5 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي نَهْيِهِ أَبَا ذَرٍّ أَنْ يَتَوَلَّى قَضَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْ يُؤْوِيَ أَمَانَةً . 46 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى ( ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ سِتَّةَ أَيَّامٍ : اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا أَقُولُ لَك ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ ، قَالَ : أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ ، وَإِذَا أَسَأْت ؛ فَأَحْسِنْ ، وَلَا تَسَلْنَ أَحَدًا ، وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ ، وَلَا تُؤْوِيَنَّ أَمَانَةً ، وَلَا تُؤْوِيَنَّ يَتِيمًا ، وَلَا تَقْضِيَنَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهْيُهُ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْقَضَاءِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ عَلَى عَمَلٍ مَكْرُوهٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي مَعْنًى يُنْقِصُ بِهِ رُتْبَتَهُ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ ، بَلْ مَا أَدْخَلَهُ إلَّا فِي مَعْنًى يَكُونُ زَائِدًا فِي رُتْبَتِهِ ، وَفِي مَعْنًى يَكُونُ سَبَبًا لِمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى . وَرُوِيَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ إلَى عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ لَمَّا بَعَثَهُ عَلَى مَا وَلَّاهُ عَلَيْهِ ، مِنْهُ . 47 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبَشِيٍّ ( عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك تَبْعَثُنِي إلَى قَوْمٍ شُيُوخٍ ذَوِي سِنٍّ ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أُصِيبَ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّه يُثَبِّتُ لِسَانَكَ ، وَيَهْدِي قَلْبَكَ ) . 48 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، وَزَائِدَةُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ حَنَشٍ - وَهُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إذَا تَقَاضَى إلَيْكَ الرَّجُلَانِ ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ الْآخَرُ ، فَإِنَّك إذَا سَمِعْتَ ذَلِكَ عَرَفْتَ كَيْفَ تَقْضِي ) ، قَالَ عَلِيٌّ : فَمَا زِلْت قَاضِيًا بَعْدُ . وَزَادَ سُلَيْمَانُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِعَلِيٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( إنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُ لِسَانَكَ ، وَيَهْدِي قَلْبَكَ ) . 49 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ ، حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ ( عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْت : إنَّك بَعَثْتَنِي إلَى قَوْمٍ أَسَنَّ مِنِّي ، فَكَيْفَ أَقْضِي ؟ قَالَ : اذْهَبْ فَإِنَّ اللَّهَ يَهْدِي قَلْبَكَ ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ ) . 50 - وَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ حَنَشٍ قَالَ : ( قَالَ عَلِيٌّ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ ، فَقُلْت : بَعَثْتَنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هَادِي قَلْبَكَ وَلِسَانَكَ ، فَإِذَا جَلَسَ إلَيْكَ الْخَصْمَانِ ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ ، قَالَ : فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاسْتَحَالَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ عَلِيًّا إلَّا فِيمَا زَادَ فِي رُتْبَتِهِ ، وَفِي جَلَالَةِ مِقْدَارِهِ ، وَفِيمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى . وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي تَوْكِيدِ مَا ذَكَرْنَا : . 51 - مَا حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَبَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ ، وَاجْتَهَدَ ، ثُمَّ أَصَابَ ، فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ ، وَاجْتَهَدَ ، ثُمَّ أَخْطَأَ ، فَلَهُ أَجْرٌ ) ، قَالَ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ ، فَقَالَ : هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 52 - وَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، وَفَهْدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 53 - وَمَا قَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ - يَعْنِي الْكَوْسَجَ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 54 - وَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنِي شَرِيكٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : ( الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : فَقَاضِيَانِ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ : قَاضٍ تَرَكَ الْحَقَّ وَهُوَ يَعْلَمُ ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ ، فَهَذَانِ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ) . 