781 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتل : هل يكون منه شبه عمد ، كما يقول الكوفيون ، أو لا شبه عمد فيه ، كما يقول الحجازيون . 5850 - حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، قال : أخبرنا هشيم ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة بن أوس السدوسي ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة ، فقال في خطبته : ألا إن قتل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر ، فيه دية مغلظة مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها . قال : ففي هذا الحديث ، إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، أن في القتل بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، ففي ذلك ما قد دل أنه لم يجعل فيه قودا ، وهذا مما قد اختلف فيه . فطائفة منهم تقول : القتل وجهان : خطأ وعمد ، لا ثالث لهما ، وهذا قول الحجازيين . وطائفة منهم تقول : القتل على ثلاثة أوجه : فمنه عمد فيه القود ، ومنه خطأ فيه الدية على العاقلة ، ومنه شبه عمد فيه هذه الدية المذكورة في هذا الحديث ، غير أن الكوفيين يختلفون في القتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل ، فتقول طائفة منهم : هو شبه عمد لا قود فيه ، وفيه الدية مغلظة ، وممن قال بذلك منهم : أبو حنيفة . وطائفة منهم تقول : في ذلك القود بالسيف ، وتذهب إلى أن الحجر المذكور في هذا الحديث ، هو الحجر الذي لا يقتل مثله من جنس السوط والعصا الذي لا يقتل أمثالهما ، وتقول في السوط والعصا : إن كرر الضرب بهما أو بأحدهما حتى يكون الضرب بجملته موهوما منه القتل ، كان ذلك عمدا ، وكان فيه القود بالسيف ، وممن كان يقول ذلك منهم : أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وقد ذكرنا الحديث المروي في ذلك في صدر هذا الباب من حديث هشيم خاصة ، عن خالد الحذاء وقد رواه غير هشيم ، وهو شعبة عن أيوب السختياني ، فخالفه في إسناده . 5851 - كما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، وهو ابن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، عن أيوب السختياني ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط أو العصا مائة من الإبل ، أربعون منها في بطونها أولادها ، ولم يذكر أيوب في حديثه هذا عقبة بن أوس ، وقد رواه أيضا حماد بن زيد ، عن أيوب ، فخالف شعبة فيه . 5852 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، قال : حدثنا يونس بن محمد ، قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن القاسم بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح ولم يذكر في إسناده غير هذا . ثم طلبنا ذكر الرجل الذي رجع ذكر هذا الحديث إليه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية خالد من هو . 5853 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثني يحيى بن حبيب بن عربي ، قال : حدثنا حماد ، عن خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ، فيها أربعون في بطونها أولادها . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث أيضا ، عن خالد غير هشيم . 5854 - فوجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا إسماعيل بن مسعود ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس ، ولم يقل عقبة ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر الحديث . 5855 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ، ثم ذكره ، ولم يذكر بشر ولا يزيد في حديثهما الحجر ، وإنما ذكر السوط والعصا خاصة ، وكان ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد مما ذكرناه عنهما أولى عندنا مما ذهب إليه أبو حنيفة ، مما ذكرناه عنه بالقياس ، ذلك أنا وجدنا القتل بالسيف على العمد لذلك يوجب القود والقاتل به مأثوم إثم القتل . ووجدنا القاتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل مأثوما إثم القتل . ووجدنا القاتل بالسوط والعصا اللذين مثلهما لا يقتل إذا كان منهما القتل لم يكن على القاتل بهما إثم القتل . فعقلنا بذلك : أن ما كان معه إثم القتل كان فيه القود ، وأن ما لم يكن معه إثم القتل لم يكن فيه قود ، وكانت فيه الدية مغلظة ، فكان من ذكرناه من الكوفيين