حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ فقَالَ : عَرِّفْهَا سَنَةً ، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَضَالَّةُ الْغَنَمِ ، فَقَالَ : خُذْهَا ، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَضَالَّةُ الْإِبِلِ ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ أَوْ احْمَرَّ وَجْهُهُ ، وَقَالَ : مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا حِذَاؤُهَا ، وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا . ( عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ( ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا ) : الْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الصُّرَّةُ ( وَعِفَاصَهَا ) : الَّذِي تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ . وَأَصْلُ الْعِفَاصِ الْجِلْدُ الَّذِي يُلْبَسُ رَأْسَ الْقَارُورَةِ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : الْعِفَاصُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَبِالصَّادِ ، وَهُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ ، سَوَاءً كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ حَرِيرٍ أَوْ غَيْرِهَا . فَإِنْ قُلْتَ : فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ كَمَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ أَبِي دَاوُدَ وَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ : عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْتَضِي أَنَّ مَعْرِفَةَ الْوِكَاءِ وَالْعِفَاصِ تَتَأَخَّرُ عَلَى تَعْرِيفِهَا سَنَةً ، وَرِوَايَةُ مَالِكٍ صَرِيحَةٌ فِي تَقْدِيمِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى التَّعْرِيفِ . قُلْتُ : قَالَ النَّوَوِيُّ : الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونُ مَأْمُورًا بِالْمَعْرِفَةِ فِي حَالَتَيْنِ ، فَيُعَرِّفُ الْعَلَامَاتِ أَوَّلَ مَا يَلْتَقِطُ حَتَّى يَعْلَمَ صِدْقَ وَاصِفِهَا إِذَا وَصَفَهَا ، ثُمَّ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فَيُعَرِّفُهَا مَرَّةً أُخْرَى مَعْرِفَةً وَافِيَةً مُحَقَّقَةً لِيُعْلَمَ قَدْرُهَا وَصِفَتُهَا ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَجِيءَ صَاحِبُهَا فَيَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ ، فَإِذَا عَرَّفَهَا الْمُلقطُ وَقْتَ التَّمَلُّكِ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ، وَاللَّقَطَةُ وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ ( ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا ) : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بَعْدَ التَّعْرِيفِ حَوْلًا فَاسْتَنْفِقْهَا مِنَ الِاسْتِنْفَاقِ وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ ، وَبَابُ الِاسْتِفْعَالِ لِلطَّلَبِ ، لَكِنِ الطَّلَبُ عَلَى قِسْمَيْنِ صَرِيحٌ وَتَقْدِيرِيٌّ ، وَهَاهُنَا لا يتأتى الصريح فيكون للطلب التقديري ، قاله العيني ، وقال النووي : ومعنى استنفق بها : تَمْلِكُهَا ثُمَّ أَنْفِقْهَا عَلَى نَفْسِكَ ، انْتَهَى . ( فَقَالَ ) : أَيِ السَّائِلُ ( فَضَالَّةُ الْغَنَمِ ) : أَيْ مَا حُكْمُهَا ؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الضَّالَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيَوَانِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُقَالُ فِيهِ لُقَطَةٌ . وَسَوَّى الطَّحَاوِيُّ بَيْنَ الضَّالَّةِ وَاللُّقَطَةِ ( فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ ) : إِنْ أَخَذْتَهَا وَعَرَّفْتَهَا سَنَةً وَلَمْ تَجِدْ صَاحِبَهَا ( أَوْ لِأَخِيكَ ) : أَيْ فِي الدِّينِ مُلْتَقِطٌ آخَرُ ( أَوْ لِلذِّئْبِ ) : إِنْ تَرَكْتَهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا غَيْرُكَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِي نَفْسَهَا ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّنْوِيعِ وَالتَّقْسِيمِ ، وَأَشَارَ إِلَى إِبْطَالِ قِسْمَيْنِ ، فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ فَكَأَنَّهُ قَالَ : يَنْحَصِرُ الْأَمْرُ فِي ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَنْ تَأْخُذَهَا لِنَفْسِكَ ، أَوْ تَتْرُكَهَا فَيَأْخُذَهَا مِثْلُكَ أَوْ يَأْكُلَهَا الذِّئْبُ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِهَا لِلذِّئْبِ فَإِنَّهَا إِضَاعَةُ مَالٍ ، وَلَا مَعْنَى لِتَرْكِهَا لِمُلْتَقِطٍ آخَرَ مِثْلَ الْأَوَّلِ بِحَيْثُ يَكُونُ الثَّانِي أَحَقُّ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا ، وَسَبَقَ الْأَوَّلُ فَلَا مَعْنَى لترك