْ فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ أَنْتَجَتْ فَأَخَذْتُهَا وَوَلَدَهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْفَارِقُ: الَّتِي قَدْ حَمَلَتْ فَفَارَقَتْ صَوَاحِبَهَا . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَرَّ طَائِرٌ يَصِيحُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : خَيْرٌ خَيْرٌ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ ، و كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِبُّ الْاسْمَ الْحَسَنَ ، وَالْفَأْلَ الصَّالِحَ . وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشَيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَوْنٍ عَنِ الْفَأْلِ ، فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيُسْمَعَ يَا سَالِمُ ، أَوْ يَكُونَ بَاغِيًا فَيُسْمَعُ يَا وَاجِدُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا جُعِلَ غَرَائِزَ النَّاسِ تَسْتَحِبَّهُ وَتَأْنَسُ بِهِ ، كَمَا جُعِلَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّحِيَّةِ بِالسَّلَامِ ، وَالْمَدِّ فِي الْأُمْنِيَةِ ، وَالتَّبْشِيرِ بِالْخَيْرِ ، وَكَمَا يُقَالُ : انْعَمْ وَاسْلَمْ ، وَ انْعَمْ صَبَاحًا ، وَكَمَا تَقُولُ الْفُرْسُ : عِشْ أَلْفَ نَيْرُوزٍ ، وَالسَّامِعُ لِهَذَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ، وَلَكِنْ جُعِلَ فِي الطِّبَاعِ مَحَبَّةُ الْخَيْرِ وَالْارْتِيَاحُ لِلْبُشْرَى ، وَالْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ وَالْوَجْهِ الْحَسَنِ ، وَالْاسْمِ الْخَفِيفِ . وَقَدْ يَمُرُّ الرَّجُلُ بِالرَّوْضَةِ الْمُنَوِّرَةِ فَتَسُرُّهُ وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ ، وَبِالْمَاءِ الصَّافِي فَيُعْجَبُ بِهِ وَهُوَ لَا يَشْرَبُهُ وَلَا يُورِدُهُ. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجَبُ بِالْأُتْرُجِّ ، وَيُعْجِبُهُ الْحَمَامُ الْأَحْمَرُ وَتُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ وَهِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ . وَهَذَا مِثْلُ إِعْجَابِهِ بِالْاسْمِ الْحَسَنِ وَالْفَأْلِ الْحَسَنِ ، وَعَلَى مِثْلِ هَذَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُ لِلْاسْمِ الْقَبِيحِ ، كـَ بَنِي النَّارِ وَ بَنِي حِرَاقٍ وَ بَنِي زِنْيَةٍ وَ بَنِي حَزَنٍ وَأَشْبَاهِ هَذَا .
تأويل مختلف الحديثالْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ · ص 167 قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ . 10 - الْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ . قَالُوا : رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ . وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ النُّقْبَةَ تَقَعُ بِمِشَفَرِ الْبَعِيرِ فَتَجْرَبُ لِذَلِكَ الْإِبِلُ ، فَقَالَ : فَمَا أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ قَالَ: هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ . ثُمَّ رَوَيْتُمْ فِي خِلَافِ ذَلِكَ : لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ وَ فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ مَجْذُومٌ لِيُبَايِعَهُ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ ، وَأَمَرَهُ بِالْانْصِرَافِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . قَالُوا : وَهَذَا كُلُّهُ مُخْتَلِفٌ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ ، وَلِكُلِّ مَعْنًى مِنْهَا وَقْتٌ وَمَوْضِعٌ ، فَإِذَا وُضِعَ بِمَوْضِعِهِ زَالَ الْاخْتِلَافُ . وَالْعَدْوَى جِنْسَانِ : أَحَدُهُمَا: عَدْوَى الْجُذَامِ ، فَإِنَّ الْمَجْذُومَ تَشْتَدُّ رَائِحَتُهُ حَتَّى يُسْقِمَ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَتَهُ وَمُؤَاكَلَتَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ تَحْتَ الْمَجْذُومِ فَتُضَاجِعُهُ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ ، فَيُوَصِّلُ إِلَيْهَا الْأَذَى ، وَرُبَّمَا جُذِمَتْ ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ يَنْزِعُونَ فِي الْكَثِيرِ إِلَيْهِ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بِهِ سُلٌّ وَدَقٌّ وَنَقْبٌ ، وَالْأَطِبَّاءُ تَأْمُرُ بِأَنْ لَا يُجَالَسَ الْمَسْلُولُ وَلَا الْمَجْذُومُ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَعْنَى الْعَدْوَى ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ تَغَيُّرَ الرَّائِحَةِ ، وَأَنَّهَا قَدْ تُسْقِمُ مَنْ أَطَالَ اشْتِمَامَهَا ، وَالْأَطِبَّاءُ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ الْإِيْمَانِ بِيُمْنٍ أَوْ شُؤْمٍ ، وَكَذَلِكَ النُّقْبَةُ تَكُونُ بِالْبَعِيرِ ، وَهِيَ جَرَبٌ رَطْبٌ ، فَإِذَا خَالَطَهَا الْإِبِلُ وَحَاكَهَا وَأَوَى فِي مُبَارِكِهَا ، أَوْصَلَ إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ وَالنُّطَفُ ، نَحْوًا مِمَّا بِهِ . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُورِدِنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ . كَرِهَ أَنْ يُخَالِطَ الْمَعْيُوهُ الصَّحِيحَ ، فَيَنَالُهُ مِنْ نَطْفِهِ وَحِكَّتِهِ ، نَحْوٌ مِمَّا بِهِ . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُظَنَّ أَنَّ الَّذِي نَالَ إِبِلَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ فَيَأْثَمَ ، قَالَ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ لِأَنَّا نَجِدُ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ عَيَانًا . وَأَمَّا الْجِنْسُ الْآخَرُ مِنَ الْعَدْوَى فَهُوَ الطَّاعُونُ يَنْزِلُ بِبَلَدٍ ، فَيُخْرَجُ مِنْهُ خَوْفًا مِنَ الْعَدْوَى . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ : أَنَّهُ هَرَبَ مِنَ الطَّاعُونِ ، فَرَكِبَ حِمَارًا وَمَضَى بِأَهْلِهِ نَحْوَ سَفَوَانَ ، وَسَمِعَ حَادِيًا يَحْدُو خَلْفَهُ وَهُوَ يَقُولُ : لَنْ يُسْبَقَ اللَّهُ عَلَى حِمَارِ وَلَا عَلَى ذِي مَيْعَةٍ مُطَارِ أَوْ يَأْتِيَ الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ قَدْ يُصْبِحُ اللَّهُ أَمَامَ السَّارِي وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا كَانَ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ . وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تُدْخُلُوهُ . يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فِيهِ ، كَأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الْفِرَارَ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يُنْجِيكُمْ مِنَ اللَّهِ ، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ : وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوهُ أَنَّ مُقَامَكُمْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي لَا طَاعُونَ فِيهِ أَسْكَنُ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَطْيَبُ لِعَيْشِكُمْ . وَمِنْ ذَلِكَ تُعْرَفُ الْمَرْأَةُ بِالشُّؤْمِ أَوِ الدَّارُ فَيَنَالُ الرَّجُلَ مَكْرُوهٌ أَوْ جَائِحَةٌ فَيَقُولُ : أَعْدَتْنِي بِشُؤْمِهَا ، فَهَذَا هُوَ الْعَدْوَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا عَدْوَى . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . فَإِنَّ هَذَا حَدِيثٌ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْغَلَطُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَّهُ سَمِعَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَعِهِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَا : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ . فَطَارَتْ شَفَقًا ثُمَّ قَالَتْ : كَذِبَ وَالَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ ، مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ ثُمَّ قَرَأَتْ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا . وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْدَيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَّا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَزَلْنَا دَارًا فَكَثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثُرَتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا ، ثُمَّ تَحَوَّلْنَا عَنْهَا إِلَى أُخْرَى ، فَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا وَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ارْحَلُوا عَنْهَا وَذَرُوهَا وَهِيَ ذَمِيمَةٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِنَقْضٍ لِهَذَا ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِيهَا عَلَى اسْتِثْقَالٍ لِظِلِّهَا وَاسْتِيحَاشٍ بِمَا نَالَهُمْ فِيهَا ، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَرَائِزِ النَّاسِ وَتَرْكِيبِهِمُ اسْتِثْقَالَ مَا نَالَهُمُ السُّوءُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا سَبَبَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَحُبَّ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الْخَيْرُ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ ، وَبُغْضَ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الشَّرُّ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ . وَكَيْفَ يَتَطَيَّرُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَرَوْنَهَا شَيْئًا ، وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ رَجُلًا : وَلَيْسَ بِهَيَّابٍ إِذَا شَدَّ رَحْلَهُ يَقُولُ عَدَانِي الْيَوْمَ وَاقٌ وَحَاتِمٌ وَلَكِنَّهُ يَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقْدِمًا إِذَا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الْهَنَاتِ الْخُثَارِمُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْخُثَارِمُ : هُوَ الَّذِي يَتَطَيَّرُ ، الَوَاقُ الصَّرْدُ وَالْحَاتِمُ: الْغُرَابُ . وَقَالَ الْمُرَقِّشُ : وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمْ فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَا مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمْ وَكَذَاكَ لَا خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ عَلَى أَحَدٍ بِدَائِمْ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ : الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ وَالْحَسَدُ ، قِيلَ : فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ ؟ قَالَ : إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعُ ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقُ ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ أَوْ نَحْوُهَا . وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْجَبُ مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِالطِّيَرَةِ ، وَيَعِيبُهَا أَشَدَّ الْعَيْبِ . وَقَالَ فَرَقَتْ لَنَا نَاقَةٌ ، وَأَنَا بِالطَّفِّ ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهَا ، فَلَقِيَنِي هَانِئُ بْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ وَهُوَ مُسْرِعٌ يَقُولُ: وَالشَّرُّ يُلْفَى مَطَالِعَ الْأَكَمْ ثُمَّ لَقِيَنِي رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْحَيِّ فَقَالَ : وَلَئِنْ بَغَيْتَ لَنَا بُغَا ةً مَا الْبُغَاةُ بِوَاجِدِينَا ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى غُلَامٍ قَدْ وَقَعَ فِي صِغَرِهِ فِي نَارٍ فَأَحْرَقَتْهُ ، فَقَبُحَ وَجْهُهُ وَفَسَدَ ، قُلْتُ لَهُ: هَلْ ذَكَرْتَ مِنْ نَاقَةٍ فَارِقٍ ؟ قَالَ: هَاهُنَا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَعْرَابِ ، فَانْظُرْ فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ أَنْتَجَتْ فَأَخَذْتُهَا وَوَلَدَهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْفَارِقُ: الَّتِي قَدْ حَمَلَتْ فَفَارَقَتْ صَوَاحِبَهَا . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَرَّ طَائِرٌ يَصِيحُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : خَيْرٌ خَيْرٌ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ ، و كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِبُّ الْاسْمَ الْحَسَنَ ، وَالْفَأْلَ الصَّالِحَ . وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشَيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَوْنٍ عَنِ الْفَأْلِ ، فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيُسْمَعَ يَا سَالِمُ ، أَوْ يَكُونَ بَاغِيًا فَيُسْمَعُ يَا وَاجِدُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا جُعِلَ غَرَائِزَ النَّاسِ تَسْتَحِبَّهُ وَتَأْنَسُ بِهِ ، كَمَا جُعِلَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّحِيَّةِ بِالسَّلَامِ ، وَالْمَدِّ فِي الْأُمْنِيَةِ ، وَالتَّبْشِيرِ بِالْخَيْرِ ، وَكَمَا يُقَالُ : انْعَمْ وَاسْلَمْ ، وَ انْعَمْ صَبَاحًا ، وَكَمَا تَقُولُ الْفُرْسُ : عِشْ أَلْفَ نَيْرُوزٍ ، وَالسَّامِعُ لِهَذَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ، وَلَكِنْ جُعِلَ فِي الطِّبَاعِ مَحَبَّةُ الْخَيْرِ وَالْارْتِيَاحُ لِلْبُشْرَى ، وَالْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ وَالْوَجْهِ الْحَسَنِ ، وَالْاسْمِ الْخَفِيفِ . وَقَدْ يَمُرُّ الرَّجُلُ بِالرَّوْضَةِ الْمُنَوِّرَةِ فَتَسُرُّهُ وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ ، وَبِالْمَاءِ الصَّافِي فَيُعْجَبُ بِهِ وَهُوَ لَا يَشْرَبُهُ وَلَا يُورِدُهُ. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجَبُ بِالْأُتْرُجِّ ، وَيُعْجِبُهُ الْحَمَامُ الْأَحْمَرُ وَتُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ وَهِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ . وَهَذَا مِثْلُ إِعْجَابِهِ بِالْاسْمِ الْحَسَنِ وَالْفَأْلِ الْحَسَنِ ، وَعَلَى مِثْلِ هَذَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُ لِلْاسْمِ الْقَبِيحِ ، كـَ بَنِي النَّارِ وَ بَنِي حِرَاقٍ وَ بَنِي زِنْيَةٍ وَ بَنِي حَزَنٍ وَأَشْبَاهِ هَذَا .
