باب الجهر وتركه ( ح 090 ) قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، أنا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، أنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ، حدثنا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِمَكَّةَ ، قَالَ : وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَدْعُونَ مُسَيْلِمَةَ : الرَّحْمَنَ ، قَالُوا : إِنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إِلَى إِلَهِ الْيَمَامَةِ ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْفَاهَا ، فَمَا جَهَرَ بِهَا حَتَّى مَاتَ . هَذَا مُرْسَلٌ ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ عَنْ سَالِمٍ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ : فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْجَهْرِ بِهَا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَعَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ . وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالُوا : لَا يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَلَكِنْ يَقْرَؤُهَا الْإِمَامُ سِرًّا ، رُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَكْثَرُ أَهل الْحَدِيثِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَقْرَأُ بِهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيُّ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ : إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ اسْتَفْتَحَ السُّورَةَ بِـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَلَا يَسْتَفْتِحُ بِهَا فِي أُمِّ الْقُرْآنِ . ثُمَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِسْرَارِ اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ الدِّلَالَةِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا ذَهَبْنَا إِلَى الْإِخْفَاتِ لِلْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْبَابِ ؛ إِذْ أَكْثَرُهَا نُصُوصٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَلَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ ، وَلَمْ يُقِرَّ هَؤُلَاءِ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ ، بَلْ قَالُوا : لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْفِتُ مُنذْ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ إِلَى أَنْ قُبِضَ . وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ : بِأَنَّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُعَارِضًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : أَحَادِيثُ الْإِسْرَارِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ؛ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : ثُبُوتُهَا وَصِحَّةُ سَنَدِهَا ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ لَا تُوَازِيهَا فِي الصِّحَّةِ وَالثُّبُوتِ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا وَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ ؛ لِلْمُرْسَلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَقَالُوا : يُشِيدُ هَذَا الْمُرْسَلَ فِعْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِأَوَاخِرِ الْأُمُورِ . وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَهْرِ فَقَالَ : لَا سَبِيلَ إِلَى إِنْكَارِ وُرُودِ الأَحَادِيثِ فِي الْجَانِبَيْنِ ، وَكُتُبُ السُّنَنِ وَالْمسَانِيدِ نَاطِقَةٌ بِذَلِكَ ، ثُمَّ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ أحاديث الْجَهْرِ آثَارُ الصَّحَابَةِ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ كَانَ يَرَى الْجَهْرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مِنْ أَحْدَاثِهِمْ وَذَوِي أَسْنَانِهِمْ ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى عَصْرِ الْأَئِمَّةِ ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ الْجَهْرَ . وَأَمَّا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ لَا نَقُولُ بِهِ ، ثُمَّ هُوَ يُعَارِضُهُ : ( ح 091 ) مَا أَخبرنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بَنِيمَانَ بْنِ يُوسُفَ الْأَدِيبُ ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ ، أَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حدثنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَزَّازُ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَنْبَسَةَ بْنِ عَمْرٍو الْكُوفِيُّ ، حدثنَا عُمَرُ بْنُ حفص الْمَكِّيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يَجْهَرُ فِي السُّورَتَيْنِ بِـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَتَّى قُبِضَ . وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنْ يُقَالَ : أَمَّا ادِّعَاءُ النَّسْخِ فِي كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ مُتَعَذَّرٌ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ النَّاسِخِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى الْمَنْسُوخِ ؛ مِنْ حَيْثُ الثُّبُوتِ وَالصِّحَّةِ ، فقَدْ فُقِدَ هَاهُنَا ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَوْلِ بِهِ . وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْإِخْفَاتِ فَهِيَ أَمْتَنُ ، غَيْرَ أَنَّ هُنَاكَ دَقِيقَةً ، وَذَلِكَ : أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَأْثُورَةً عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهَا لَمْ تَسْلَمْ مِنْ شَوَائِبِ الْجَرْحِ ، كَمَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ . وَالِاعْتِمَادُ فِي الْبَابِ عَلَى رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا أَصَحُّ وَأَشْهَرُ . ثُمَّ الرِّوَايَةُ قَدِ اخْتَلَفَتْ عَنْ أَنَسٍ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : ( ح 092 ) رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَنَسٍ . ( ح 