وَاسْتِحْقَاقِ الْمَسْبُوقِ ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَانِ الْقِسْمَانِ تَعَيَّنَ الثَّالِثُ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ لِهَذَا الْمُلْتَقِطِ . وَالتَّعْبِيرُ بِالذِّئْبِ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَالْمُرَادُ جِنْسُ مَا يَأْكُلُ الشَّاةَ وَيَفْتَرِسُهَا مِنَ السِّبَاعِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَوْلُهُ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا جُعِلَ هَذَا حُكْمُهَا إِذَا وُجِدَتْ بِأَرْضِ فَلَاةٍ يُخَافُ عَلَيْهَا الذِّئَابُ فِيهَا ، فَإِذَا وُجِدَتْ فِي قَرْيَةٍ وَبَيْنَ ظَهْرَانَيْ عِمَارَةٍ ، فَسَبِيلُهَا سَبِيلُ اللُّقَطَةِ فِي التَّعْرِيفِ ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الذِّئَابَ لَا تَأْوِي إِلَى الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى ، فَأَمَّا ضَالَّةُ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ لِوَاجِدِهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَرِدُ الْمَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ وَتَعِيشُ بِلَا رَاعٍ ، وَتَمْتَنِعُ مِنْ أَكْثَرِ السِّبَاعِ فَيَجِبُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهَا ، حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّهَا ، انْتَهَى . ( فَضَالَّةُ الْإِبِلِ ) : مَا حُكْمُهَا ؟ ( وَجْنَتَاهُ ) : الْوَجْنَةُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْخَدَّيْنِ ( أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ ) : شَكَّ الرَّاوِي ( قَالَ ) : - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ( مَا لَكَ وَلَهَا ) : أَيْ مَا لَكَ وَأَخْذَهَا ، اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ ؛ أَيْ لَيْسَ لَكَ هَذَا ، وَتَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةٌ لِلْبُخَارِيِّ : فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا ( مَعَهَا حِذَاؤُهَا ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودَا أَخْفَافُهَا ، فَتَقْوَى بِهَا عَلَى السَّيْرِ وَقَطْعِ الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ وَوُرُودِ الْمِيَاهِ النَّائِيَةِ ( وَسِقَاؤُهَا ) : بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدُّ جَوْفُهَا ، أَيْ حَيْثُ وَرَدَتِ الْمَاءَ شَرِبَتْ مَا يَكْفِيهَا ، حَتَّى تَرِدَ مَاءً آخَرَ ، لِأَنَّ الْإِبِلَ إِذَا شَرِبَتْ يَوْمًا تَصْبِرُ أَيَّامًا عَلَى الْعَطَشِ ، أَوِ السِّقَاءُ الْعُنُقُ ؛ لِأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْمَأْكُولَ بِغَيْرِ تَعَبٍ لِطُولِ عُنُقِهَا . وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُرَادُ بِهَذَا النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ إِنَّمَا هُوَ للْحِفْظ عَلَى صَاحِبِهَا إِمَّا بِحِفْظِ الْعَيْنِ أَوْ بِحِفْظِ الْقِيمَةِ ، وَهَذِهِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حِفْظٍ ؛ لِأَنَّهَا مَحْفُوظَةٌ بِمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ ، وَمَا يَسَّرَ لَهَا مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، كَذَا فِي إِرْشَادِ السَّارِي ( حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا ) : أَيْ مَالِكُهَا وَآخِذُهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَثِيرَ اللُّقَطَةِ وَقَلِيلَهُ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ التَّعْرِيفِ ، إِذَا كَانَ مِمَّا يَبْقَى إِلَى الْحَوْلِ ؛ لِأَنَّهُ قال : عَمَّ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَخُصَّ ، وَقَالَ قَوْمٌ : يُنْتَفَعُ بِالْقَلِيلِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ كَالنَّعْلِ وَالسَّوْطِ وَالْجِرَابِ وَنَحْوِهِمْ ، مِمَّا يُرْتَفَقُ بِهِ وَلَا يُتَمَوَّلُ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : مَا دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ قَلِيلٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا يُعَرَّفُ مِنَ اللُّقَطَةِ مَا كَانَ فَوْقَ الدِّينَارِ ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْآتِي قَالَ : فَهَذَا لَمْ يُعَرِّفْهُ سَنَةً لَكِنِ اسْتَنْفَقَهُ حِينَ وَجَدَهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَرْقِ مَا بَيْنَ الْقَلِيلِ مِنَ اللُّقَطَةِ وَالْكَثِيرِ مِنْهَا ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ .
الشروح
الحديث المعنيّ1704 1699 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ص……سنن أبي داود · رقم 1699
١ مَدخل