يختلفون في الدية المغلظة ما هي ، فكان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان : هي مائة من الإبل ، منها خمس وعشرون بنات مخاض ، ومنها خمس وعشرون بنات لبون ، ومنها خمس وعشرون حقة ، ومنها خمس وعشرون جذعة ، وكان محمد بن الحسن يخالفهما في ذلك ، ويقول : هي مائة من الإبل ، منها ثلاثون حقة ، ومنها ثلاثون جذعة ، ومنها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، وكان هذا القول عندنا أولى ما قيل في هذا الباب لموافقة قائله ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مما قد ذكرنا ، فأما ما دون النفس فلا اختلاف بين أهل العلم فيه أنه وجهان ، خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، وقد كان الحجازيون يحتجون بها على الكوفيين ، ويقولون كما لم يكن فيما دون النفس شبه عمد ، فكذلك لا يكون في النفس شبه عمد . وكما كان ما دون النفس خطأ وعمد لا ثالث لهما ، فكذلك ما يكون في النفس يكون خطأ وعمدا لا ثالث لهما ، فنظرنا هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء يدل على أحد المذهبين ، فيكون هو الأولى في ذلك . 5856 - فوجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي . - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن بكر السهمي ، ثم اجتمعا جميعا ، أعني : بكارا وإبراهيم فقالا في حديثيهما : حدثنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك أن عمته الربيع لطمت جارية فكسرت ثنيتها ، وطلبوا إليهم العفو ، فأبوا والأرش ، فأبوا وأبوا إلا القصاص ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص ، فقال أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع ، لا والذي بعثك بالحق ، لا تكسر ثنيتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس ، كتاب الله - عز وجل - القصاص ، فرضي القوم فعفوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله - عز وجل - من لو أقسم على الله لأبره ، وكانت اللطمة مما لو كانت في النفس لم يكن فيها قود ، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القود فيما دون النفس ، فكان تصحيح هذا الحديث والحديث الذي رويناه قبله يدلان على ما قال الكوفيون : إن النفس قد يكون فيها عمد يوجب القود ، وقد يكون فيها خطأ يوجب دية الخطأ ، وقد يكون فيها شبه عمد يوجب دية شبه العمد ، وإن ما دون النفس لا يكون فيه إلا خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، والله نسأله التوفيق .
أصل
شرح مشكل الآثارص 465 شرح مشكل الآثارص 465 781 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتل : هل يكون منه شبه عمد ، كما يقول الكوفيون ، أو لا شبه عمد فيه ، كما يقول الحجازيون . 5850 - حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، قال : أخبرنا هشيم ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة بن أوس السدوسي ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة ، فقال في خطبته : ألا إن قتل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر ، فيه دية مغلظة مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها . قال : ففي هذا الحديث ، إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، أن في القتل بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، ففي ذلك ما قد دل أنه لم يجعل فيه قودا ، وهذا مما قد اختلف فيه . فطائفة منهم تقول : القتل وجهان : خطأ وعمد ، لا ثالث لهما ، وهذا قول الحجازيين . وطائفة منهم تقول : القتل على ثلاثة أوجه : فمنه عمد فيه القود ، ومنه خطأ فيه الدية على العاقلة ، ومنه شبه عمد فيه هذه الدية المذكورة في هذا الحديث ، غير أن الكوفيين يختلفون في القتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل ، فتقول طائفة منهم : هو شبه عمد لا قود فيه ، وفيه الدية مغلظة ، وممن قال بذلك منهم : أبو حنيفة . وطائفة منهم تقول : في ذلك القود بالسيف ، وتذهب إلى أن الحجر المذكور في هذا الحديث ، هو الحجر الذي لا يقتل مثله من جنس السوط والعصا الذي لا يقتل أمثالهما ، وتقول في السوط والعصا : إن كرر الضرب بهما أو بأحدهما حتى يكون الضرب بجملته موهوما منه القتل ، كان ذلك عمدا ، وكان فيه القود بالسيف ، وممن كان يقول ذلك منهم : أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وقد ذكرنا الحديث المروي في ذلك في صدر هذا الباب من حديث هشيم خاصة ، عن خالد الحذاء وقد رواه غير هشيم ، وهو شعبة عن أيوب السختياني ، فخالفه في إسناده . 