55 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ ، قَالَ : لَوْلَا حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : ( الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : اثْنَانِ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ : رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ ، وَقَضَى بِهِ ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ ، وَجَارَ فِي الْحُكْمِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ) . [ لَقُلْنَا : إنَّ الْقَاضِيَ إذَا اجْتَهَدَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَفَلَا تَرَى مَا فِي الْقَضَاءِ مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِلْجَنَّةِ ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَلَالَةِ مِقْدَارِهِ ، وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَمْنَعْ أَبَا ذَرٍّ مِنْهُ لِلْقَضَاءِ بِعَيْنِهِ ، وَلَكِنْ لِمَعْنًى سِوَاهُ . فَالْتَمَسْنَا ذَلِكَ الْمَعْنَى مَا هُوَ ؟ . 56 - فَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ ، وَعَلِيَّ بْنَ شَيْبَةَ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُنْقِذٍ الْعُصْفُرِيَّ ، وَمُوسَى بْنَ النُّعْمَانَ الْمَكِّيَّ قَدْ حَدَّثُونَا عَنْ الْمُقْرِئ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيَشَانِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَبَا ذَرٍّ ، إنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ، وَإِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا ، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَلَا تَلينَّ مَالَ يَتِيمٍ ) . فَوَقَفْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّهُ لِمَعْنًى فِيهِ نَقَصَ بِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْقَضَاءِ مِمَّا كَانَ ضِدَّهُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِمَّا اسْتَحَقَّ بِهِ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ . 57 - وَوَجَدْنَا يُوسُفَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ كَامِلٍ الْقُرَشِيِّ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : ( قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي ؟ قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إنَّكَ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) . فَوَقَفْنَا بِهَذَا أَيْضًا أَنَّهَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَبِي ذَرٍّ مَا كَرِهَهُ لَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . وَوَقَفْنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ : ( إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) ، أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ لَحِقَهُ فِي ذَلِكَ نَهْيٌ ، وَلَا لَحِقَتْهُ فِيهِ كَرَاهَةٌ ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِذَلِكَ إنَّمَا تَلْحَقُ الْمُتَعَرِّضِينَ لَهُ ، الطَّالِبِينَ لِوِلَايَتِهِ . وَمِمَّا قَدْ رُوِيَ فِي تَوْكِيدِ هَذَا الْمَعْنَى : . 58 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ - عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ ، فَخَطَبَا ، ثُمَّ تَعَرَّضَا لِلْعَمَلِ ، فَقَالَ : « إنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدِي مَنْ طَلَبَهُ ، فَعَلَيْكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى » . 59 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُوفِيُّ أَبُو الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ؛ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا » . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِيمَا قَدْ ذَكَرْت مَا قَدْ وَضَحَ بِهِ جَمِيعُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِيهِ نَهْيُهُ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا بَعْدَهُ مِمَّا فِيهِ نَفْيُ ذَلِكَ النَّهْيِ عَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ بِهِ الْقُوَّةُ عَلَى مَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ ذَلِكَ . فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ مَعَانِيَهُ قَدْ اتَّضَحَتْ مُلْتَئِمَةً بَاينَةً لِمُعَايِنِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
أصل
