فصل في الأحاديث التي تحث على التداوي وربط الأسباب بالمسببات روى مسلم في صحيحه : من حديث أبي الزُّبَيْر ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لِكلِّ داءٍ دواءٌ ، فإذا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ ، برأ بإذن اللهِ - عز وجل - . وفي الصحيحين : عن عطاءٍ ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أنزل اللهُ مِنْ داءٍ إلا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً . وفي مسند الإمام أحمد : من حديث زياد بن عِلاقة ، عن أُسامةَ بن شَريكٍ ، قال : كنتُ عندَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءت الأعرابُ ، فقالوا : يا رسول الله ؛ أَنَتَدَاوَى ؟ فقال : نَعَمْ يا عبادَ اللهِ تَدَاوَوْا ، فإنَّ اللهَ - عز وجل - لم يضَعْ داءً إلا وَضَعَ لَهُ شِفاءً غيرَ داءٍ واحدٍ ، قالوا : ما هو ؟ قال : الهَرَمُ . وفي لفظٍ : إنَّ اللهَ لم يُنْزِلْ دَاءً إلا أنزل له شِفَاءً ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ . وفي المسند : من حديث ابن مسعود يرفعه : إنَّ اللهَ - عز وجل - لم يُنْزِلْ داءً إلا أنزَلَ لَهُ شِفاءً ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ . وفي المسند والسنن : عن أبي خِزَامةَ ، قال : قلتُ : يا رسول اللهِ ؛ أرأيْتَ رُقى نَسْتَرْقِيهَا ، ودواءً نتداوى به ، وتُقَاةً نَتَّقِيهَا ، هل تَرُدُّ من قَدَرِ اللهِ شيئا ؟ فقال : هي من قَدَرِ الله فقد تضمَّنت هذه الأحاديثُ إثبات الأسباب والمسبِّبات ، وإبطالَ قولِ مَن أنكرها ، ويجوزُ أن يكون قوله : لكل داءٍ دواء ، على عمومه حتى يتناول الأدواءَ القاتِلة ، والأدواء التي لا يُمكن لطبيب أن يُبرئها ، ويكون الله - عز وجل - قد جعل لها أدويةً تُبرئها ، ولكن طَوَى عِلمَها عن البَشَر ، ولم يجعل لهم إليه سبيلا ، لأنه عِلم للخلق إلا ما علَّمهم الله ، ولهذا علَّق النبي - صلى الله عليه وسلم - الشِّفاءَ على مصادفة الدواء لِلداء ، فإنه لا شيءَ من المخلوقات إلا له ضِدّ ، وكلُّ داء له ضد من الدواء يعالَج بضدِّه ، فعلَّق النبي - صلى الله عليه وسلم - البُرءَ بموافقة الداء للدواء ، وهذا قدرٌ زائدٌ على مجرد وجوده ، فإنَّ الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية ، أو زاد في الكمية على ما ينبغي ، نَقَلَه إلى داء آخر ، ومتى قصر عنها لم يَفِ بمقاومته ، وكان العلاج قاصرا ، ومتى لم يقع المُداوِي على الدواء ، أو لم يقع الدواء على الداء ، لم يحصُل الشفاء ، ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء ، لم ينفع ، ومتى كان البدنُ غيرَ قابل له ، أو القوةُ عاجزةً عن حمله ، أو ثَمَّ مانعٌ يمنعُ من تأثيره ، لم يحصل البُرء لعدم المصادفة ، ومتى تمت المصادفة حصلَ البرءُ بإذن الله ولا بُدَّ ، وهذا أحسنُ المحملَيْن في الحديث . والثاني : أن يكون مِن العام المراد به الخاصُ ، لا سيما والداخل في اللَّفظ أضعاف أضعافِ الخارج منه ، وهذا يُستعمل في كل لسان ، ويكونُ المراد أنَّ الله لم يضع داءً يَقْبَلُ الدواء إلا وضع له دواء ، فلا يَدخل في هذا الأدواء التي لا تقبل الدواء ، وهذا كقوله تعالى في الرِّيح التي سلَّطها على قوم عاد : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا أي : كل شيء يقبلُ التدمير ، ومِن شأن الرِّيح أن تدمِّره ، ونظائرُه كثيرة . ومَن تأمَّل خلْقَ الأضداد في هذا العالَم ، ومقاومةَ بعضِها لبعض ، ودفْعَ بعضِها ببعض ، وتسليطَ بعضِها على بعض ، تبيَّن له كمالُ قدرة الرب تعالى ، وحِكمتُه ، وإتقانُه ما صنعه ، وتفرُّدُه بالربوبية ، والوحدانية ، والقهر ، وأنَّ كل ما سواه فله ما يُضاده ويُمانِعُه ، كما أنه الغنيُّ بذاته ، وكُلُّ ما سِواه محتاجٌ بذاته . وفي الأحاديث الصحيحةِ الأمرُ بالتداوي ، وأنه لا يُنَافي التوكل ، كما لا يُنافيه دفْع داء الجوع ، والعطش ، والحرّ ، والبرد بِأضدادها ، بل لا تتم حقيقةُ التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نَصَبها الله مقتضياتٍ لمسبَّبَاتها قدرا وشرعا ، وأن تعطيلها يقَدَحُ في نفس التوكل ، كما يَقْدَحُ في الأمر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظن مُعطِّلُها أنَّ تركها أقوى في التوكل ، فإنَّ تركها عجز يُنافي التوكلَ الذي حقيقتُه اعتمادُ القلب على الله في حصولِ ما ينفع العبد في دينه ودنياه ، ودفْعِ ما يضرُّه في دينه ودنياه ، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ؛ وإلا كان معطِّلا للحكمة والشرع ، فلا يجعل العبدُ عجزه توكلا ، ولا توكُّلَه عجزا . وفيها رد على مَن أنكر التداوي ، وقال : إن كان الشفاء قد قُدِّرَ ، فالتداوي لا يفيد ، وإن لم يكن قد قُدِّرَ ، فكذلك . وأيضا ، فإنَّ المرض حصل بقَدَر الله ، وقدَرُ الله لا يُدْفَع ولا يُرد ، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وأما أفاضلُ الصحابة ، فأعلَمُ بالله وحكمته وصفاتِه من أن يُورِدوا مِثْلَ هذا ، وقد أجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما شفى وكفى ، فقال : هذه الأدويةُ والرُّقَى والتُّقَى هي مِن قَدَر الله ، فما خرج شيء عن قَدَره ، بل يُرَدُّ قَدَرُه بقَدَرِه ، وهذا الرَّدُّ مِن قَدَره . فلا سبيلَ إلى الخروج عن قَدَرِه بوجه ما ، وهذا كردِّ قَدَرِ الجوع ، والعطش ، والحرِّ ، والبرد بأضدادها ، وكردِّ قَدَرِ العدُوِّ بالجهاد ، وكلٌ من قَدَرِ الله : الدَافِعُ ، والمدفوعُ ، والدَّفْعُ . ويقال لمُوردِ هذا السؤال : هذا يُوجبُ عليك أن لا تُباشر سببا من الأسباب التي تَجلِبُ بها منفعة ، أو تَدفعُ بها مضرَّة ، لأن المنفعة والمضرَّة إن قُدِّرَتا ، لم يكن بدٌ من وقوعهما ، وإن لم تُقدَّرا لم يكن سبيلٌ إلى وقوعهما ، وفي ذلك خرابُ الدِّين والدنيا ، وفسادُ العالَم ، وهذا لا يقوله إلا دافعٌ للحق ، معانِدٌ له ، فيَذكر القَدَرَ ليدفعَ حُجةَ المُحقِّ عليه ، كالمشركين الذين قالوا : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا و : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا فهذا قالوه دفعا لحُجَّة الله عليهم بالرُّسُل . وجوابُ هذا السائل أن يُقال : بقي قسمٌ ثالث لم تذكره ، وهو أنَّ الله قَدَّر كذا وكذا بهذا السبب ؛ فإن أتيتَ بالسَّبب حَصَلَ المسبَّبُ ، وإلا فلا . فإن قال : إن كان قَدَّر لي السَّببَ ، فعلتُه ، وإن لم يُقدِّره لي لم أتمكن من فعله . قيل : فهل تقبل هذا الاحتجاجَ من عبدِك ، وولدِك ، وأجيرِك إذا احتَجَّ به عليك فيما أمرتَه به ، ونهيتَه عنه فخالَفَك ؟ فإن قبلته ، فلا تَلُمْ مَنْ عصاك ، وأخذ مالك ، وقَذفَ عِرْضَك ، وضيَّع حقوقَك ، وإن لم تَقبلْه ، فكيف يكونُ مقبولا منك في دفع حُقوق الله عليك . . وقد روي في أثر إسرائيلي : أنَّ إبراهيمَ الخليلَ قال : يا ربِّ ؛ مِمَّن الدَّاء ؟ قال : مِنِّي . قال : فمِمَّنْ الدَّوَاءُ ؟ قال : مني . قال : فَمَا بَالُ الطَّبِيبِ ؟ قال : رَجُلٌ أُرْسِلُ الدَّوَاءَ عَلَى يَدَيْهِ . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : لكلِّ داءٍ دواء ، تقويةٌ لنفس المريضِ والطبيبِ ، وحثٌ على طلبِ ذلك الدواءِ والتفتيشِ عليه ، فإنَّ المريض إذا استشعرتْ نفسُه أن لِدائه دواءً يُزيله ، تعلَّق قلبُه بروح الرجاء ، وبَردت عنده حرارة اليأس ، وانفتَحَ له بابُ الرجاء ، ومتى قَويتْ نفسُه انبعثتْ حرارتُه الغريزية ، وكان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية ، ومتى قويتْ هذه الأرواح ، قويت القُوَى التي هي حاملةٌ لها ، فقهرت المرضَ ودفعتْه . وكذلك الطبيبُ إذا علم أنَّ لهذا الداءِ دواءً أمكنه طلبُه والتفتيشُ عليه . وأمراضُ الأبدان على وِزَانِ أمراض القلوب ، وما جعل الله للقلب مرضا إلا جعل له شفاءً بضده ، فإنْ علمه صاحبُ الداء واستعمله ، وصادف داءَ قلبِه ، أبرأه بإذن الله تعالى .
الطب النبوي
الطب النبويص 12 الطب النبويص 12 فصل في الأحاديث التي تحث على التداوي وربط الأسباب بالمسببات روى مسلم في صحيحه : من حديث أبي الزُّبَيْر ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لِكلِّ داءٍ دواءٌ ، فإذا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ ، برأ بإذن اللهِ - عز وجل - . وفي الصحيحين : عن عطاءٍ ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أنزل اللهُ مِنْ داءٍ إلا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً . وفي مسند الإمام أحمد : من حديث زياد بن عِلاقة ، عن أُسامةَ بن شَريكٍ ، قال : كنتُ عندَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءت الأعرابُ ، فقالوا : يا رسول الله ؛ أَنَتَدَاوَى ؟ فقال : نَعَمْ يا عبادَ اللهِ تَدَاوَوْا ، فإنَّ اللهَ - عز وجل - لم يضَعْ داءً إلا وَضَعَ لَهُ شِفاءً غيرَ داءٍ واحدٍ ، قالوا : ما هو ؟ قال : الهَرَمُ . وفي لفظٍ : إنَّ اللهَ لم يُنْزِلْ دَاءً إلا أنزل له شِفَاءً ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ . وفي المسند : من حديث ابن مسعود يرفعه : إنَّ اللهَ - عز وجل - لم يُنْزِلْ داءً إلا أنزَلَ لَهُ شِفاءً ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ . وفي المسند والسنن : عن أبي خِزَامةَ ، قال : قلتُ : يا رسول اللهِ ؛ أرأيْتَ رُقى نَسْتَرْقِيهَا ، ودواءً نتداوى به ، وتُقَاةً نَتَّقِيهَا ، هل تَرُدُّ من قَدَرِ اللهِ شيئا ؟ فقال : هي من قَدَرِ الله فقد تضمَّنت هذه الأحاديثُ إثبات الأسباب والمسبِّبات ، وإبطالَ قولِ مَن أنكرها ، ويجوزُ أن يكون قوله : لكل داءٍ دواء ، على عمومه حتى يتناول الأدواءَ القاتِلة ، والأدواء التي لا يُمكن لطبيب أن يُبرئها ، ويكون الله - عز وجل - قد جعل لها أدويةً تُبرئها ، ولكن طَوَى عِلمَها عن البَشَر ، ولم يجعل لهم إليه سبيلا ، لأنه عِلم للخلق إلا ما علَّمهم الله ، ولهذا علَّق النبي - صلى الله عليه وسلم - الشِّفاءَ على مصادفة الدواء لِلداء ، فإنه لا شيءَ من المخلوقات إلا له ضِدّ ، وكلُّ داء له ضد من الدواء يعالَج بضدِّه ، فعلَّق النبي - صلى الله عليه وسلم - البُرءَ بموافقة الداء للدواء ، وهذا قدرٌ زائدٌ على مجرد وجوده ، فإنَّ الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية ، أو زاد في الكمية على ما ينبغي ، نَقَلَه إلى داء آخر ، ومتى قصر عنها لم يَفِ بمقاومته ، وكان العلاج قاصرا ، ومتى لم يقع المُداوِي على الدواء ، أو لم يقع الدواء على الداء ، لم يحصُل الشفاء ، ومتى لم يكن الزمان صالحا لذلك الدواء ، لم ينفع ، ومتى كان البدنُ غيرَ قابل له ، أو القوةُ عاجزةً عن حمله ، أو ثَمَّ مانعٌ يمنعُ من تأثيره ، لم يحصل البُرء لعدم المصادفة ، ومتى تمت المصادفة حصلَ البرءُ بإذن الله ولا بُدَّ ، وهذا أحسنُ المحملَيْن في الحديث . والثاني : أن يكون مِن العام المراد به الخاصُ ، لا سيما والداخل في اللَّفظ أضعاف أضعافِ الخارج منه ، وهذا يُستعمل في كل لسان ، ويكونُ المراد أنَّ الله لم يضع داءً يَقْبَلُ الدواء إلا وضع له دواء ، فلا يَدخل في هذا الأدواء التي لا تقبل الدواء ، وهذا كقوله تعالى في الرِّيح التي سلَّطها على قوم عاد : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا أي : كل شيء يقبلُ التدمير ، ومِن شأن الرِّيح أن تدمِّره ، ونظائرُه كثيرة . ومَن تأمَّل خلْقَ الأضداد في هذا العالَم ، ومقاومةَ بعضِها لبعض ، ودفْعَ بعضِها ببعض ، وتسليطَ بعضِها على بعض ، تبيَّن له كمالُ قدرة الرب تعالى ، وحِكمتُه ، وإتقانُه ما صنعه ، وتفرُّدُه بالربوبية ، والوحدانية ، والقهر ، وأنَّ كل ما سواه فله ما يُضاده ويُمانِعُه ، كما أنه الغنيُّ بذاته ، وكُلُّ ما سِواه محتاجٌ بذاته . وفي الأحاديث الصحيحةِ الأمرُ بالتداوي ، وأنه لا يُنَافي التوكل ، كما لا يُنافيه دفْع داء الجوع ، والعطش ، والحرّ ، والبرد بِأضدادها ، بل لا تتم حقيقةُ التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نَصَبها الله مقتضياتٍ لمسبَّبَاتها قدرا وشرعا ، وأن تعطيلها يقَدَحُ في نفس التوكل ، كما يَقْدَحُ في الأمر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظن مُعطِّلُها أنَّ تركها أقوى