5851 - كما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، وهو ابن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، عن أيوب السختياني ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط أو العصا مائة من الإبل ، أربعون منها في بطونها أولادها ، ولم يذكر أيوب في حديثه هذا عقبة بن أوس ، وقد رواه أيضا حماد بن زيد ، عن أيوب ، فخالف شعبة فيه . 5852 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، قال : حدثنا يونس بن محمد ، قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن القاسم بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح ولم يذكر في إسناده غير هذا . ثم طلبنا ذكر الرجل الذي رجع ذكر هذا الحديث إليه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية خالد من هو . 5853 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثني يحيى بن حبيب بن عربي ، قال : حدثنا حماد ، عن خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ، فيها أربعون في بطونها أولادها . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث أيضا ، عن خالد غير هشيم . 5854 - فوجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا إسماعيل بن مسعود ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس ، ولم يقل عقبة ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر الحديث . 5855 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ، ثم ذكره ، ولم يذكر بشر ولا يزيد في حديثهما الحجر ، وإنما ذكر السوط والعصا خاصة ، وكان ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد مما ذكرناه عنهما أولى عندنا مما ذهب إليه أبو حنيفة ، مما ذكرناه عنه بالقياس ، ذلك أنا وجدنا القتل بالسيف على العمد لذلك يوجب القود والقاتل به مأثوم إثم القتل . ووجدنا القاتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل مأثوما إثم القتل . ووجدنا القاتل بالسوط والعصا اللذين مثلهما لا يقتل إذا كان منهما القتل لم يكن على القاتل بهما إثم القتل . فعقلنا بذلك : أن ما كان معه إثم القتل كان فيه القود ، وأن ما لم يكن معه إثم القتل لم يكن فيه قود ، وكانت فيه الدية مغلظة ، فكان من ذكرناه من الكوفيين يختلفون في الدية المغلظة ما هي ، فكان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان : هي مائة من الإبل ، منها خمس وعشرون بنات مخاض ، ومنها خمس وعشرون بنات لبون ، ومنها خمس وعشرون حقة ، ومنها خمس وعشرون جذعة ، وكان محمد بن الحسن يخالفهما في ذلك ، ويقول : هي مائة من الإبل ، منها ثلاثون حقة ، ومنها ثلاثون جذعة ، ومنها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، وكان هذا القول عندنا أولى ما قيل في هذا الباب لموافقة قائله ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مما قد ذكرنا ، فأما ما دون النفس فلا اختلاف بين أهل العلم فيه أنه وجهان ، خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، وقد كان الحجازيون يحتجون بها على الكوفيين ، ويقولون كما لم يكن فيما دون النفس شبه عمد ، فكذلك لا يكون في النفس شبه عمد . وكما كان ما دون النفس خطأ وعمد لا ثالث لهما ، فكذلك ما يكون في النفس يكون خطأ وعمدا لا ثالث لهما ، فنظرنا هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء يدل على أحد المذهبين ، فيكون هو الأولى في ذلك . 