شرح مشكل الآثارص 39 شرح مشكل الآثارص 39 5 - بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي نَهْيِهِ أَبَا ذَرٍّ أَنْ يَتَوَلَّى قَضَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْ يُؤْوِيَ أَمَانَةً . 46 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ دَرَّاجًا أَبَا السَّمْحِ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى ( ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ سِتَّةَ أَيَّامٍ : اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا أَقُولُ لَك ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ ، قَالَ : أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ ، وَإِذَا أَسَأْت ؛ فَأَحْسِنْ ، وَلَا تَسَلْنَ أَحَدًا ، وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ ، وَلَا تُؤْوِيَنَّ أَمَانَةً ، وَلَا تُؤْوِيَنَّ يَتِيمًا ، وَلَا تَقْضِيَنَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ ) . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهْيُهُ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْقَضَاءِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ عَلَى عَمَلٍ مَكْرُوهٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي مَعْنًى يُنْقِصُ بِهِ رُتْبَتَهُ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ ، بَلْ مَا أَدْخَلَهُ إلَّا فِي مَعْنًى يَكُونُ زَائِدًا فِي رُتْبَتِهِ ، وَفِي مَعْنًى يَكُونُ سَبَبًا لِمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى . وَرُوِيَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ إلَى عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ لَمَّا بَعَثَهُ عَلَى مَا وَلَّاهُ عَلَيْهِ ، مِنْهُ . 47 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبَشِيٍّ ( عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك تَبْعَثُنِي إلَى قَوْمٍ شُيُوخٍ ذَوِي سِنٍّ ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أُصِيبَ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّه يُثَبِّتُ لِسَانَكَ ، وَيَهْدِي قَلْبَكَ ) . 48 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، وَزَائِدَةُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُعَاذٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ حَنَشٍ - وَهُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ - عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إذَا تَقَاضَى إلَيْكَ الرَّجُلَانِ ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ الْآخَرُ ، فَإِنَّك إذَا سَمِعْتَ ذَلِكَ عَرَفْتَ كَيْفَ تَقْضِي ) ، قَالَ عَلِيٌّ : فَمَا زِلْت قَاضِيًا بَعْدُ . وَزَادَ سُلَيْمَانُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِعَلِيٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : ( إنَّ اللَّهَ يُثَبِّتُ لِسَانَكَ ، وَيَهْدِي قَلْبَكَ ) . 49 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ ، حَدَّثَنَا إسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ ( عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، فَقُلْت : إنَّك بَعَثْتَنِي إلَى قَوْمٍ أَسَنَّ مِنِّي ، فَكَيْفَ أَقْضِي ؟ قَالَ : اذْهَبْ فَإِنَّ اللَّهَ يَهْدِي قَلْبَكَ ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ ) . 50 - وَمَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ حَنَشٍ قَالَ : ( قَالَ عَلِيٌّ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ ، فَقُلْت : بَعَثْتَنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هَادِي قَلْبَكَ وَلِسَانَكَ ، فَإِذَا جَلَسَ إلَيْكَ الْخَصْمَانِ ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ ، قَالَ : فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ ) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَاسْتَحَالَ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَدْخَلَ عَلِيًّا إلَّا فِيمَا زَادَ فِي رُتْبَتِهِ ، وَفِي جَلَالَةِ مِقْدَارِهِ ، وَفِيمَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ تَعَالَى . وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي تَوْكِيدِ مَا ذَكَرْنَا : . 51 - مَا حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَبَكْرُ بْنُ إدْرِيسَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ ، وَاجْتَهَدَ ، ثُمَّ أَصَابَ ، فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ ، وَاجْتَهَدَ ، ثُمَّ أَخْطَأَ ، فَلَهُ أَجْرٌ ) ، قَالَ : فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ ، فَقَالَ : هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . 52 - وَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، وَفَهْدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . 53 - وَمَا قَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ - يَعْنِي الْكَوْسَجَ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلَهُ . 54 - وَمَا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنِي شَرِيكٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : ( الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : فَقَاضِيَانِ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ : قَاضٍ تَرَكَ الْحَقَّ وَهُوَ يَعْلَمُ ، وَقَاضٍ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ ، فَهَذَانِ فِي النَّارِ ، وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ) . 