في التوكل ، فإنَّ تركها عجز يُنافي التوكلَ الذي حقيقتُه اعتمادُ القلب على الله في حصولِ ما ينفع العبد في دينه ودنياه ، ودفْعِ ما يضرُّه في دينه ودنياه ، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ؛ وإلا كان معطِّلا للحكمة والشرع ، فلا يجعل العبدُ عجزه توكلا ، ولا توكُّلَه عجزا . وفيها رد على مَن أنكر التداوي ، وقال : إن كان الشفاء قد قُدِّرَ ، فالتداوي لا يفيد ، وإن لم يكن قد قُدِّرَ ، فكذلك . وأيضا ، فإنَّ المرض حصل بقَدَر الله ، وقدَرُ الله لا يُدْفَع ولا يُرد ، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وأما أفاضلُ الصحابة ، فأعلَمُ بالله وحكمته وصفاتِه من أن يُورِدوا مِثْلَ هذا ، وقد أجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما شفى وكفى ، فقال : هذه الأدويةُ والرُّقَى والتُّقَى هي مِن قَدَر الله ، فما خرج شيء عن قَدَره ، بل يُرَدُّ قَدَرُه بقَدَرِه ، وهذا الرَّدُّ مِن قَدَره . فلا سبيلَ إلى الخروج عن قَدَرِه بوجه ما ، وهذا كردِّ قَدَرِ الجوع ، والعطش ، والحرِّ ، والبرد بأضدادها ، وكردِّ قَدَرِ العدُوِّ بالجهاد ، وكلٌ من قَدَرِ الله : الدَافِعُ ، والمدفوعُ ، والدَّفْعُ . ويقال لمُوردِ هذا السؤال : هذا يُوجبُ عليك أن لا تُباشر سببا من الأسباب التي تَجلِبُ بها منفعة ، أو تَدفعُ بها مضرَّة ، لأن المنفعة والمضرَّة إن قُدِّرَتا ، لم يكن بدٌ من وقوعهما ، وإن لم تُقدَّرا لم يكن سبيلٌ إلى وقوعهما ، وفي ذلك خرابُ الدِّين والدنيا ، وفسادُ العالَم ، وهذا لا يقوله إلا دافعٌ للحق ، معانِدٌ له ، فيَذكر القَدَرَ ليدفعَ حُجةَ المُحقِّ عليه ، كالمشركين الذين قالوا : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا و : لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا فهذا قالوه دفعا لحُجَّة الله عليهم بالرُّسُل . وجوابُ هذا السائل أن يُقال : بقي قسمٌ ثالث لم تذكره ، وهو أنَّ الله قَدَّر كذا وكذا بهذا السبب ؛ فإن أتيتَ بالسَّبب حَصَلَ المسبَّبُ ، وإلا فلا . فإن قال : إن كان قَدَّر لي السَّببَ ، فعلتُه ، وإن لم يُقدِّره لي لم أتمكن من فعله . قيل : فهل تقبل هذا الاحتجاجَ من عبدِك ، وولدِك ، وأجيرِك إذا احتَجَّ به عليك فيما أمرتَه به ، ونهيتَه عنه فخالَفَك ؟ فإن قبلته ، فلا تَلُمْ مَنْ عصاك ، وأخذ مالك ، وقَذفَ عِرْضَك ، وضيَّع حقوقَك ، وإن لم تَقبلْه ، فكيف يكونُ مقبولا منك في دفع حُقوق الله عليك . . وقد روي في أثر إسرائيلي : أنَّ إبراهيمَ الخليلَ قال : يا ربِّ ؛ مِمَّن الدَّاء ؟ قال : مِنِّي . قال : فمِمَّنْ الدَّوَاءُ ؟ قال : مني . قال : فَمَا بَالُ الطَّبِيبِ ؟ قال : رَجُلٌ أُرْسِلُ الدَّوَاءَ عَلَى يَدَيْهِ . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : لكلِّ داءٍ دواء ، تقويةٌ لنفس المريضِ والطبيبِ ، وحثٌ على طلبِ ذلك الدواءِ والتفتيشِ عليه ، فإنَّ المريض إذا استشعرتْ نفسُه أن لِدائه دواءً يُزيله ، تعلَّق قلبُه بروح الرجاء ، وبَردت عنده حرارة اليأس ، وانفتَحَ له بابُ الرجاء ، ومتى قَويتْ نفسُه انبعثتْ حرارتُه الغريزية ، وكان ذلك سببا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية ، ومتى قويتْ هذه الأرواح ، قويت القُوَى التي هي حاملةٌ لها ، فقهرت المرضَ ودفعتْه . وكذلك الطبيبُ إذا علم أنَّ لهذا الداءِ دواءً أمكنه طلبُه والتفتيشُ عليه . وأمراضُ الأبدان على وِزَانِ أمراض القلوب ، وما جعل الله للقلب مرضا إلا جعل له شفاءً بضده ، فإنْ علمه صاحبُ الداء واستعمله ، وصادف داءَ قلبِه ، أبرأه بإذن الله تعالى .
الطب النبويفصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في المنع من التداوي بالمحرَّمات · ص 116 فصل في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في المنع من التداوي بالمحرَّمات روى أبو داود في ( سننه ) من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : إنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاء ، وَجَعَلَ لِكُلِّ داءٍ دواءً ، فَتَدَاوَوْا ، ولا تَدَاوَوْا بِالْمُحَرَّم . وذكر البخاري في ( صحيحه ) عن ابن مسعود : ( إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عليكم ) . وفي ( السنن ) عن أبي هريرة ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الدَّوَاءِ الخَبِيثِ . وفي ( صحيح مسلم ) عن طارق بن سُوَيد الجُعفي ، أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر ، فنهاه ، أو كَرِهَ أن يصنَعَها ، فقال : إنما أصنعُها للدواء ، فقال : إنَّه لَيْسَ بِدَوَاءٍ ولكنَّهُ دَاءٌ . وفي ( السنن ) أنه - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن الخمر يُجْعَل في الدَّواء ، فقال : إنَّهَا دَاءٌ ولَيسَتْ بِالدَّوَاءِ رواه أبو داود ، والترمذي . وفي ( صحيح مسلم ) عن طارق بن سُويدٍ الحضرمي ؛ قال : قلت : يا رسول الله ؛ إنَّ بأرضنا أعنابا نَعتصِرُها فنشرب منها ، قال : ( لا ) . فراجعتُه ، قلتُ : إنَّا نستشفي للمريض قال : ( إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ ) . وفي ( سنن النسائي ) أنَّ طبيبا ذَكر ضِفْدَعا في دواءٍ عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهاه عن قَتْلِها . ويُذكر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : مَنْ تَدَاوَى بِالْخَمْرِ ، فَلا شَفَاهُ الله . المعالجة بالمحرَّمات قبيحةٌ عقلا وشرعا ، أمَّا الشرعُ فما ذكرْنا من هذه الأحاديثِ وغيرها . وأمَّا العقلُ ، فهو أنَّ اللهَ سبحانه إنما حرَّمه لخُبثه ، فإنه لم يُحَرِّم على هذه الأُمة طَيبا عقوبةً لها ، كما حرَّمه على بني إسرائيلَ بقوله : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وإنما حرَّم على هذه الأُمة ما حَرَّم لخبثه ، وتحريمُه له حِمية لهم عن تناوله ، فلا يُناسِبُ أن يُطلَبَ به الشِّفاءُ من الأسقام والعِلل ، فإنه وإن أثَّر في إزالتها ، لكنه يُعْقِبُ سَقَما أعظمَ منه في القلب بقوة الخُبث الذي فيه ، فيكون المُدَاوَى به قد سعى