100 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ سَقَطَتْ . 780 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو دَاوُد ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ قَالَ : سَمِعْت وَكِيعَ بْنَ حُدُسٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ سَقَطَتْ ، وَلَا يَقُصُّهَا إلَّا عَلَى حَبِيبٍ أَوْ لَبِيبٍ أَوْ ذِي مَوَدَّةٍ . هَكَذَا حِفْظِي إيَّاهُ عَنْهُ ، وَفِي كِتَابِي الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ فِيهِ : عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا ، فَإِذَا حَدَّث بِهَا وَقَعَتْ ، قَالَ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : لَا يُحَدِّثُ بِهَا إلَّا حِبًّا أَوْ لَبِيبًا . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، مَا هُوَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا قَبْلَ أَنْ تُعَبَّرَ مُعَلَّقَةً فِي الْهَوَاءِ غَيْرَ سَاقِطَةٍ وَغَيْرَ عَامِلَةٍ شَيْئًا حَتَّى تُعَبَّرَ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ عَمِلَتْ حِينَئِذٍ ، وَذَكَرَهَا بِأَنَّهَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ أَيْ أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ . وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ : أَنَا عَلَى جَنَاحِ طَيْرٍ ، إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ أَيْ أنَّنِي غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ حَتَّى أَخْرُجَ مِنْ سَفَرِي فَأَسْتَقِرُّ فِي مُقَامِي . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : فَقَدْ عَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الظُّلَّةِ تِلْكَ الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةَ فِيهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا . فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ خَطَأٌ غَيْرَ عَامِلٍ فِيمَا عَبَّرَ مِنْ تِلْكَ الرُّؤْيَا مَا عَبَّرَهُ مِنْهَا عَلَيْهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْعِبَارَةَ إنَّمَا يَكُونُ عِملُهَا فِي الرُّؤْيَا إذَا عُبِّرَتْ بِهَا إنَّمَا تَكُونُ تَعْمَلُ إذَا كَانَتْ الْعِبَارَةُ صَوَابًا أَوْ كَانَتْ الرُّؤْيَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ اثْنَيْنِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِهَا مِنْ الْآخَرِ ، فَتَكُونُ مُعَلَّقَةً عَلَى الْعِبَارَةِ الَّتِي تَرُدُّهَا إلَى أَحَدِهِمَا حَتَّى تُعَبَّرَ عَلَيْهِ وَتُرَدَّ إلَيْهِ فَتَسْقُطُ بِذَلِكَ وَتَكُونُ تِلْكَ الْعِبَارَةُ هِيَ عِبَارَتَهَا وَيَنْتَفِي عَنْهَا الْوَجْهُ الْآخَرَ الَّذِي قَدْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
أصل
شرح مشكل الآثارص 163 شرح مشكل الآثارص 163 100 - بَابٌ بَيَانُ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْه عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْلِهِ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ سَقَطَتْ . 780 - حدثنا بَكَّارَ ، حدثنا أَبُو دَاوُد ، حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ قَالَ : سَمِعْت وَكِيعَ بْنَ حُدُسٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ سَقَطَتْ ، وَلَا يَقُصُّهَا إلَّا عَلَى حَبِيبٍ أَوْ لَبِيبٍ أَوْ ذِي مَوَدَّةٍ . هَكَذَا حِفْظِي إيَّاهُ عَنْهُ ، وَفِي كِتَابِي الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ فِيهِ : عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا ، فَإِذَا حَدَّث بِهَا وَقَعَتْ ، قَالَ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : لَا يُحَدِّثُ بِهَا إلَّا حِبًّا أَوْ لَبِيبًا . فَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، مَا هُوَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا قَبْلَ أَنْ تُعَبَّرَ مُعَلَّقَةً فِي الْهَوَاءِ غَيْرَ سَاقِطَةٍ وَغَيْرَ عَامِلَةٍ شَيْئًا حَتَّى تُعَبَّرَ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ عَمِلَتْ حِينَئِذٍ ، وَذَكَرَهَا بِأَنَّهَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ أَيْ أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ . وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّجُلِ : أَنَا عَلَى جَنَاحِ طَيْرٍ ، إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ أَيْ أنَّنِي غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ حَتَّى أَخْرُجَ مِنْ سَفَرِي فَأَسْتَقِرُّ فِي مُقَامِي . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : فَقَدْ عَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الظُّلَّةِ تِلْكَ الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةَ فِيهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا . فَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ خَطَأٌ غَيْرَ عَامِلٍ فِيمَا عَبَّرَ مِنْ تِلْكَ الرُّؤْيَا مَا عَبَّرَهُ مِنْهَا عَلَيْهِ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْعِبَارَةَ إنَّمَا يَكُونُ عِملُهَا فِي الرُّؤْيَا إذَا عُبِّرَتْ بِهَا إنَّمَا تَكُونُ تَعْمَلُ إذَا كَانَتْ الْعِبَارَةُ صَوَابًا أَوْ كَانَتْ الرُّؤْيَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ اثْنَيْنِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِهَا مِنْ الْآخَرِ ، فَتَكُونُ مُعَلَّقَةً عَلَى الْعِبَارَةِ الَّتِي تَرُدُّهَا إلَى أَحَدِهِمَا حَتَّى تُعَبَّرَ عَلَيْهِ وَتُرَدَّ إلَيْهِ فَتَسْقُطُ بِذَلِكَ وَتَكُونُ تِلْكَ الْعِبَارَةُ هِيَ عِبَارَتَهَا وَيَنْتَفِي عَنْهَا الْوَجْهُ الْآخَرَ الَّذِي قَدْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَهَا ، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
تأويل مختلف الحديثحَدِيثٌ يُبْطِلُهُ حُجَّةُ الْعَقْلِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا · ص 483 65 - قَالُوا : حَدِيثٌ يُبْطِلُهُ حُجَّةُ الْعَقْلِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا قَالُوا : رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ . قَالُوا : كَيْفَ تَكُونُ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ ؟ وَكَيْفَ تَتَأَخَّرُ عَمَّا تُبَشِّرُ بِهِ أَوْ تُنْذِرُ مِنْهُ بِتَأَخُّرِ الْعِبَارَةِ لَهَا وَتَقَعُ إِذَا عُبِّرَتْ ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إِنْ لَمْ تُعَبَّرْ لَمْ تَقَعْ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَهُمْ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ : هُوَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ ، وَبَيْنَ مَخَالِبِ طَائِرٍ ، وَعَلَى قَرْنِ ظَبْيٍ ، يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَا يَطْمَئِنُّ وَلَا يَقِفُ . قَالَ رَجُلٌ فِي الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ : كَأَنَّ فُؤَادِي بَيْنَ أَظْفَارِ طَائِرٍ مِنَ الْخَوْفِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مُحَلِّقِ حِذَارَ امْرِئٍ قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى مَا يَعِدْ مِنْ نَفْسِهِ الشَّرَّ يَصْدُقِ وَقَالَ الْمَرَّارُ يَذْكُرُ فَلَاةً تَنْزُو مِنْ مَخَافَتِهَا قُلُوبَ الْأَدِلَّاءِ : كَأَنَّ قُلُوبَ أَدِلَّائِهَا مُعَلَّقَةٌ بِقُرُونِ الظِّبَاءِ يُرِيدُ أَنَّهَا تَنْزُو وَتَجِبُ ، فَكَأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِقُرُونِ الظِّبَاءِ ؛ لِأَنَّ الظِّبَاءَ لَا تَسْتَقِرُّ ، وَمَا كَانَ عَلَى قُرُونِهَا فَهُوَ كَذَلِكَ ، وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : وَلَا مِثْلَ يَوْمٍ فِي قَدَارٍ ظَلَلْتُهُ كَأَنِّي وَأَصْحَابِي عَلَى قَرْنِ أَعْفَرَا يُرِيدُ أَنَّا لَا نَسْتَقِرُّ وَلَا نَطْمَئِنُّ ، فَكَأَنَّا عَلَى قَرْنِ ظَبْيٍ ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ يُرَادُ أَنَّهَا تَجُولُ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى تُعَبَّرَ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ. وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَبَّرَهَا مِنَ النَّاسِ وَقَعَتْ كَمَا عَبَّرَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْعَالِمَ بِهَا الْمُصِيبَ الْمُوَفَّقَ ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْجَاهِلُ الْمُخْطِئُ فِي عِبَارَتِهَا لَهَا عَابِرًا وَهُوَ لَمْ يُصِبْ وَلَمْ يُقَارِبْ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَابِرًا لَهَا إِذَا أَصَابَ ، يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ: - إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ يُرِيدُ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ عِبَارَتَهَا . وَلَا أَرَادَ أَنَّ كُلَّ رُؤْيَا تُعَبَّرُ وَتُتَأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ، فَمِنْهَا مَا يَكُونُ عَنْ غَلَبَةِ الطَّبِيعَةِ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْمَلَكُ مَلَكُ الرُّؤْيَا ، عَنْ نُسْخَةِ أُمِّ الْكِتَابِ فِي الْحِينِ بَعْدَ الْحِينِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَرَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ : فَرُؤْيَا بُشْرَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ بِهَا الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فَيَرَاهَا فِي النَّوْمِ . وَحَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، عَنْ أَبِي الْمِقْدَامِ ، أَوْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : كُنْتُ أَحْضُرُ ابْنَ سِيرِينَ يُسْأَلُ عَنِ الرُّؤْيَا ، فَكُنْتُ أَحْزِرُهُ يُعَبِّرُ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ وَاحِدَةً أَوْ قَالَ : أَحَزُوَهُ . وَهَذِهِ الصَّحِيحَةُ هِيَ الَّتِي تَجُولُ حَتَّى يُعَبِرَّهَا الْعَالِمُ بِالْقِيَاسِ الْحَافِظُ لِلْأُصُولِ الْمُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ ، فَإِذَا عَبَّرَهَا وَقَعَتْ كَمَا عَبَّرَ .
تأويل مختلف الحديثحَدِيثٌ يُبْطِلُهُ حُجَّةُ الْعَقْلِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا · ص 483 65 - قَالُوا : حَدِيثٌ يُبْطِلُهُ حُجَّةُ الْعَقْلِ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا قَالُوا : رُوِّيتُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ . قَالُوا : كَيْفَ تَكُونُ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ ؟ وَكَيْفَ تَتَأَخَّرُ عَمَّا تُبَشِّرُ بِهِ أَوْ تُنْذِرُ مِنْهُ بِتَأَخُّرِ الْعِبَارَةِ لَهَا وَتَقَعُ إِذَا عُبِّرَتْ ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إِنْ لَمْ تُعَبَّرْ لَمْ تَقَعْ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَنَحْنُ نَقُولُ : إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَهُمْ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ : هُوَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ ، وَبَيْنَ مَخَالِبِ طَائِرٍ ، وَعَلَى قَرْنِ ظَبْيٍ ، يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَا يَطْمَئِنُّ وَلَا يَقِفُ . قَالَ رَجُلٌ فِي الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ : كَأَنَّ فُؤَادِي بَيْنَ أَظْفَارِ طَائِرٍ مِنَ الْخَوْفِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مُحَلِّقِ حِذَارَ امْرِئٍ قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى مَا يَعِدْ مِنْ نَفْسِهِ الشَّرَّ يَصْدُقِ وَقَالَ الْمَرَّارُ يَذْكُرُ فَلَاةً تَنْزُو مِنْ مَخَافَتِهَا قُلُوبَ الْأَدِلَّاءِ : كَأَنَّ قُلُوبَ أَدِلَّائِهَا مُعَلَّقَةٌ بِقُرُونِ الظِّبَاءِ يُرِيدُ أَنَّهَا تَنْزُو وَتَجِبُ ، فَكَأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِقُرُونِ الظِّبَاءِ ؛ لِأَنَّ الظِّبَاءَ لَا تَسْتَقِرُّ ، وَمَا كَانَ عَلَى قُرُونِهَا فَهُوَ كَذَلِكَ ، وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : وَلَا مِثْلَ يَوْمٍ فِي قَدَارٍ ظَلَلْتُهُ كَأَنِّي وَأَصْحَابِي عَلَى قَرْنِ أَعْفَرَا يُرِيدُ أَنَّا لَا نَسْتَقِرُّ وَلَا نَطْمَئِنُّ ، فَكَأَنَّا عَلَى قَرْنِ ظَبْيٍ ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ يُرَادُ أَنَّهَا تَجُولُ فِي الْهَوَاءِ حَتَّى تُعَبَّرَ ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ. وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَبَّرَهَا مِنَ النَّاسِ وَقَعَتْ كَمَا عَبَّرَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْعَالِمَ بِهَا الْمُصِيبَ الْمُوَفَّقَ ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْجَاهِلُ الْمُخْطِئُ فِي عِبَارَتِهَا لَهَا عَابِرًا وَهُوَ لَمْ يُصِبْ وَلَمْ يُقَارِبْ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَابِرًا لَهَا إِذَا أَصَابَ ، يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ: - إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ يُرِيدُ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ عِبَارَتَهَا . وَلَا أَرَادَ أَنَّ كُلَّ رُؤْيَا تُعَبَّرُ وَتُتَأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهَا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ، فَمِنْهَا مَا يَكُونُ عَنْ غَلَبَةِ الطَّبِيعَةِ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْمَلَكُ مَلَكُ الرُّؤْيَا ، عَنْ نُسْخَةِ أُمِّ الْكِتَابِ فِي الْحِينِ بَعْدَ الْحِينِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَرَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ : فَرُؤْيَا بُشْرَى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَرُؤْيَا يُحَدِّثُ بِهَا الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فَيَرَاهَا فِي النَّوْمِ . وَحَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ ، عَنْ أَبِي الْمِقْدَامِ ، أَوْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ : كُنْتُ أَحْضُرُ ابْنَ سِيرِينَ يُسْأَلُ عَنِ الرُّؤْيَا ، فَكُنْتُ أَحْزِرُهُ يُعَبِّرُ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ وَاحِدَةً أَوْ قَالَ : أَحَزُوَهُ . وَهَذِهِ الصَّحِيحَةُ هِيَ الَّتِي تَجُولُ حَتَّى يُعَبِرَّهَا الْعَالِمُ بِالْقِيَاسِ الْحَافِظُ لِلْأُصُولِ الْمُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ ، فَإِذَا عَبَّرَهَا وَقَعَتْ كَمَا عَبَّرَ .