55 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُد ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هَاشِمٍ ، قَالَ : لَوْلَا حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : ( الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : اثْنَانِ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ : رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ ، وَقَضَى بِهِ ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ ، وَجَارَ فِي الْحُكْمِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ) . [ لَقُلْنَا : إنَّ الْقَاضِيَ إذَا اجْتَهَدَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَفَلَا تَرَى مَا فِي الْقَضَاءِ مِمَّا يَكُونُ سَبَبًا لِلْجَنَّةِ ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَلَالَةِ مِقْدَارِهِ ، وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَمْنَعْ أَبَا ذَرٍّ مِنْهُ لِلْقَضَاءِ بِعَيْنِهِ ، وَلَكِنْ لِمَعْنًى سِوَاهُ . فَالْتَمَسْنَا ذَلِكَ الْمَعْنَى مَا هُوَ ؟ . 56 - فَوَجَدْنَا يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ ، وَعَلِيَّ بْنَ شَيْبَةَ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُنْقِذٍ الْعُصْفُرِيَّ ، وَمُوسَى بْنَ النُّعْمَانَ الْمَكِّيَّ قَدْ حَدَّثُونَا عَنْ الْمُقْرِئ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ حَدَّثَنِي ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيَشَانِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا أَبَا ذَرٍّ ، إنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ، وَإِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا ، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَلَا تَلينَّ مَالَ يَتِيمٍ ) . فَوَقَفْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّهُ لِمَعْنًى فِيهِ نَقَصَ بِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْقَضَاءِ مِمَّا كَانَ ضِدَّهُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِمَّا اسْتَحَقَّ بِهِ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ . 57 - وَوَجَدْنَا يُوسُفَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ كَامِلٍ الْقُرَشِيِّ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ ابْنِ حُجَيْرَةَ الْأَكْبَرِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : ( قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي ؟ قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إنَّكَ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) . فَوَقَفْنَا بِهَذَا أَيْضًا أَنَّهَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَبِي ذَرٍّ مَا كَرِهَهُ لَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . وَوَقَفْنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ : ( إلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) ، أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ لَحِقَهُ فِي ذَلِكَ نَهْيٌ ، وَلَا لَحِقَتْهُ فِيهِ كَرَاهَةٌ ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِذَلِكَ إنَّمَا تَلْحَقُ الْمُتَعَرِّضِينَ لَهُ ، الطَّالِبِينَ لِوِلَايَتِهِ . وَمِمَّا قَدْ رُوِيَ فِي تَوْكِيدِ هَذَا الْمَعْنَى : . 58 - مَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ إسْمَاعِيلَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ - عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ ، فَخَطَبَا ، ثُمَّ تَعَرَّضَا لِلْعَمَلِ ، فَقَالَ : « إنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدِي مَنْ طَلَبَهُ ، فَعَلَيْكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى » . 59 - وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُوفِيُّ أَبُو الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ؛ فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا » . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِيمَا قَدْ ذَكَرْت مَا قَدْ وَضَحَ بِهِ جَمِيعُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِيهِ نَهْيُهُ أَبَا ذَرٍّ عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا بَعْدَهُ مِمَّا فِيهِ نَفْيُ ذَلِكَ النَّهْيِ عَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ بِهِ الْقُوَّةُ عَلَى مَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ ذَلِكَ . فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنْ لَا تَضَادَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ مَعَانِيَهُ قَدْ اتَّضَحَتْ مُلْتَئِمَةً بَاينَةً لِمُعَايِنِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ . وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