في إزالة سُقْم البدن بسُقْم القلب . وأيضا فإنَّ تحريمه يقتضي تجنُّبه والبُعدَ عنه بكُلِّ طريق ، وفي اتخاذه دواء حضٌ على الترغيب فيه وملابسته ، وهذا ضِدُّ مقصود الشارع ، وأيضا فإنه داء كما نصَّ عليه صاحبُ الشريعة ، فلا يجوز أن يُتخذ دواءً . وأيضا فإنه يُكْسِبُ الطبيعة والروح صفةَ الخبث ، لأن الطبيعة تنفعِلُ عن كيفية الدواء انفعالا بَيِّنا ، فإذا كانت كيفيتُه خبيثةً ، اكتسبت الطبيعةُ منه خُبثا ، فكيف إذا كان خبيثا في ذاته ، ولهذا حرَّم الله سبحانه على عباده الأغذيةَ والأشربةَ والملابِسَ الخبيثة ، لما تُكسب النفسَ من هيئة الخبث وصفته . وأيضا فإنَّ في إباحة التداوي به ، ولا سِيَّما إذا كانت النفوسُ تميل إليه ذريعةً إلى تناوله للشهوة واللَّذة ، لا سِيَّما إذا عرفت النفوسُ أنه نافع لها مزيلٌ لأسقامِها جالبٌ لِشفائها ، فهذا أحبُّ شيء إليها ، والشارعُ سدَّ الذريعة إلى تناوله بكُلِّ ممكن ، ولا ريبَ أنَّ بينَ سدِّ الذريعة إلى تناوله ، وفَتْحِ الذريعة إلى تناوله تناقضا وتعارضا . وأيضا فإنَّ في هذا الدواء المحرَّم من الأدواء ما يزيدُ على ما يُظَن فيه من الشِّفاء ، ولنفرضْ الكلام في أُمِّ الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاءً قَطُّ ، فإنها شديدةُ المضرَّة بالدماغ الذي هو مركزُ العقل عند الأطباء ، وكثير من الفقهاء والمتكلمين . قال ( أبقراط ) في أثناء كلامه في الأمراض الحادة : ضرر الخمرة بالرأس شديد . لأنه يُسرع الارتفاع إليه . ويرتفع بارتفاع الأخلاط التي تعلو في البدن ، وهو كذلك يضر بالذهن . وقال صاحب ( الكامل ) : إنَّ خاصية الشَّراب الإضرارُ بالدماغ والعَصَب . وأمَّا غيرُه من الأدوية المحرَّمة فنوعان : أحدهما : تعافُه النفس ولا تنبعِثُ لمساعدته الطبيعةُ على دفع المرض به كالسموم ، ولحوم الأفاعي وغيرها من المستقذرات ، فيبقى كَلًّا على الطبيعة مثقلا لها ، فيصير حينئذ داءً لا دواء . والثاني : ما لا تَعافُه النفس كالشراب الذي تستعمِلُه الحوامل مثلا ، فهذا ضررُه أكثرُ من نفعه ، والعقلُ يقضي بتحريم ذلك ، فالعقلُ والفِطرةُ مطابقٌ للشرع في ذلك . وهاهنا سِرٌ لطيف في كون المحرَّمات لا يُستشفَى بها ، فإنَّ شرطَ الشفاء بالدواء تلقِّيه بالقبول ، واعتقادُ منفعته ، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء ، فإنَّ النافعَ هو المبارَك ، وأنفعُ الأشياءِ أبركُها ، والمبارَكُ من الناس أينما كان هو الذي يُنتفَع به حيث حَلَّ ، ومعلوم أنَّ اعتقاد المسلم تحريمَ هذه العَيْن مما يَحولُ بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها ، وبين حُسن ظنه بها ، وتلقّي طبعه لها بالقبول ، بل كلَّما كان العبدُ أعظمَ إيمانا ، كان أكره لها وأسوأ اعتقادا فيها ، وطبعُه أكره شيء لها ، فإذا تناولها في هذه الحال ، كانت داءً له لا دواء إلا أن يزولَ اعتقادُ الخُبث فيها ، وسوءُ الظن والكراهةُ لها بالمحبة ، وهذا يُنافي الإيمان ، فلا يتناولها المؤمن قَطُّ إلا على وجه داء . والله أعلم .