501 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَلَى مَكَّةَ : هَلْ هُوَ حُرْمَتِهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، أَوْ عَلَى حُرْمَتِهِ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ وبِفِعْلٍ دُونَ فِعْلٍ ؟ قال أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حَشِيشِ مَكَّةَ ، وَفِي مَا سِوَاهُ مِمَّا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَصْدِهِ ، وَفِي إعْلَافِهِ الْإِبِلَ وَغَيْرَهَا ، فَقَالُوا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ نَحْنُ ذَاكِرُوهَا فِي هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا قَوْلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ سِوَاهَا . 3626 - كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَسْلَمِيُّ ، قال : حدثنا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قال : سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ ، قال : سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عن حَشِيشِ الْحَرَمِ ، فَقَالَ : لَا يُرْعَى وَلَا يُحْتَشُّ ، وَسَأَلْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يُرْعَى وَأَنْ يُحْتَشَّ ، وَسَأَلْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ ، فَقَالَ : سَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ عَنْهُ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يُرْعَى وَلَا يُحْتَشَّ . قال أَبُو يُوسُفَ : وَقَوْلُ عَطَاءٍ فِي هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ . وَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ هَذَا الِاخْتِلَافَ ، طَلَبْنَا الْأَوْلَى مِمَّا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ مما هُوَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ هَذِهِ . 3627 - فَوَجَدْنَا صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيَّ قَدْ حَدَّثَنَا ، قال : حدثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (ح ) وَحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ ، قال : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قال : أخبرنا حَجَّاجٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ ، عن عَطَاءٍ ، عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، أَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَأَى رَجُلًا يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَيَعْلِفُهُ بَعِيرًا لَهُ ، قال : فَقَالَ : عَلَيَّ بِالرَّجُلِ ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَمَا عَلِمْت أَنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُعَرِّفٍ ؟ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاَللَّهِ مَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّ مَعِي نِضْوًا لِي ، فَخَشِيتُ أَنْ لَا يُبَلِّغَنِي أَهْلِي ، وَمَا مَعِي زَادٌ وَلَا نَفَقَةٌ ، فَرَقَّ عَلَيْهِ بَعْدَمَا هَمَّ بِهِ ، وَأَمَرَ لَهُ بِبَعِيرٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ مُوَقِّرًا صَحِيحًا ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ ، وَقَالَ : لَا تَعُودَنَّ أَنْ تَقْطَعَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ شَيْئًا . وَقَدْ رَوَيْنَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْبَابِ مَنْعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اخْتِلَاءِ خَلَى مَكَّةَ ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الِاخْتِلَاءَ مَا أُخِذَ بِالْيَدِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ إعْلَافِهِ الْإِبِلَ عَلَى مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عن عَطَاءٍ ، وَعَلِى مَا ذَكَرْنَا عن أَبِي يُوسُفَ مِنْ مُوَافَقَتِهِ عَلَيْهِ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، لِأَنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ مُحَرَّمَةٌ فِي نَفْسِهَا ، فَجَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيهَا مِنْ رَعْيٍ لَهَا ، وَمِنْ اخْتِلَاءٍ لَهَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ ، كَمَا الصَّيْدُ الْمُحَرَّمُ فِي نَفْسِهِ حَرَامٌ فِيهِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا لِحُرْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ ، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا أَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالْحَقِّ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَاطَبَ الرَّجُلَ الَّذِي رَآهُ يَرْعَى بَعِيرَهُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ بِمَا خَاطَبَهُ بِهِ فِيمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُرْمَةِ الرَّعْيِ فِيهِ ، كَمَا دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ الِاخْتِلَاءِ مِنْهُ . وَقَدْ رَوَى قَوْمٌ حَدِيثًا فِي حُرْمَةِ الْمَدِينَةِ ، وَفِي الْمَنْعِ مِنْ الِاخْتِلَاءِ مِنْ خَلَاهَا وَفِي أَنْ لَا يُقْطَعَ شَجَرُهَا إلَّا أَنْ يَعْلِفَ الرَّجُلُ بَعِيرَهُ ، فَاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى مِثْلِهِ مِنْ شَجَرِ مَكَّةَ وَخَلَاهَا . 