5856 - فوجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي . - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن بكر السهمي ، ثم اجتمعا جميعا ، أعني : بكارا وإبراهيم فقالا في حديثيهما : حدثنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك أن عمته الربيع لطمت جارية فكسرت ثنيتها ، وطلبوا إليهم العفو ، فأبوا والأرش ، فأبوا وأبوا إلا القصاص ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص ، فقال أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع ، لا والذي بعثك بالحق ، لا تكسر ثنيتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس ، كتاب الله - عز وجل - القصاص ، فرضي القوم فعفوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله - عز وجل - من لو أقسم على الله لأبره ، وكانت اللطمة مما لو كانت في النفس لم يكن فيها قود ، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القود فيما دون النفس ، فكان تصحيح هذا الحديث والحديث الذي رويناه قبله يدلان على ما قال الكوفيون : إن النفس قد يكون فيها عمد يوجب القود ، وقد يكون فيها خطأ يوجب دية الخطأ ، وقد يكون فيها شبه عمد يوجب دية شبه العمد ، وإن ما دون النفس لا يكون فيه إلا خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 465 781 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتل : هل يكون منه شبه عمد ، كما يقول الكوفيون ، أو لا شبه عمد فيه ، كما يقول الحجازيون . 5850 - حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، قال : أخبرنا هشيم ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة بن أوس السدوسي ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة ، فقال في خطبته : ألا إن قتل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر ، فيه دية مغلظة مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها . قال : ففي هذا الحديث ، إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، أن في القتل بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، ففي ذلك ما قد دل أنه لم يجعل فيه قودا ، وهذا مما قد اختلف فيه . فطائفة منهم تقول : القتل وجهان : خطأ وعمد ، لا ثالث لهما ، وهذا قول الحجازيين . وطائفة منهم تقول : القتل على ثلاثة أوجه : فمنه عمد فيه القود ، ومنه خطأ فيه الدية على العاقلة ، ومنه شبه عمد فيه هذه الدية المذكورة في هذا الحديث ، غير أن الكوفيين يختلفون في القتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل ، فتقول طائفة منهم : هو شبه عمد لا قود فيه ، وفيه الدية مغلظة ، وممن قال بذلك منهم : أبو حنيفة . وطائفة منهم تقول : في ذلك القود بالسيف ، وتذهب إلى أن الحجر المذكور في هذا الحديث ، هو الحجر الذي لا يقتل مثله من جنس السوط والعصا الذي لا يقتل أمثالهما ، وتقول في السوط والعصا : إن كرر الضرب بهما أو بأحدهما حتى يكون الضرب بجملته موهوما منه القتل ، كان ذلك عمدا ، وكان فيه القود بالسيف ، وممن كان يقول ذلك منهم : أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وقد ذكرنا الحديث المروي في ذلك في صدر هذا الباب من حديث هشيم خاصة ، عن خالد الحذاء وقد رواه غير هشيم ، وهو شعبة عن أيوب السختياني ، فخالفه في إسناده . 5851 - كما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، وهو ابن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، عن أيوب السختياني ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط أو العصا مائة من الإبل ، أربعون منها في بطونها أولادها ، ولم يذكر أيوب في حديثه هذا عقبة بن أوس ، وقد رواه أيضا حماد بن زيد ، عن أيوب ، فخالف شعبة فيه . 5852 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، قال : حدثنا يونس بن محمد ، قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن القاسم بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح ولم يذكر في إسناده غير هذا . ثم طلبنا ذكر الرجل الذي رجع ذكر هذا الحديث إليه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية خالد من هو . 5853 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثني يحيى بن حبيب بن عربي ، قال : حدثنا حماد ، عن خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ، فيها أربعون في بطونها أولادها . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث أيضا ، عن خالد غير هشيم . 5854 - فوجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا إسماعيل بن مسعود ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس ، ولم يقل عقبة ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر الحديث . 