تأويل مختلف الحديثالْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ · ص 167 قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ . 10 - الْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ . قَالُوا : رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ . وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ النُّقْبَةَ تَقَعُ بِمِشَفَرِ الْبَعِيرِ فَتَجْرَبُ لِذَلِكَ الْإِبِلُ ، فَقَالَ : فَمَا أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ قَالَ: هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ . ثُمَّ رَوَيْتُمْ فِي خِلَافِ ذَلِكَ : لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ وَ فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ مَجْذُومٌ لِيُبَايِعَهُ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ ، وَأَمَرَهُ بِالْانْصِرَافِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . قَالُوا : وَهَذَا كُلُّهُ مُخْتَلِفٌ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ ، وَلِكُلِّ مَعْنًى مِنْهَا وَقْتٌ وَمَوْضِعٌ ، فَإِذَا وُضِعَ بِمَوْضِعِهِ زَالَ الْاخْتِلَافُ . وَالْعَدْوَى جِنْسَانِ : أَحَدُهُمَا: عَدْوَى الْجُذَامِ ، فَإِنَّ الْمَجْذُومَ تَشْتَدُّ رَائِحَتُهُ حَتَّى يُسْقِمَ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَتَهُ وَمُؤَاكَلَتَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ تَحْتَ الْمَجْذُومِ فَتُضَاجِعُهُ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ ، فَيُوَصِّلُ إِلَيْهَا الْأَذَى ، وَرُبَّمَا جُذِمَتْ ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ يَنْزِعُونَ فِي الْكَثِيرِ إِلَيْهِ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بِهِ سُلٌّ وَدَقٌّ وَنَقْبٌ ، وَالْأَطِبَّاءُ تَأْمُرُ بِأَنْ لَا يُجَالَسَ الْمَسْلُولُ وَلَا الْمَجْذُومُ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَعْنَى الْعَدْوَى ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ تَغَيُّرَ الرَّائِحَةِ ، وَأَنَّهَا قَدْ تُسْقِمُ مَنْ أَطَالَ اشْتِمَامَهَا ، وَالْأَطِبَّاءُ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ الْإِيْمَانِ بِيُمْنٍ أَوْ شُؤْمٍ ، وَكَذَلِكَ النُّقْبَةُ تَكُونُ بِالْبَعِيرِ ، وَهِيَ جَرَبٌ رَطْبٌ ، فَإِذَا خَالَطَهَا الْإِبِلُ وَحَاكَهَا وَأَوَى فِي مُبَارِكِهَا ، أَوْصَلَ إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ وَالنُّطَفُ ، نَحْوًا مِمَّا بِهِ . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُورِدِنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ . كَرِهَ أَنْ يُخَالِطَ الْمَعْيُوهُ الصَّحِيحَ ، فَيَنَالُهُ مِنْ نَطْفِهِ وَحِكَّتِهِ ، نَحْوٌ مِمَّا بِهِ . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُظَنَّ أَنَّ الَّذِي نَالَ إِبِلَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ فَيَأْثَمَ ، قَالَ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ لِأَنَّا نَجِدُ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ عَيَانًا . وَأَمَّا الْجِنْسُ الْآخَرُ مِنَ الْعَدْوَى فَهُوَ الطَّاعُونُ يَنْزِلُ بِبَلَدٍ ، فَيُخْرَجُ مِنْهُ خَوْفًا مِنَ الْعَدْوَى . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ : أَنَّهُ هَرَبَ مِنَ الطَّاعُونِ ، فَرَكِبَ حِمَارًا وَمَضَى بِأَهْلِهِ نَحْوَ سَفَوَانَ ، وَسَمِعَ حَادِيًا يَحْدُو خَلْفَهُ وَهُوَ يَقُولُ : لَنْ يُسْبَقَ اللَّهُ عَلَى حِمَارِ وَلَا عَلَى ذِي مَيْعَةٍ مُطَارِ أَوْ يَأْتِيَ الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ قَدْ يُصْبِحُ اللَّهُ أَمَامَ السَّارِي وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا كَانَ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ . وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تُدْخُلُوهُ . يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فِيهِ ، كَأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الْفِرَارَ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يُنْجِيكُمْ مِنَ اللَّهِ ، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ : وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوهُ أَنَّ مُقَامَكُمْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي لَا طَاعُونَ فِيهِ أَسْكَنُ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَطْيَبُ لِعَيْشِكُمْ . وَمِنْ ذَلِكَ تُعْرَفُ الْمَرْأَةُ بِالشُّؤْمِ أَوِ الدَّارُ فَيَنَالُ الرَّجُلَ مَكْرُوهٌ أَوْ جَائِحَةٌ فَيَقُولُ : أَعْدَتْنِي بِشُؤْمِهَا ، فَهَذَا هُوَ الْعَدْوَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا عَدْوَى . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . فَإِنَّ هَذَا حَدِيثٌ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْغَلَطُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَّهُ سَمِعَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَعِهِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَا : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ . فَطَارَتْ شَفَقًا ثُمَّ قَالَتْ : كَذِبَ وَالَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ ، مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ ثُمَّ قَرَأَتْ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا . وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْدَيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَّا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَزَلْنَا دَارًا فَكَثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثُرَتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا ، ثُمَّ تَحَوَّلْنَا عَنْهَا إِلَى أُخْرَى ، فَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا وَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ارْحَلُوا عَنْهَا وَذَرُوهَا وَهِيَ ذَمِيمَةٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِنَقْضٍ لِهَذَا ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِيهَا عَلَى اسْتِثْقَالٍ لِظِلِّهَا وَاسْتِيحَاشٍ بِمَا نَالَهُمْ فِيهَا ، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَرَائِزِ النَّاسِ وَتَرْكِيبِهِمُ اسْتِثْقَالَ مَا نَالَهُمُ السُّوءُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا سَبَبَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَحُبَّ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الْخَيْرُ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ ، وَبُغْضَ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الشَّرُّ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ . وَكَيْفَ يَتَطَيَّرُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَرَوْنَهَا شَيْئًا ، وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ رَجُلًا : وَلَيْسَ بِهَيَّابٍ إِذَا شَدَّ رَحْلَهُ يَقُولُ عَدَانِي الْيَوْمَ وَاقٌ وَحَاتِمٌ وَلَكِنَّهُ يَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقْدِمًا إِذَا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الْهَنَاتِ الْخُثَارِمُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْخُثَارِمُ : هُوَ الَّذِي يَتَطَيَّرُ ، الَوَاقُ الصَّرْدُ وَالْحَاتِمُ: الْغُرَابُ . وَقَالَ الْمُرَقِّشُ : وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمْ فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَا مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمْ وَكَذَاكَ لَا خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ عَلَى أَحَدٍ بِدَائِمْ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ : الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ وَالْحَسَدُ ، قِيلَ : فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ ؟ قَالَ : إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعُ ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقُ ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ أَوْ نَحْوُهَا . وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْجَبُ مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِالطِّيَرَةِ ، وَيَعِيبُهَا أَشَدَّ الْعَيْبِ . وَقَالَ فَرَقَتْ لَنَا نَاقَةٌ ، وَأَنَا بِالطَّفِّ ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهَا ، فَلَقِيَنِي هَانِئُ بْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ وَهُوَ مُسْرِعٌ يَقُولُ: وَالشَّرُّ يُلْفَى مَطَالِعَ الْأَكَمْ ثُمَّ لَقِيَنِي رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْحَيِّ فَقَالَ : وَلَئِنْ بَغَيْتَ لَنَا بُغَا ةً مَا الْبُغَاةُ بِوَاجِدِينَا ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى غُلَامٍ قَدْ وَقَعَ فِي صِغَرِهِ فِي نَارٍ فَأَحْرَقَتْهُ ، فَقَبُحَ وَجْهُهُ وَفَسَدَ ، قُلْتُ لَهُ: هَلْ ذَكَرْتَ مِنْ نَاقَةٍ فَارِقٍ ؟ قَالَ: هَاهُنَا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَعْرَابِ ، فَانْظُرْ فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ أَنْتَجَتْ فَأَخَذْتُهَا وَوَلَدَهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْفَارِقُ: الَّتِي قَدْ حَمَلَتْ فَفَارَقَتْ صَوَاحِبَهَا . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَرَّ طَائِرٌ يَصِيحُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : خَيْرٌ خَيْرٌ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ ، و كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِبُّ الْاسْمَ الْحَسَنَ ، وَالْفَأْلَ الصَّالِحَ . وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشَيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَوْنٍ عَنِ الْفَأْلِ ، فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيُسْمَعَ يَا سَالِمُ ، أَوْ يَكُونَ بَاغِيًا فَيُسْمَعُ يَا وَاجِدُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا جُعِلَ غَرَائِزَ النَّاسِ تَسْتَحِبَّهُ وَتَأْنَسُ بِهِ ، كَمَا جُعِلَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّحِيَّةِ بِالسَّلَامِ ، وَالْمَدِّ فِي الْأُمْنِيَةِ ، وَالتَّبْشِيرِ بِالْخَيْرِ ، وَكَمَا يُقَالُ : انْعَمْ وَاسْلَمْ ، وَ انْعَمْ صَبَاحًا ، وَكَمَا تَقُولُ الْفُرْسُ : عِشْ أَلْفَ نَيْرُوزٍ ، وَالسَّامِعُ لِهَذَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ، وَلَكِنْ جُعِلَ فِي الطِّبَاعِ مَحَبَّةُ الْخَيْرِ وَالْارْتِيَاحُ لِلْبُشْرَى ، وَالْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ وَالْوَجْهِ الْحَسَنِ ، وَالْاسْمِ الْخَفِيفِ . وَقَدْ يَمُرُّ الرَّجُلُ بِالرَّوْضَةِ الْمُنَوِّرَةِ فَتَسُرُّهُ وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ ، وَبِالْمَاءِ الصَّافِي فَيُعْجَبُ بِهِ وَهُوَ لَا يَشْرَبُهُ وَلَا يُورِدُهُ. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجَبُ بِالْأُتْرُجِّ ، وَيُعْجِبُهُ الْحَمَامُ الْأَحْمَرُ وَتُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ وَهِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ . وَهَذَا مِثْلُ إِعْجَابِهِ بِالْاسْمِ الْحَسَنِ وَالْفَأْلِ الْحَسَنِ ، وَعَلَى مِثْلِ هَذَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُ لِلْاسْمِ الْقَبِيحِ ، كـَ بَنِي النَّارِ وَ بَنِي حِرَاقٍ وَ بَنِي زِنْيَةٍ وَ بَنِي حَزَنٍ وَأَشْبَاهِ هَذَا .
تأويل مختلف الحديثالْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ · ص 167 قَالُوا: حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ . 10 - الْعَدْوَى وَالطِّيَرَةُ . قَالُوا : رَوَيْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ . وَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ النُّقْبَةَ تَقَعُ بِمِشَفَرِ الْبَعِيرِ فَتَجْرَبُ لِذَلِكَ الْإِبِلُ ، فَقَالَ : فَمَا أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ قَالَ: هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ . ثُمَّ رَوَيْتُمْ فِي خِلَافِ ذَلِكَ : لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ وَ فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ مَجْذُومٌ لِيُبَايِعَهُ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِالْبَيْعَةِ ، وَأَمَرَهُ بِالْانْصِرَافِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . قَالُوا : وَهَذَا كُلُّهُ مُخْتَلِفٌ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ ، وَلِكُلِّ مَعْنًى مِنْهَا وَقْتٌ وَمَوْضِعٌ ، فَإِذَا وُضِعَ بِمَوْضِعِهِ زَالَ الْاخْتِلَافُ . وَالْعَدْوَى جِنْسَانِ : أَحَدُهُمَا: عَدْوَى الْجُذَامِ ، فَإِنَّ الْمَجْذُومَ تَشْتَدُّ رَائِحَتُهُ حَتَّى يُسْقِمَ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَتَهُ وَمُؤَاكَلَتَهُ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ تَحْتَ الْمَجْذُومِ فَتُضَاجِعُهُ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ ، فَيُوَصِّلُ إِلَيْهَا الْأَذَى ، وَرُبَّمَا جُذِمَتْ ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ يَنْزِعُونَ فِي الْكَثِيرِ إِلَيْهِ . وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بِهِ سُلٌّ وَدَقٌّ وَنَقْبٌ ، وَالْأَطِبَّاءُ تَأْمُرُ بِأَنْ لَا يُجَالَسَ الْمَسْلُولُ وَلَا الْمَجْذُومُ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَعْنَى الْعَدْوَى ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ تَغَيُّرَ الرَّائِحَةِ ، وَأَنَّهَا قَدْ تُسْقِمُ مَنْ أَطَالَ اشْتِمَامَهَا ، وَالْأَطِبَّاءُ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ الْإِيْمَانِ بِيُمْنٍ أَوْ شُؤْمٍ ، وَكَذَلِكَ النُّقْبَةُ تَكُونُ بِالْبَعِيرِ ، وَهِيَ جَرَبٌ رَطْبٌ ، فَإِذَا خَالَطَهَا الْإِبِلُ وَحَاكَهَا وَأَوَى فِي مُبَارِكِهَا ، أَوْصَلَ إِلَيْهَا بِالْمَاءِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ وَالنُّطَفُ ، نَحْوًا مِمَّا بِهِ . وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُورِدِنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ . كَرِهَ أَنْ يُخَالِطَ الْمَعْيُوهُ الصَّحِيحَ ، فَيَنَالُهُ مِنْ نَطْفِهِ وَحِكَّتِهِ ، نَحْوٌ مِمَّا بِهِ . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُظَنَّ أَنَّ الَّذِي نَالَ إِبِلَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ فَيَأْثَمَ ، قَالَ : وَلَيْسَ لِهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ لِأَنَّا نَجِدُ الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ عَيَانًا . وَأَمَّا الْجِنْسُ الْآخَرُ مِنَ الْعَدْوَى فَهُوَ الطَّاعُونُ يَنْزِلُ بِبَلَدٍ ، فَيُخْرَجُ مِنْهُ خَوْفًا مِنَ الْعَدْوَى . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ : أَنَّهُ هَرَبَ مِنَ الطَّاعُونِ ، فَرَكِبَ حِمَارًا وَمَضَى بِأَهْلِهِ نَحْوَ سَفَوَانَ ، وَسَمِعَ حَادِيًا يَحْدُو خَلْفَهُ وَهُوَ يَقُولُ : لَنْ يُسْبَقَ اللَّهُ عَلَى حِمَارِ وَلَا عَلَى ذِي مَيْعَةٍ مُطَارِ أَوْ يَأْتِيَ الْحَتْفُ عَلَى مِقْدَارِ قَدْ يُصْبِحُ اللَّهُ أَمَامَ السَّارِي وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا كَانَ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ . وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تُدْخُلُوهُ . يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : لَا تَخْرُجُوا مِنَ الْبَلَدِ إِذَا كَانَ فِيهِ ، كَأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ الْفِرَارَ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى يُنْجِيكُمْ مِنَ اللَّهِ ، وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ : وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوهُ أَنَّ مُقَامَكُمْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي لَا طَاعُونَ فِيهِ أَسْكَنُ لِأَنْفُسِكُمْ وَأَطْيَبُ لِعَيْشِكُمْ . وَمِنْ ذَلِكَ تُعْرَفُ الْمَرْأَةُ بِالشُّؤْمِ أَوِ الدَّارُ فَيَنَالُ الرَّجُلَ مَكْرُوهٌ أَوْ جَائِحَةٌ فَيَقُولُ : أَعْدَتْنِي بِشُؤْمِهَا ، فَهَذَا هُوَ الْعَدْوَى الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا عَدْوَى . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ . فَإِنَّ هَذَا حَدِيثٌ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْغَلَطُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَّهُ سَمِعَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَعِهِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَا : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ . فَطَارَتْ شَفَقًا ثُمَّ قَالَتْ : كَذِبَ وَالَّذِي أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ ، مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الطِّيَرَةَ فِي الدَّابَّةِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ ثُمَّ قَرَأَتْ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا . وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْخَلِيلِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ النَّهْدَيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَّا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَزَلْنَا دَارًا فَكَثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثُرَتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا ، ثُمَّ تَحَوَّلْنَا عَنْهَا إِلَى أُخْرَى ، فَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا وَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ارْحَلُوا عَنْهَا وَذَرُوهَا وَهِيَ ذَمِيمَةٌ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَلَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِنَقْضٍ لِهَذَا ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ فِيهَا عَلَى اسْتِثْقَالٍ لِظِلِّهَا وَاسْتِيحَاشٍ بِمَا نَالَهُمْ فِيهَا ، فَأَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَرَائِزِ النَّاسِ وَتَرْكِيبِهِمُ اسْتِثْقَالَ مَا نَالَهُمُ السُّوءُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا سَبَبَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَحُبَّ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الْخَيْرُ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ ، وَبُغْضَ مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ الشَّرُّ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُمْ بِهِ . وَكَيْفَ يَتَطَيَّرُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ . وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَرَوْنَهَا شَيْئًا ، وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهَا ، قَالَ الشَّاعِرُ يَمْدَحُ رَجُلًا : وَلَيْسَ بِهَيَّابٍ إِذَا شَدَّ رَحْلَهُ يَقُولُ عَدَانِي الْيَوْمَ وَاقٌ وَحَاتِمٌ وَلَكِنَّهُ يَمْضِي عَلَى ذَاكَ مُقْدِمًا إِذَا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الْهَنَاتِ الْخُثَارِمُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْخُثَارِمُ : هُوَ الَّذِي يَتَطَيَّرُ ، الَوَاقُ الصَّرْدُ وَالْحَاتِمُ: الْغُرَابُ . وَقَالَ الْمُرَقِّشُ : وَلَقَدْ غَدَوْتُ وَكُنْتُ لَا أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِمْ فَإِذَا الْأَشَائِمُ كَالْأَيَا مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِمْ وَكَذَاكَ لَا خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ عَلَى أَحَدٍ بِدَائِمْ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ : الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ وَالْحَسَدُ ، قِيلَ : فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ ؟ قَالَ : إِذَا تَطَيَّرْتَ فَلَا تَرْجِعُ ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقُ ، وَإِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ أَوْ نَحْوُهَا . وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَعْجَبُ مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِالطِّيَرَةِ ، وَيَعِيبُهَا أَشَدَّ الْعَيْبِ . وَقَالَ فَرَقَتْ لَنَا نَاقَةٌ ، وَأَنَا بِالطَّفِّ ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهَا ، فَلَقِيَنِي هَانِئُ بْنُ عُبَيْدٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ وَهُوَ مُسْرِعٌ يَقُولُ: وَالشَّرُّ يُلْفَى مَطَالِعَ الْأَكَمْ ثُمَّ لَقِيَنِي رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْحَيِّ فَقَالَ : وَلَئِنْ بَغَيْتَ لَنَا بُغَا ةً مَا الْبُغَاةُ بِوَاجِدِينَا ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَى غُلَامٍ قَدْ وَقَعَ فِي صِغَرِهِ فِي نَارٍ فَأَحْرَقَتْهُ ، فَقَبُحَ وَجْهُهُ وَفَسَدَ ، قُلْتُ لَهُ: هَلْ ذَكَرْتَ مِنْ نَاقَةٍ فَارِقٍ ؟ قَالَ: هَاهُنَا أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَعْرَابِ ، فَانْظُرْ فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا هِيَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ أَنْتَجَتْ فَأَخَذْتُهَا وَوَلَدَهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : الْفَارِقُ: الَّتِي قَدْ حَمَلَتْ فَفَارَقَتْ صَوَاحِبَهَا . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَرَّ طَائِرٌ يَصِيحُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : خَيْرٌ خَيْرٌ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ ، و كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَحِبُّ الْاسْمَ الْحَسَنَ ، وَالْفَأْلَ الصَّالِحَ . وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشَيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَوْنٍ عَنِ الْفَأْلِ ، فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيُسْمَعَ يَا سَالِمُ ، أَوْ يَكُونَ بَاغِيًا فَيُسْمَعُ يَا وَاجِدُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا جُعِلَ غَرَائِزَ النَّاسِ تَسْتَحِبَّهُ وَتَأْنَسُ بِهِ ، كَمَا جُعِلَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ مِنَ التَّحِيَّةِ بِالسَّلَامِ ، وَالْمَدِّ فِي الْأُمْنِيَةِ ، وَالتَّبْشِيرِ بِالْخَيْرِ ، وَكَمَا يُقَالُ : انْعَمْ وَاسْلَمْ ، وَ انْعَمْ صَبَاحًا ، وَكَمَا تَقُولُ الْفُرْسُ : عِشْ أَلْفَ نَيْرُوزٍ ، وَالسَّامِعُ لِهَذَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ وَلَا يُؤَخِّرُ ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ، وَلَكِنْ جُعِلَ فِي الطِّبَاعِ مَحَبَّةُ الْخَيْرِ وَالْارْتِيَاحُ لِلْبُشْرَى ، وَالْمَنْظَرِ الْأَنِيقِ وَالْوَجْهِ الْحَسَنِ ، وَالْاسْمِ الْخَفِيفِ . وَقَدْ يَمُرُّ الرَّجُلُ بِالرَّوْضَةِ الْمُنَوِّرَةِ فَتَسُرُّهُ وَهِيَ لَا تَنْفَعُهُ ، وَبِالْمَاءِ الصَّافِي فَيُعْجَبُ بِهِ وَهُوَ لَا يَشْرَبُهُ وَلَا يُورِدُهُ. وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعْجَبُ بِالْأُتْرُجِّ ، وَيُعْجِبُهُ الْحَمَامُ الْأَحْمَرُ وَتُعْجِبُهُ الْفَاغِيَةُ وَهِيَ نَوْرُ الْحِنَّاءِ . وَهَذَا مِثْلُ إِعْجَابِهِ بِالْاسْمِ الْحَسَنِ وَالْفَأْلِ الْحَسَنِ ، وَعَلَى مِثْلِ هَذَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُ لِلْاسْمِ الْقَبِيحِ ، كـَ بَنِي النَّارِ وَ بَنِي حِرَاقٍ وَ بَنِي زِنْيَةٍ وَ بَنِي حَزَنٍ وَأَشْبَاهِ هَذَا .