3628 - وَهُوَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، قال : حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، قال : حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى ، عن قَتَادَةَ ، عن أَبِي حَسَّانَ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْرَجَ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كَانَتْ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ ، فَإِذَا فِيهَا : إنَّ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ . فَاعْتَبَرْنَاهُ ، فَوَجَدْنَاهُ مُنْقَطِعَ الْإِسْنَادِ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَسَّانَ لَمْ يَلْقَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُحَدِّثُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ هُوَ مِمَّا أَخَذَهُ عن عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ وَمِنْ مِثْلِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ . وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَ مَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا يُخَالِفُهُ عن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْلَى مِنْهُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِحَضْرَةِ مَنْ سِوَاهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُخَالِفُوهُ فِيهِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ إيَّاهُ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ . ثُمَّ وَجَدْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ . 3629 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، قال : حدثنا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قال : حدثني أَبِي ، قال : حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ - ، عن الْحَجَّاجِ - يَعْنِي ابْنَ الْحَجَّاجِ الْأَحْوَلَ الْبَاهِلِيَّ - ، عن قَتَادَةَ ، عن أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَجِ ، عن الْأَشْتَرِ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي دَاوُد الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عن هُدْبَةَ . قال أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْحَجَّاجُ هَذَا ، فإمَامٌ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُودُ الرِّوَايَةِ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَسَّانَ عن الْأَشْتَرِ ، وَالْأَشْتَرُ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي أَيَّامِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَإِذَا انْتَفَى أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ عَلِيٍّ ، كَانَ بِأَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ الْأَشْتَرِ أَشَدَّ انْتِفَاءً . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّ أَبَا حَسَّانَ قَدْ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عن الْأَشْتَرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ ، فَحَقَّقَ بِذَلِكَ سَمَاعَهُ إيَّاهُ مِنْهُ ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَنَّ أَبَا حَسَّانَ رَأَى الْأَشْتَرَ فِي حَيَاةِ عَلِيٍّ ، فَحَدَّثَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عن عَلِيٍّ وَلَمْ يَرَ عَلِيًّا أَوْ رَآهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ . قال أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَجِبُ بِهِ فِي خَلَى مَكَّةَ مُسَاوَاتُهُ خَلَى الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى خِلَافَ حُكْمِ الْآخَرِ ، كَمَا حُكْمُهَما مُخْتَلِفٌ فِي حِلِّ دُخُولِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ بِلَا إحْرَامٍ ، وَحُرْمَةِ دُخُولِ حَرَمِ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ ، وَكَمَا حُكْمُهُمَا فِي قَتْلِ صَيْدِهِمَا مُخْتَلَفٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ قَتَلَ صَيْدًا فِي حَرَمِ مَكَّةَ جَزَاهُ ، وَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُ حَرَمِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُخْتَلِفًا فِيمَا ذَكَرْنَا ، لَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا أَنْ يَكُونَ مُخْتَلِفًا فِي إعْلَافِ الْإِبِلِ مِنْ شَجَرِهِمَا ، فَيَكُونُ حَرَامًا فِي شَجَرِ مَكَّةَ ، وَيَكُونُ حَلَالًا فِي شَجَرِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ ، وَاَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