5855 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ، ثم ذكره ، ولم يذكر بشر ولا يزيد في حديثهما الحجر ، وإنما ذكر السوط والعصا خاصة ، وكان ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد مما ذكرناه عنهما أولى عندنا مما ذهب إليه أبو حنيفة ، مما ذكرناه عنه بالقياس ، ذلك أنا وجدنا القتل بالسيف على العمد لذلك يوجب القود والقاتل به مأثوم إثم القتل . ووجدنا القاتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل مأثوما إثم القتل . ووجدنا القاتل بالسوط والعصا اللذين مثلهما لا يقتل إذا كان منهما القتل لم يكن على القاتل بهما إثم القتل . فعقلنا بذلك : أن ما كان معه إثم القتل كان فيه القود ، وأن ما لم يكن معه إثم القتل لم يكن فيه قود ، وكانت فيه الدية مغلظة ، فكان من ذكرناه من الكوفيين يختلفون في الدية المغلظة ما هي ، فكان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان : هي مائة من الإبل ، منها خمس وعشرون بنات مخاض ، ومنها خمس وعشرون بنات لبون ، ومنها خمس وعشرون حقة ، ومنها خمس وعشرون جذعة ، وكان محمد بن الحسن يخالفهما في ذلك ، ويقول : هي مائة من الإبل ، منها ثلاثون حقة ، ومنها ثلاثون جذعة ، ومنها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، وكان هذا القول عندنا أولى ما قيل في هذا الباب لموافقة قائله ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مما قد ذكرنا ، فأما ما دون النفس فلا اختلاف بين أهل العلم فيه أنه وجهان ، خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، وقد كان الحجازيون يحتجون بها على الكوفيين ، ويقولون كما لم يكن فيما دون النفس شبه عمد ، فكذلك لا يكون في النفس شبه عمد . وكما كان ما دون النفس خطأ وعمد لا ثالث لهما ، فكذلك ما يكون في النفس يكون خطأ وعمدا لا ثالث لهما ، فنظرنا هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء يدل على أحد المذهبين ، فيكون هو الأولى في ذلك . 5856 - فوجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي . - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن بكر السهمي ، ثم اجتمعا جميعا ، أعني : بكارا وإبراهيم فقالا في حديثيهما : حدثنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك أن عمته الربيع لطمت جارية فكسرت ثنيتها ، وطلبوا إليهم العفو ، فأبوا والأرش ، فأبوا وأبوا إلا القصاص ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص ، فقال أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع ، لا والذي بعثك بالحق ، لا تكسر ثنيتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس ، كتاب الله - عز وجل - القصاص ، فرضي القوم فعفوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله - عز وجل - من لو أقسم على الله لأبره ، وكانت اللطمة مما لو كانت في النفس لم يكن فيها قود ، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القود فيما دون النفس ، فكان تصحيح هذا الحديث والحديث الذي رويناه قبله يدلان على ما قال الكوفيون : إن النفس قد يكون فيها عمد يوجب القود ، وقد يكون فيها خطأ يوجب دية الخطأ ، وقد يكون فيها شبه عمد يوجب دية شبه العمد ، وإن ما دون النفس لا يكون فيه إلا خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 465 781 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتل : هل يكون منه شبه عمد ، كما يقول الكوفيون ، أو لا شبه عمد فيه ، كما يقول الحجازيون . 5850 - حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، قال : أخبرنا هشيم ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة بن أوس السدوسي ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة ، فقال في خطبته : ألا إن قتل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر ، فيه دية مغلظة مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها . قال : ففي هذا الحديث ، إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، أن في القتل بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، ففي ذلك ما قد دل أنه لم يجعل فيه قودا ، وهذا مما قد اختلف فيه . فطائفة منهم تقول : القتل وجهان : خطأ وعمد ، لا ثالث لهما ، وهذا قول الحجازيين . وطائفة منهم تقول : القتل على