092 ) رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ، وَيَحْيَى بْنُ السَّكَنِ ، وَأَبُو عَمْرٍ الْحَوْضِيُّ ، وَعُمَرو بْنُ مَرْزُوقٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَامَّةُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، ومِنْهُمْ : هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَحُمَيْدٌ ، وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَهَمَّامٌ ، وَاخْتَلَفَ عَنْهُمَا فِي لَفْظِهِ ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ . وَقَدِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ لِسَلَامَتِهَا عَنْ الِاضْطِرَابِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَأونَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ السُّورَةِ ، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَأونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : ( ح 093 ) رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كَذَلِكَ رَوَاهُ : مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، وَقُرَادٌ أَبُو نُوحٍ ، وَآدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، وَأَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُزْرِفِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَأَكْثَرُهُمُ اضْطَرَبُوا فِيهِ ، وَكَذَلِكَ امْتَنَعَ الْبُخَارِيُّ مِنْ إِخْرَاجِهِ ، وَهُوَ مِنْ مَفَارِيدِ مُسْلِمٍ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : ( ح 094 ) مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : كَانَتْ مَدًّا ، ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ، وَيَمُدُّ بِـالرَّحْمَنِ ، وَيَمُدُّ بِـالرَّحِيمِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْجَهْرِ مُطْلَقًا ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ ، فَيَتَنَاوَلُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَ الصَّلَاةِ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : ( ح 095 ) رُوِيَ عَنْهُ : مَا قَرَأْتُهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخِرَقِيِّ ، وَقُلْتُ لَهُ : أَخْبَرَكَ بِهِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِئُ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَفْتِحُ بِـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، أَوْ بِـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ فَقَالَ : إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ ، وَمَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ ، قُلْتُ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ مُخَرَّجَةٌ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا تَرَى ، وَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ وُقُوعَ الِاخْتِلَافِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الضَّبْطِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْجِهَاتِ وَالْأَوْقَاتِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ . وَدَلِيلُهُ الشَّاهِدُ : إِذْ رُبَّ شَخْصٍ يَتَغَافَلُ عَنْ أَمْرٍ هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ حَتَّى لَا يُبَالِيَ بِهِ بَالًا ، لِعَدَمِ مَا يُعَارِضُهُ ، وَيَتَنَبَّهُ لِأَمْرٍ هُوَ مِنْ تَوَابِعِهِ ، بَلْ هو دُونَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَفْتُرُ عَنْ ذِكْرِهِ لِوُجُودِ مَا يُنَاقِضُهُ ، وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ . وَمِنْ أَظْرَفِ مَا شَهدْتُ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَنِّي حَضَرْتُ جَامِعًا فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ بَعْضِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ حَضَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ وَالْعِلْمِ ، وَهُمْ مِنَ الْمُوَاظِبِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْجَامِعِ ، وَالْمُنْصِتِينَ لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ حَالِ إِمَامِهِمْ فِي الْجَهْرِ والْإِخْفَاتِ ، وَكَانَ صَيِّتًا يَمْلَأُ الْجَامِعَ صَوْتُهُ ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجْهَرُ . وَقَالَ آخَرُونَ : يُخْفِتُ ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْبَاقُونَ . وَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ هَذَا أَمْرٌ مُتَّسِعٌ ، وَالْقَوْلُ بِالْحَصْرِ فِيهِ مُمْتَنِعٌ ، وَكُلُّ مَنْ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى رِوَايَةٍ فَهُوَ مُصِيبٌ مُتَمَسِّكٌ بِالسُّنَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
أصل
الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابُ الْجَهْرِ وَتَرْكِهِ · ص 332 الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابُ الْجَهْرِ وَتَرْكِهِ · ص 332 باب الجهر وتركه ( ح 090 ) قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، أنا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، أنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ، حدثنا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِمَكَّةَ ، قَالَ : وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَدْعُونَ مُسَيْلِمَةَ : الرَّحْمَنَ ، قَالُوا : إِنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إِلَى إِلَهِ الْيَمَامَةِ ، فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْفَاهَا ، فَمَا جَهَرَ بِهَا حَتَّى مَاتَ . هَذَا مُرْسَلٌ ، وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ عَنْ سَالِمٍ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ : فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْجَهْرِ بِهَا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَعَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ . وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالُوا : لَا يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَلَكِنْ يَقْرَؤُهَا الْإِمَامُ سِرًّا ، رُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَكْثَرُ أَهل الْحَدِيثِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَقْرَأُ بِهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيُّ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ : إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ اسْتَفْتَحَ السُّورَةَ بِـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَلَا يَسْتَفْتِحُ بِهَا فِي أُمِّ الْقُرْآنِ . ثُمَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْإِسْرَارِ اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ الدِّلَالَةِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا ذَهَبْنَا إِلَى الْإِخْفَاتِ لِلْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْبَابِ ؛ إِذْ أَكْثَرُهَا نُصُوصٌ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَلَيْسَ لَهَا مُعَارِضٌ ، وَلَمْ يُقِرَّ هَؤُلَاءِ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ ، بَلْ قَالُوا : لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخْفِتُ مُنذْ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ إِلَى أَنْ قُبِضَ . وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ : بِأَنَّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُعَارِضًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : أَحَادِيثُ الْإِسْرَارِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ؛ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : ثُبُوتُهَا وَصِحَّةُ سَنَدِهَا ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ لَا تُوَازِيهَا فِي الصِّحَّةِ وَالثُّبُوتِ . وَالثَّانِي : أَنَّهَا وَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ ؛ لِلْمُرْسَلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَقَالُوا : يُشِيدُ هَذَا الْمُرْسَلَ فِعْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِأَوَاخِرِ الْأُمُورِ . وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَهْرِ فَقَالَ : لَا سَبِيلَ إِلَى إِنْكَارِ وُرُودِ الأَحَادِيثِ فِي الْجَانِبَيْنِ ، وَكُتُبُ السُّنَنِ وَالْمسَانِيدِ نَاطِقَةٌ بِذَلِكَ ، ثُمَّ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ أحاديث الْجَهْرِ آثَارُ الصَّحَابَةِ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ كَانَ يَرَى الْجَهْرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ مِنْ أَحْدَاثِهِمْ وَذَوِي أَسْنَانِهِمْ ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى عَصْرِ الْأَئِمَّةِ ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَرَيَانِ الْجَهْرَ . وَأَمَّا حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ لَا نَقُولُ بِهِ ، ثُمَّ هُوَ يُعَارِضُهُ : ( ح 091 ) مَا أَخبرنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بَنِيمَانَ بْنِ يُوسُفَ الْأَدِيبُ ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ ، أَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حدثنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْبَزَّازُ ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَنْبَسَةَ بْنِ عَمْرٍو الْكُوفِيُّ ، حدثنَا عُمَرُ بْنُ حفص الْمَكِّيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يَجْهَرُ فِي السُّورَتَيْنِ بِـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَتَّى قُبِضَ . وَطَرِيقُ الْإِنْصَافِ أَنْ يُقَالَ : أَمَّا ادِّعَاءُ النَّسْخِ فِي كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ مُتَعَذَّرٌ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ النَّاسِخِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى الْمَنْسُوخِ ؛ مِنْ حَيْثُ الثُّبُوتِ وَالصِّحَّةِ ، فقَدْ فُقِدَ هَاهُنَا ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْقَوْلِ بِهِ . وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْإِخْفَاتِ فَهِيَ أَمْتَنُ ، غَيْرَ أَنَّ هُنَاكَ دَقِيقَةً ، وَذَلِكَ : أَنَّ أَحَادِيثَ الْجَهْرِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَأْثُورَةً عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهَا لَمْ تَسْلَمْ مِنْ شَوَائِبِ الْجَرْحِ ، كَمَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ . وَالِاعْتِمَادُ فِي الْبَابِ عَلَى رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا أَصَحُّ وَأَشْهَرُ . ثُمَّ الرِّوَايَةُ قَدِ اخْتَلَفَتْ عَنْ أَنَسٍ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : ( ح 092 ) رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَهَذَا أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَنَسٍ . ( ح 092 ) رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ، وَيَحْيَى بْنُ السَّكَنِ ، وَأَبُو عَمْرٍ الْحَوْضِيُّ ، وَعُمَرو بْنُ مَرْزُوقٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَامَّةُ أَصْحَابِ قَتَادَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، ومِنْهُمْ : هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَحُمَيْدٌ ، وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَهَمَّامٌ ، وَاخْتَلَفَ عَنْهُمَا فِي لَفْظِهِ ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ . وَقَدِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ لِسَلَامَتِهَا عَنْ الِاضْطِرَابِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَأونَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ السُّورَةِ ، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْرَأونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : ( ح 093 ) رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كَذَلِكَ رَوَاهُ : مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَحَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، وَقُرَادٌ أَبُو نُوحٍ ، وَآدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، وَأَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُزْرِفِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَأَكْثَرُهُمُ اضْطَرَبُوا فِيهِ ، وَكَذَلِكَ امْتَنَعَ الْبُخَارِيُّ مِنْ إِخْرَاجِهِ ، وَهُوَ مِنْ مَفَارِيدِ مُسْلِمٍ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : ( ح 094 ) مَا رَوَاهُ هَمَّامٌ ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : كَانَتْ مَدًّا ، ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، يَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ، وَيَمُدُّ بِـالرَّحْمَنِ ، وَيَمُدُّ بِـالرَّحِيمِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ عِلَّةٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْجَهْرِ مُطْلَقًا ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ ، فَيَتَنَاوَلُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَ الصَّلَاةِ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ : ( ح 095 ) رُوِيَ عَنْهُ : مَا قَرَأْتُهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخِرَقِيِّ ، وَقُلْتُ لَهُ : أَخْبَرَكَ بِهِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِئُ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَفْتِحُ بِـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، أَوْ بِـبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ؟ فَقَالَ : إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مَا أَحْفَظُهُ ، وَمَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ ، قُلْتُ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ مُخَرَّجَةٌ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا تَرَى ، وَغَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ وُقُوعَ الِاخْتِلَافِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الضَّبْطِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْجِهَاتِ وَالْأَوْقَاتِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ . وَدَلِيلُهُ الشَّاهِدُ : إِذْ رُبَّ شَخْصٍ يَتَغَافَلُ عَنْ أَمْرٍ هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ حَتَّى لَا يُبَالِيَ بِهِ بَالًا ، لِعَدَمِ مَا يُعَارِضُهُ ، وَيَتَنَبَّهُ لِأَمْرٍ هُوَ مِنْ تَوَابِعِهِ ، بَلْ هو دُونَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَفْتُرُ عَنْ ذِكْرِهِ لِوُجُودِ مَا يُنَاقِضُهُ ، وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الْأَشْيَاءُ . وَمِنْ أَظْرَفِ مَا شَهدْتُ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَنِّي حَضَرْتُ جَامِعًا فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ بَعْضِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ حَضَرَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ وَالْعِلْمِ ، وَهُمْ مِنَ الْمُوَاظِبِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْجَامِعِ ، وَالْمُنْصِتِينَ لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ حَالِ إِمَامِهِمْ فِي الْجَهْرِ والْإِخْفَاتِ ، وَكَانَ صَيِّتًا يَمْلَأُ الْجَامِعَ صَوْتُهُ ، فَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجْهَرُ . وَقَالَ آخَرُونَ : يُخْفِتُ ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْبَاقُونَ . وَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ هَذَا أَمْرٌ مُتَّسِعٌ ، وَالْقَوْلُ بِالْحَصْرِ فِيهِ مُمْتَنِعٌ ، وَكُلُّ مَنْ ذَهَبَ فِيهِ إِلَى رِوَايَةٍ فَهُوَ مُصِيبٌ مُتَمَسِّكٌ بِالسُّنَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى آحَادِ الْكَفَرَةِ · ص 353 بَابٌ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى آحَادِ الْكَفَرَةِ ( ح 105 ) أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْخَطِيبُ ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ ، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْكَاتِبُ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ ، أَنَا أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ السَّبَّاكُ - ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعِينَ رَجُلًا لِحَاجَةٍ يُقَالُ لَهُمُ : الْقُرَّاءُ ، فَعَرَضَ لَهُمْ حَيَّانِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ : رِعْلٌ ، وَذَكْوَانُ ، عِنْدَ بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا : بِئْرُ مَعُونَةَ ، فَقَالَ الْقَوْمُ : وَاللَّهِ مَا إِيَّاكُمْ أَرَدْنَا ، إِنَّمَا نَحْنُ مُجْتَازُونَ فِي حَاجَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَتَلُوهُمْ ، فَدَعَا عليهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهْرًا فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَذَلِكَ بَدْءُ الْقُنُوتِ ، وَمَا كُنَّا نَقْنُتُ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، وَتَرْجَمَه عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ ، مِنْ شَرْطِ أَصْحَابِ الصِّحَاحِ كُلِّهِمْ . ( ح 106 ) أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَا الْحَاكِمُ ، حدثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَزِيرٍ الْمَوْصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْنُتُ إِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَيَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ عِكْرِمَةُ : هَذَا مِفْتَاحُ الْقُنُوتِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِ أَبِي دَاوُدَ ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيِّ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ ، وَنَاسِخُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ . ( ح 107 ) أَخبرنَا أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَمَدَانِيُّ ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْجَنْزَرُودِيُّ ، أَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ قَالَ : أَنَا أَبُو يَعْلَى ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بَعْدَ الرُّكُوعِ ثُمَّ تَرَكَهُ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ . اعْتَرَضُوا عَلَى مَنِ ادَّعَى نَسْخَ هَذَا الْحُكْمِ ، وَقَالُوا : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ أَصْلِ الْقُنُوتِ ، لَا عَلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ كَمَا ذَكَرْتُمْ . أَجَابُوا وَقَالُوا : يَدْفَعُهُ : ( ح 108 ) مَا أَخبرنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَافِظُ إِذْنًا إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا ، بَلْ هُوَ سَمَاعٌ غَيْرَ أَنَّ أَصلي لَمْ يَحْضُرْنِي ، أَنَا أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنِ الْقُنُوتِ أَقَبْلَ الرُّكُوعِ ، أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ ؟ فَقَالَ : قَبْلَ الرُّكُوعِ ، قَالَ : فقُلْتُ : فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ . فَقَالَ : كَذَبُوا ؛ إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَهْرًا يَدْعُو عَلَى نَاسٍ قَتَلُوا نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ ، يُقَالُ لَهُمُ : الْقُرَّاءُ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُسَدَّدٍ ، وَمُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَاصِمٍ ، وَفِي حَدِيثِهِمْ : إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا . أَلَا تَرَاهُ فَصَلَ بَيْنَ الْقُنُوتِ الْمَتْرُوكِ ، وَالْقُنُوتِ الْمَلْزُومِ ، ثُمَّ لَمْ يُطْلِقِ اللَّفْظَ حَتَّى أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ : بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَدَلَّ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْقُنُوتِ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ عَنِ الدُّعَاءِ عَلَى الْأَعْدَاءِ . فَإِنْ قِيلَ : قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : تَرَكَهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّسْخِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهُ فِي الْحَالِ ، وَعَادَ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ . قَالُوا : الْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّسْخِ ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ يَدْفَعُهُ : ( ح 109 ) مَا أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ ، أَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، أَنَا أَبُو يَعْلَى ، أَنَا الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأخِيرَةِ - ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى قُرَيْشٍ وَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَفِيهِ - فأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ فَمَا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو عَلَى أَحَدٍ بَعْدُ . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، ويُؤَكِّدُهُ : ( ح 110 ) مَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو الشَّيْخِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْأَدِيبُ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَارِي ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حدثنَا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ ، أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَرُبَّمَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ ، يَجْهَرُ بِذَلِكَ ، حَتَّى كَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاةِ الْفَجْرِ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وفُلَانًا ، أَحْيَاءً مِنَ الْعَرَبِ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ . وَفِي قَوْلِهِ : كَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُنُوتَ لَمْ يُشْرَعْ لِأَجْلِ أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ ؛ بَلْ كَانَ مَشْرُوعًا ، وَإِنَّمَا أَحْيَانًا يَزِيدُ فِيهِ الدُّعَاءَ عَلَيْهِمْ حَتَّى نُهِيَ فَانْتَهَى . ( ح 111 ) قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْبَنَّاءِ ، أَنَبأ أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الْقَاهِرِ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو عَلَى مُضَرَ إِذْ جَاءَ جِبْرِيلُ ، فَأَوْمأ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ ، فَسَكَتَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَمْ يَبْعَثْكَ سَبَّابًا وَلَا لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بَعْثَكَ رَحْمَةً وَلَمْ يَبْعَثْكَ عَذَابًا ؛ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . قَالَ : ثُمَّ عَلَّمَهُ هَذَا الْقُنُوتَ : اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ ، وَنَسْتَغْفِرُكَ ، وَنُؤْمِنُ بِكَ ، وَنَخْضَعُ لَكَ ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ كَفَرَكَ ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنُحْفِدُ ، ونَرْجُو رَحْمَتَكَ ، وَنَخَافُ عَذَابَكَ الْجِدَّ ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكَافِرِينَ مُلْحَقٌ . هَذَا مُرْسَلٌ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ ، وَهُوَ حَسَنٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ . ( ث 020 ) وَقَالَ الْحَاكِمُ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْدَلَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا قُدَامَةَ يَحْكِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : إِنَّمَا تَرَكَ اللَّعْنَ .