شرح مشكل الآثارص 209 568 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القضاة من منهم في النار ، ومن منهم في الجنة ؟ قال أبو جعفر : قد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا في بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لأبي ذر : لا تقضين بين اثنين . أسانيد هذه الآثار ، فغنينا بذلك عن إعادتها في هذا الباب ، فأما متونها ، فهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ، فأما الذي في الجنة ، فرجل عرف الحق ، فقضى به ، فهو في الجنة ، ورجل عرف الحق فلم يقض به ، وجار في الحكم ، فهو في النار ، ورجل لم يعرف الحق ، فقضى للناس على جهل ، فهو في النار . فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا فيه أن القاضي الذي في الجنة هو القاضي بالحق ، فقال قائل : القاضي بالحق هو الذي قد وقف على الحكم عند الله فيما قضى به ، وفي ذلك ما ينفي استعمال الاجتهاد الذي قد يكون معه إصابة ذلك ، وقد يكون معه التقصير عنه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه : أن الأمر في ذلك بخلاف ما ذكر ؛ لأن الله عز وجل لم يكلفنا ما لا نطيق ، وقد أنبأنا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في حديثي عمرو بن العاص وأبي هريرة اللذين ذكرناهما في ذلك الباب ما للقاضي من الأجر إذا أصاب الحق باجتهاده ، وما له من الأجر إذا أخطأه بعد اجتهاده ، فكان في ذلك ما قد دل على انه يجتهد فيما لم يجده في كتاب الله منصوصا ، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مأثورا ، ولا في إجماع الأمة عليه موقوفا ، ولما كان له أن يقضي باجتهاده الذي قد يكون معه فيه إصابة الحق عند الله عز وجل ، وقد يكون معه التقصير عن ذلك ، وكان ما يقضي به بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه بالقضاء به حقا ، عقلنا بذلك أن الحق الذي القاضي به في الجنة هو ذلك الحق حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد ، وقد وجدنا مثل ذلك قد كان من نبيين من أنبياء الله صلى الله عليهما وسلم ، وهما داود وسليمان ، فحكما في الحرث ، فاختلفا ، فقال الله فيهما : ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما . وكان في ذلك ما قد دل أنهما قد حكما باجتهاد آرائهما من غير أن ينزل الله عليهما ما يحكمان به ، فدل ذلك أن كذلك الحكام سواهما . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سليمان سأل ربه أن يؤتيه حكما يصادف حكمه ، فأعطاه إياه ، وقد علمنا أنه كان قبل سؤاله إياه ذلك إليه الحكم بحق النبوة ، فدل ذلك أنه قد كان يجوز أن يحكم حكما يخالف حكمه ، ولولا أن ذلك كان كذلك ، لما كان لسؤاله الله ذلك معنى ؛ إذ كان قد آتاه إياه قبل ذلك . 4121 - حدثنا بذلك الربيع المرادي ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني ربيعة بن يزيد ، عن عبد الله ابن الديلمي ، قال : دخلت على عبد الله بن عمرو بالطائف فسمعته يقول : سمعنا - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول : إن سليمان عليه السلام سأل ربه أن يعطيه حكما يصادف حكمه ، فأعطاه إياه . 4122 - حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا أبو مسهر ، قال : سمعت سعيد بن عبد العزيز يحدث عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن ابن الديلمي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله ، إلا أنه قال مكان فأعطاه : فآتاه . وقد كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم حمده لمعاذ بن جبل لما سأله عما يقضي به ، حين بعثه قاضيا إلى اليمن على هذا المعنى . 4123 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى . وكما حدثنا محمد بن جعفر بن أعين ، قال : حدثنا عاصم بن علي بن عاصم ، قالا : حدثنا شعبة بن الحجاج ، عن أبي عون الثقفي ، عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة ، عن رجال من أهل حمص من أصحاب معاذ ، عن معاذ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله عز وجل . قال : فإن لم يكن في كتاب الله عز وجل ؟ قلت : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال : أجتهد رأيي ولا آلو . قال : فضرب صدري بيده ، وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله . قال : ثم كذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده في هذا المعنى . 4124 - كما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا شريك ، عن الشيباني أبي إسحاق ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب بقضية إلى عامل له فكتب الكاتب : هذا ما أرى الله عمر ، فقال : امحه ، واكتب : هذا ما رأى عمر ، فإن يكن صوابا فمن الله عز وجل ، وإن يكن خطأ فمن عمر . ومثل ذلك ما كان من عبد الله بن مسعود ، لما سئل عن الرجل الذي تزوج امرأة ، فلم يدخل بها ، ولم يسم لها صداقا حتى توفي : أقول فيها برأيي ، فإن يكن خطأ فمن قبلي ، وإن يكن صوابا فمن الله عز وجل . وسنذكر ذلك بأسانيده في موضعه فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله . وفي ذلك ما قد دل على أن مذهبهما رضوان الله عليهما كان في هذا المعنى ، كما صححنا عليه هذه الآثار في هذا الباب ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 209 568 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القضاة من منهم في النار ، ومن منهم في الجنة ؟ قال أبو جعفر : قد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا في بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لأبي ذر : لا تقضين بين اثنين . أسانيد هذه الآثار ، فغنينا بذلك عن إعادتها في هذا الباب ، فأما متونها ، فهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ، فأما الذي في الجنة ، فرجل عرف الحق ، فقضى به ، فهو في الجنة ، ورجل عرف الحق فلم يقض به ، وجار في الحكم ، فهو في النار ، ورجل لم يعرف الحق ، فقضى للناس على جهل ، فهو في النار . فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا فيه أن القاضي الذي في الجنة هو القاضي بالحق ، فقال قائل : القاضي بالحق هو الذي قد وقف على الحكم عند الله فيما قضى به ، وفي ذلك ما ينفي استعمال الاجتهاد الذي قد يكون معه إصابة ذلك ، وقد يكون معه التقصير عنه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه : أن الأمر في ذلك بخلاف ما ذكر ؛ لأن الله عز وجل لم يكلفنا ما لا نطيق ، وقد أنبأنا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في حديثي عمرو بن العاص وأبي هريرة اللذين ذكرناهما في ذلك الباب ما للقاضي من الأجر إذا أصاب الحق باجتهاده ، وما له من الأجر إذا أخطأه بعد اجتهاده ، فكان في ذلك ما قد دل على انه يجتهد فيما لم يجده في كتاب الله منصوصا ، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مأثورا ، ولا في إجماع الأمة عليه موقوفا ، ولما كان له أن يقضي باجتهاده الذي قد يكون معه فيه إصابة الحق عند الله عز وجل ، وقد يكون معه التقصير عن ذلك ، وكان ما يقضي به بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه بالقضاء به حقا ، عقلنا بذلك أن الحق الذي القاضي به في الجنة هو ذلك الحق حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد ، وقد وجدنا مثل ذلك قد كان من نبيين من أنبياء الله صلى الله عليهما وسلم ، وهما داود وسليمان ، فحكما في الحرث ، فاختلفا ، فقال الله فيهما : ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما . وكان في ذلك ما قد دل أنهما قد حكما باجتهاد آرائهما من غير أن ينزل الله عليهما ما يحكمان به ، فدل ذلك أن كذلك الحكام سواهما . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سليمان سأل ربه أن يؤتيه حكما يصادف حكمه ، فأعطاه إياه ، وقد علمنا أنه كان قبل سؤاله إياه ذلك إليه الحكم بحق النبوة ، فدل ذلك أنه قد كان يجوز أن يحكم حكما يخالف حكمه ، ولولا أن ذلك كان كذلك ، لما كان لسؤاله الله ذلك معنى ؛ إذ كان قد آتاه إياه قبل ذلك . 4121 - حدثنا بذلك الربيع المرادي ، قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني ربيعة بن يزيد ، عن عبد الله ابن الديلمي ، قال : دخلت على عبد الله بن عمرو بالطائف فسمعته يقول : سمعنا - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول : إن سليمان عليه السلام سأل ربه أن يعطيه حكما يصادف حكمه ، فأعطاه إياه . 4122 - حدثنا ابن أبي داود ، قال : حدثنا أبو مسهر ، قال : سمعت سعيد بن عبد العزيز يحدث عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن ابن الديلمي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر مثله ، إلا أنه قال مكان فأعطاه : فآتاه . وقد كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم حمده لمعاذ بن جبل لما سأله عما يقضي به ، حين بعثه قاضيا إلى اليمن على هذا المعنى . 4123 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى . وكما حدثنا محمد بن جعفر بن أعين ، قال : حدثنا عاصم بن علي بن عاصم ، قالا : حدثنا شعبة بن الحجاج ، عن أبي عون الثقفي ، عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة ، عن رجال من أهل حمص من أصحاب معاذ ، عن معاذ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله عز وجل . قال : فإن لم يكن في كتاب الله عز وجل ؟ قلت : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال : أجتهد رأيي ولا آلو . قال : فضرب صدري بيده ، وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله . قال : ثم كذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده في هذا المعنى . 4124 - كما حدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يوسف بن عدي ، قال : حدثنا شريك ، عن الشيباني أبي إسحاق ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب بقضية إلى عامل له فكتب الكاتب : هذا ما أرى الله عمر ، فقال : امحه ، واكتب : هذا ما رأى عمر ، فإن يكن صوابا فمن الله عز وجل ، وإن يكن خطأ فمن عمر . ومثل ذلك ما كان من عبد الله بن مسعود ، لما سئل عن الرجل الذي تزوج امرأة ، فلم يدخل بها ، ولم يسم لها صداقا حتى توفي : أقول فيها برأيي ، فإن يكن خطأ فمن قبلي ، وإن يكن صوابا فمن الله عز وجل . وسنذكر ذلك بأسانيده في موضعه فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله . وفي ذلك ما قد دل على أن مذهبهما رضوان الله عليهما كان في هذا المعنى ، كما صححنا عليه هذه الآثار في هذا الباب ، والله نسأله التوفيق .