ثلاثة أوجه : فمنه عمد فيه القود ، ومنه خطأ فيه الدية على العاقلة ، ومنه شبه عمد فيه هذه الدية المذكورة في هذا الحديث ، غير أن الكوفيين يختلفون في القتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل ، فتقول طائفة منهم : هو شبه عمد لا قود فيه ، وفيه الدية مغلظة ، وممن قال بذلك منهم : أبو حنيفة . وطائفة منهم تقول : في ذلك القود بالسيف ، وتذهب إلى أن الحجر المذكور في هذا الحديث ، هو الحجر الذي لا يقتل مثله من جنس السوط والعصا الذي لا يقتل أمثالهما ، وتقول في السوط والعصا : إن كرر الضرب بهما أو بأحدهما حتى يكون الضرب بجملته موهوما منه القتل ، كان ذلك عمدا ، وكان فيه القود بالسيف ، وممن كان يقول ذلك منهم : أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وقد ذكرنا الحديث المروي في ذلك في صدر هذا الباب من حديث هشيم خاصة ، عن خالد الحذاء وقد رواه غير هشيم ، وهو شعبة عن أيوب السختياني ، فخالفه في إسناده . 5851 - كما قد حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، وهو ابن مهدي ، قال : حدثنا شعبة ، عن أيوب السختياني ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط أو العصا مائة من الإبل ، أربعون منها في بطونها أولادها ، ولم يذكر أيوب في حديثه هذا عقبة بن أوس ، وقد رواه أيضا حماد بن زيد ، عن أيوب ، فخالف شعبة فيه . 5852 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، قال : حدثنا يونس بن محمد ، قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن القاسم بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم الفتح ولم يذكر في إسناده غير هذا . ثم طلبنا ذكر الرجل الذي رجع ذكر هذا الحديث إليه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية خالد من هو . 5853 - فوجدنا أحمد بن شعيب قد حدثنا ، قال : حدثني يحيى بن حبيب بن عربي ، قال : حدثنا حماد ، عن خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل ، فيها أربعون في بطونها أولادها . ثم نظرنا هل روى هذا الحديث أيضا ، عن خالد غير هشيم . 5854 - فوجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا إسماعيل بن مسعود ، قال : حدثنا بشر بن المفضل ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس ، ولم يقل عقبة ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر الحديث . 5855 - ووجدنا أحمد قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا خالد ، عن القاسم بن ربيعة ، عن يعقوب بن أوس أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حدثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ، ثم ذكره ، ولم يذكر بشر ولا يزيد في حديثهما الحجر ، وإنما ذكر السوط والعصا خاصة ، وكان ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد مما ذكرناه عنهما أولى عندنا مما ذهب إليه أبو حنيفة ، مما ذكرناه عنه بالقياس ، ذلك أنا وجدنا القتل بالسيف على العمد لذلك يوجب القود والقاتل به مأثوم إثم القتل . ووجدنا القاتل بالحجر الثقيل الذي مثله يقتل مأثوما إثم القتل . ووجدنا القاتل بالسوط والعصا اللذين مثلهما لا يقتل إذا كان منهما القتل لم يكن على القاتل بهما إثم القتل . فعقلنا بذلك : أن ما كان معه إثم القتل كان فيه القود ، وأن ما لم يكن معه إثم القتل لم يكن فيه قود ، وكانت فيه الدية مغلظة ، فكان من ذكرناه من الكوفيين يختلفون في الدية المغلظة ما هي ، فكان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان : هي مائة من الإبل ، منها خمس وعشرون بنات مخاض ، ومنها خمس وعشرون بنات لبون ، ومنها خمس وعشرون حقة ، ومنها خمس وعشرون جذعة ، وكان محمد بن الحسن يخالفهما في ذلك ، ويقول : هي مائة من الإبل ، منها ثلاثون حقة ، ومنها ثلاثون جذعة ، ومنها أربعون خلفة في بطونها أولادها ، وكان هذا القول عندنا أولى ما قيل في هذا الباب لموافقة قائله ما قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مما قد ذكرنا ، فأما ما دون النفس فلا اختلاف بين أهل العلم فيه أنه وجهان ، خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، وقد كان الحجازيون يحتجون بها على الكوفيين ، ويقولون كما لم يكن فيما دون النفس شبه عمد ، فكذلك لا يكون في النفس شبه عمد . وكما كان ما دون النفس خطأ وعمد لا ثالث لهما ، فكذلك ما يكون في النفس يكون خطأ وعمدا لا ثالث لهما ، فنظرنا هل روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء يدل على أحد المذهبين ، فيكون هو الأولى في ذلك . 