مخالف
شرح مشكل الآثارص 176 شرح مشكل الآثارص 122 951 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رفعه القصاص عن العبد الذي قطع أذن عبد لغير مواليه . 6962 - حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، حدثنا محمد بن منصور الجواز ، حدثنا معاذ بن هشام ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن أبي نضرة . عن عمران بن الحصين : أن عبدا لقوم أغنياء قطع أذن عبد لقوم فقراء ، فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما قصاصا . 6963 - حدثنا يحيى بن عثمان ، حدثنا بكر بن خلف ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثنا أبي ، ثم ذكر بإسناده مثله غير أنه قال : إن عبدا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء . وفي هذا الحديث موضع من الفقه يجب أن يوقف عليه وهو ما يختلف أهل العلم فيه من جنايات العبيد بعضهم على بعض فيما دون النفس . فكانت طائفة منهم تقول : لا قود بينهم في ذلك ، منهم : أبو حنيفة وأصحابه ، ومن قولهم : إن القصاص بينهم في الأنفس . وطائفة توجب القود بينهم في ذلك كما توجبه بين الأحرار فيه . ويحتج من ذهب إلى ما ذكرناه من أهل القول الأول لقولهم ذلك : بحديث عمران بن حصين الذي قد رويناه ، ويحتجون لقولهم بإيجاب القصاص بينهم في الأنفس كما يوجبه بين الأحرار فيها . 6964 - بما حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا مسدد بن مسرهد ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن قيس بن عباد قال : انطلقت أنا والأشتر إلى علي - رضي الله عنه - فقلنا : هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا لم يعهده إلى الناس؟ قال : لا ، إلا ما في كتابه هذا ، فأخرج كتابا من قراب سيفه ، فإذا فيه : المؤمنون تكافؤ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم ، لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده ، ومن أحدث حدثا فعلى نفسه ، ومن أحدث حدثا ، أو آوى محدثا ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكافؤ دماء المسلمين ، وإخباره أنه يسعى بذمتهم أدناهم - وهو العبد - وفي ذلك ما قد دل أن دماء العبيد تكافئ دماء الأحرار من المسلمين ، وفي ذلك ، وجوب القود بين العبيد والأحرار ، ففيما بينهم أوجب . وكان تصحيح هذا الحديث ، وحديث عمران بن الحصين الذي ذكرنا أولى بأهل العلم ، فيما يحملون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصحيحها ، ويكون ما يوجبه كل واحد منهما إلى الوجه الذي أريد به من غير رفع منهم بعضا ببعض ، فوجب بذلك قول من ذهب في العبيد إلى القصاص بينهم في الأنفس ، وإلى تركه بينهم فيما دونها ، وكان ذلك عندنا - والله أعلم - على أن الأنفس لم يرد فيها الرجوع إلى القيم ، وجعلت مكافئة بعضها لبعض ، وعلى أن ما دون الأنفس رد إلى المساواة وإلى تكافؤ القيم فيه من ذوي القيم ، وهو العبيد ، فكانت القيم غير مدرك حقائقها ، بل إلى ما يرجع منها إلى الحزر ، والظن الذي لا حقيقة معه ، والذي قد يقع فيه الاختلاف بين المقومين له فيقومه بعضهم بشيء ، ويقومه غيره منهم بخلافه ، ولما كان ذلك كذلك رفع القصاص بين العبيد فيما دون الأنفس ، فإذا ارتفع عنهم في ذلك كان ارتفاعه فيما بينهم وبين الأحرار أولى ، وما سوى ذلك مما لا يراد فيه رجوع إلى قيمة إنما يراد فيه أخذ النفس بالنفس تستوي فيه أنفس الأحرار ، وأنفس العبيد ، فيكون القصاص في ذلك بينهم جميعا لا يختلفون فيه . فقال قائل : وجدتم هذا القول عند أحد من أهل العلم ممن هو أعلى ممن ذكرتم من أبي حنيفة وأصحابه ؟ قيل له : قد وجدنا ذلك عمن تقدمهم ، وهو عبد الله بن مسعود . كما 6965 - حدثنا سليمان بن شعيب الكيساني ، حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، حدثنا زهير بن معاوية ، عن الحسن بن الحر ، عن الحكم : أن العبد لا يقاد من العبد في الجراح العمد ، ولا في الخطأ ، فعقل المجروح على قدر ثمنه على أهل الجارح حتى يخير مولى الجارح ، فإن شاء فدى عبده ، وإن شاء سلمه برمته ، فذكر ذلك الحكم عن إبراهيم ، والشعبي ، عن عبد الله بن مسعود . وذلك أنه جعله مالا ، فدل ذلك أن مذهب عبد الله كان أن ما دون النفس من العبيد يرد إلى المال الذي يراد فيه التكافؤ في القيم ، وأنهم في الأنفس كمن سواهم من الأحرار ، ولا يرجع في ذلك إلى قيمة ، ولا إلى ما سواها . فإن قال قائل : فإبراهيم والشعبي لم يلقيا عبد الله ؟ كان جوابنا له في ذلك : أن إبراهيم قد روينا عنه فيما تقدم من كتابنا هذا أنه قال للأعمش لما قال له : إذا حدثتني فأسند ، فقال له : إذا قلت : قال عبد الله فلم أقل ذلك حتى حدثنيه جماعة عنه ، وإذا قلت : حدثني فلان ، عن عبد الله ، فهو الذي حدثني ، فأخبر إبراهيم بذلك بأن ما لا يذكر فيه من بينه وبين عبد الله أقوى مما يذكره عن رجل بعينه عن عبد الله ، والله أعلم .