5856 - فوجدنا بكار بن قتيبة قد حدثنا ، قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي . - ووجدنا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن بكر السهمي ، ثم اجتمعا جميعا ، أعني : بكارا وإبراهيم فقالا في حديثيهما : حدثنا حميد الطويل ، عن أنس بن مالك أن عمته الربيع لطمت جارية فكسرت ثنيتها ، وطلبوا إليهم العفو ، فأبوا والأرش ، فأبوا وأبوا إلا القصاص ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص ، فقال أنس بن النضر : أتكسر ثنية الربيع ، لا والذي بعثك بالحق ، لا تكسر ثنيتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس ، كتاب الله - عز وجل - القصاص ، فرضي القوم فعفوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من عباد الله - عز وجل - من لو أقسم على الله لأبره ، وكانت اللطمة مما لو كانت في النفس لم يكن فيها قود ، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القود فيما دون النفس ، فكان تصحيح هذا الحديث والحديث الذي رويناه قبله يدلان على ما قال الكوفيون : إن النفس قد يكون فيها عمد يوجب القود ، وقد يكون فيها خطأ يوجب دية الخطأ ، وقد يكون فيها شبه عمد يوجب دية شبه العمد ، وإن ما دون النفس لا يكون فيه إلا خطأ وعمد لا شبه عمد معهما ، والله نسأله التوفيق .
شرح مشكل الآثارص 146 813 - باب بيان مشكل ما قد تنازعه أهل العلم بعد ذلك في وجوب اللعان بالحمل المنفي ، وفي سقوط اللعان به قال أبو جعفر : قد كان بعض من يذهب إلى إثبات اللعان بنفي الحمل قبل وضع أمه إياه ، يحتج لما يذهب إليه في ذلك على مخالفيه فيه ، بقول الله في المطلقات : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ . فيقول : قد جعل الله للمحمول به ، المطلقة أمه ، على المحمول به منه قبل وضع أمه إياه ، الإنفاق عليه ، وهو الغذاء الذي تغذاه أمه حتى يوصل إليه منه ما يكون به حياته ، وكان المحمول به منه مأخوذا بذلك ، محكوما به عليه ، كما يؤخذ به لو كان المحمول به موضوعا قبل ذلك . قال : وإذا كان ذلك كذلك ، فاستحقاق ما ذكرنا استحقاقه إياه على مطلق أمه كان كذلك : أنه يستحق به قبل وضعها إياه ملاعنته إذا نفاه عنها . فكان من حجتنا على هذا المحتج بذلك لمخالفته فيه بتوفيق الله - عز وجل - وعونه : أن الأمر في ذلك ليس كما ذكره فيه ، ولا النفقة التي جعلها الله - عز وجل - في ذلك على المطلق للمطلقة الحامل بسبب ولدها ، ليكون ذلك عدا له ، ولكنها نفقة للمطلقة نفسها ، لأنها في عدة من مطلقها ، لا لأنها حامل منه . ومما يدل على ذلك : أن رأينا المحمول به لو كان له مال قد ورثه عن أخ له لأمه توفي وأمه حامل به ، أن ذلك لا يرفع النفقة عن أبيه على أمه ، وأن النفقة على أبيه كما كانت لو كان لا مال له . فدل ذلك أن النفقة المحكوم بها على أبيه التي ذكرناها هي لأمه ، لا له ؛ لأنها لو كانت له لم يستحقها على أبيه إلا بفقره إلى ذلك ، وحاجته إليه منه ، كما لو كان موضوعا قبل ذلك لم يستحق النفقة عليه إلا بذلك . وفي وجوب النفقة على أبيه في حال يساره وفي حال إعساره ، على أمه ما قد دل أن تلك النفقة لغيره لا له . وحجة أخرى : أن النفقة لو كان يراد بها اتصال الغذاء إليه ، لوجب أن يكون بعضها مرفوعا عن أبيه ؛ لأنها تكون غذاء لأمه فيما يكون به حياتها ، ويقوم به بدنها ، ويوصل به الغذاء إليه ، فكان ما يكون من ذلك غذاء للمطلقة مرفوعا عنه ، وما يكون من ذلك يوصل الغذاء إلى ابنه ثابتا عليه . وفيما ذكرنا ما قد دل على أن معنى قول الله - عز وجل - : وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، إنما المراد بذلك نهاية الإنفاق ، لا ما سوى ذلك ، ويدل على ذلك أيضا قوله - عز وجل - : فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ ، ولم يقل : على من هن حوامل به . وفي ذلك ما قد دل : أن الإنفاق من المطلق في حال حمل المطلقة عليها ، إنما هو عليها ؛ لاعتدادها منه حاملا كانت أو غير حامل ، كما يقول من يوجب النفقة للمطلقة الطلاق البائن في عدتها ، حاملا كانت منه أو غير حامل . وفي ثبوت ما ذكرنا ما ينفي أن يكون فيما احتج به هذا القائل باللعان بالحمل لقوله ذلك ، لما قد ذكرنا من احتجاجه به له ، والله - عز وجل - نسأله التوفيق . وقال هذا المحتج أيضا : ومما يدل على ما ذهبنا إليه في إثبات اللعان بالحمل ، السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قضائه في دية شبه العمد بالأربعين الخلفة من الإبل التي في بطونها أولادها ، وذكر في ذلك . 6080 - ما قد حدثنا علي بن شيبة ، قال : حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، قال : أخبرنا هشيم ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة بن أوس السدوسي ، عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب يوم فتح مكة ، فقال في خطبته : ألا إن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر ، فيه دية مغلظة ، مائة من الإبل ، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها . 6081 - وما قد حدثنا إسماعيل بن حمدويه البيكندي ، قال : حدثنا عارم أبو النعمان ومسدد بن مسرهد ويحيى بن عبد الحميد الحماني ، قالوا : حدثنا حماد بن زيد ، عن خالد الحذاء ، عن القاسم بن ربيعة بن جوشن ، عن عقبة أو يعقوب السدوسي ، عن عبد الله ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر مثله . غير أن مسددا والحماني لم يشكا ، وقالا في حديثيهما : عن القاسم بن ربيعة ، عن عقبة بن أوس ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال هذا القائل : فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قضى بالخلفات في الدية ، وهي الحوامل ، ولو كان الحمل غير معروف ، وغير مدروك ، لما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا كلفه أحدا . وفي ذلك ما قد دل على أن الحمل مدروك ، وعلى أن الحكم مستعمل فيه قبل وضع أمه إياه كما يستعمل فيه بعد وضعها إياه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله - جل وعز - وعونه : أنه لا حجة له فيما احتج به من ذلك لما احتج له به ؛ لأن الذي جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الإبل ، جعله بظاهر ما تلك الإبل عليه ، وبما يقع في القلوب بما يشاهد منها أنها كذلك ، لا بتحقيق لذلك منها ، والدليل على ذلك : أنه غير مستنكر أن تكون الناقة عند الناس حاملا بما يرونه منها مما جرت العادة برؤيتهم إياه في أمثالها ، ثم يتبين أنها غير حامل ، وكذلك بنات آدم قد يرين كذلك ، ثم يتبين أن الذي كان يرى منهن غير حمل . ولما كان ذلك كذلك ، وجب أن لا يلاعن إلا بما يوقف على حقيقته ، لا فيما يستعمل فيه الظن الذي لا حقيقة معه ، ومما يدل على ذلك أن رجلا لو قال لعبده : إن كانت أمتي حاملا ، فأنت حر ، وظاهر أمرها أنها حامل ، ثم مات أبو العبد قبل أن تضع ، فجاء يطالب بميراثه ، أنه لا يحكم له بذلك في قول جميعهم ، إذ كان ما ظهر من تلك الأمة قد لا يكون حملا ، ولا يكون بالقول الذي كان من مولاه عتيقا عتاقا يستحق به ميراث أبيه . وإذا كان ذلك كذلك في المواريث ، كان في نفي الأحمال كذلك ، وكان الذي قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخلفات ، هو من ذلك المعنى أيضا . أن يحقق بوضعهن لما يعلم أنهن كن حوامل به يوم دفعهن من كن عليه إلى من وجبن له ، كان قد استوفى ما وجب له ، وإن بان أنهن كن حينئذ بخلاف ذلك ردهن ، وطالب بحوامل . وفيما ذكرنا ما قد نفى أن يكون لهذا المحتج حجة فيما احتج به مما ذكرنا لما وصفنا ، مع أنه قد ظلم مخالفة في جميع ما احتج به عليه مما ذكرنا ، لأن مخالفه يزعم أن النفقة في اعتداد المطلقات البوائن على مطلقيهن للعدة اللائي هن فيها ، لا لأحمال إن كانت بهن ، وأن الدية في شبه العمد لا خلفات فيها ، وإنما هي عندهم مائة من الإبل ، منها : خمسة وعشرون حقة ، وخمسة وعشرون جذعة ، وخمسة وعشرون بنات لبون ، وخمسة وعشرون بنات مخاض ، غير محمد بن الحسن ، فإنه قد كان يقول بالخلفات . وفيما احتججنا به في ذلك ما يدفع أن يكون عليه حجة فيما احتج به هذا المخالف عليه مما قد ذكرنا ، وفيما قد ذكرنا في هذه الأبواب ما قد دل على أن القول الصحيح في نفي الحمل ، هو ما قد ذكرناه فيه عن محمد بن الحسن بما وافقه أبو يوسف عليه ، والله نسأله التوفيق .