904 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله في الإمام : إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين . هل ذلك الحكم باق على حاله ، أو قد نسخ بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيره . 6676 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، حدثنا مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك فصلى جالسا ، وصلى وراءه قوم قياما ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا . 6677 - وحدثنا الحسين بن نصر ، حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أيضا . 6678 - وحدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، وحدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا محمد ابن الأصبهاني ، قالا : حدثنا حميد بن عبد الرحمن بن حميد ، عن أبيه ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ، وأبو بكر خلفه ، إذا كبر رسول الله كبر أبو بكر يسمعنا ، فبصر بنا قياما . فقال : اجلسوا ، أومأ بذلك إليهم ، فلما قضى الصلاة ، قال : كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم بعظمائهم ، ائتموا بأئمتكم ، فإن صلوا قياما ، فصلوا قياما ، وإن صلوا جلوسا ، فصلوا جلوسا . 6679 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن يزيد ، ومالك ، وابن سمعان : أن ابن شهاب أخبرهم قال : أخبرني أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا ، فصرعه ، فجحش شقه الأيمن ، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة من الصلوات وهو جالس ، فصلينا خلفه جلوسا ، فلما انصرف ، قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا . 6680 - وحدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة ، فصرعه على جذم نخلة ، فانفلت فرسه ، فأتينا نعوده ، فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسا ، فقمنا خلفه ، فسكت عنا ، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده ، فوجدناه يصلي المكتوبة جالسا ، فقمنا خلفه ، فأشار إلينا فقعدنا ، فلما قضينا الصلاة قال : إذا صلى الإمام جالسا ، فصلوا جلوسا ، وإذا صلى الإمام قائما ، فصلوا قياما ، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائهم . 6681 - وحدثنا الربيع المرادي ، حدثنا شعيب بن الليث . وحدثنا محمد بن عبد الحكم ، أخبرنا أبي ، وشعيب بن الليث ، ثم اجتمعا ، فقالا : حدثنا الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلينا وهو قاعد ، وأبو بكر يكبر يسمع الناس ، فالتفت إلينا فرآنا قياما فأومأ إلينا فقعدنا ، فلما سلم ، قال : إن فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم فإن صلى الإمام قائما فصلوا قياما ، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا . 6682 - وحدثنا أبو أمية ، حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا هشيم ، أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإن صلى قائما فصلوا قياما ، وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين . 6683 - وحدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا الخصيب بن ناصح ، حدثنا وهيب بن خالد ، عن مصعب بن محمد القرشي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين . 6684 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا سعيد بن عامر الضبعي ، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 6685 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن يعلى بن عطاء قال : سمعت أبا علقمة يحدث ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا . 6686 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا عبد الله بن حمران ، وحدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، قالا : حدثنا عقبة بن أبي الصهباء الباهلي ، قال : سمعت سالما يقول : حدثني عبد الله بن عمر : أنه كان يوما من الأيام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه ، فقال : ألستم تعلمون أني رسول الله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، نشهد أنك رسول الله . قال : ألستم تعلمون أن الله تعالى أنزل في كتابه : أن من أطاعني فقد أطاع الله قالوا : بلى نشهد أن من أطاعك فقد أطاع الله ، قال : فإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم ، فإن صلوا قعودا ، فصلوا قعودا . فقال قائل : فهذه الآثار قد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجيئا متواترا من وجوه صحاح مقبولة ، ثم قد عمل به بعده غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أسيد بن حضير . 6687 - كما حدثنا يونس ، أخبرنا أنس بن عياض ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار : أن أسيد بن حضير كان يؤم قومه بني عبد الأشهل ، فخرج عليهم بعد شكوه ، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم . فقال : إني لا أستطيع أن أصلي قائما ، فصلى قاعدا وصلوا قعودا ، ومنهم : جابر بن عبد الله . 6688 - كما حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار ، عن يحيى بن سعيد ، قال : أخبرني أبو الزبير المكي ، عن جابر بن عبد الله : أنه اشتكى بمكة ، ثم خرج بعيد ، فصلى جالسا ، وصلينا خلفه جلوسا . فكان جوابنا له في ذلك : أنه قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ، غير أنه قد جاء عنه أنه استعمل بعدها خلاف ما استعمله فيها في مرضه الذي توفي فيه . 6689 - كما حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، قال : حدثنا الفريابي . - وكما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، قالا : حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق ، عن أرقم بن شرحبيل قال : سافرت مع ابن عباس من المدينة إلى الشام ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مرض مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة ، فقال : ادع لي عليا ، فقالت : ألا ندعو لك أبا بكر ؟ قال : ادعوه ، فقالت حفصة : ألا ندعو لك عمر ؟ فقال : ادعوه ، فقالت أم الفضل : ألا ندعو لك العباس ؟ قال : ادعوه ، فلما حضروا رفع رأسه فقال : ليصل بالناس أبو بكر فتقدم أبو بكر يصلي بالناس ، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة فخرج يهادي بين رجلين ، فلما أحس به أبو بكر سبحوا ، فذهب أبو بكر يتأخر ، فأشار إليه النبي عليه السلام مكانك ، فاستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث انتهى أبو بكر من القرآن ، وأبو بكر قائم والنبي صلى الله عليه وسلم جالس ، فائتم أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة حتى ثقل ، فخرج يهادى بين رجلين ، وإن رجليه لتخطان بالأرض ، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم . فكان في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائم ، والناس أيضا كذلك . 6690 - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا زائدة بن قدامة ، حدثنا موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله - يعني ابن عتبة - ، قال : دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : بلى ، كان الناس عكوفا في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء الآخرة ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ، فكان يصلي بهم تلك الأيام ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة ، فخرج يهادى بين رجلين لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه أن لا يتأخر ، وقال لهما : أجلساني إلى جنبه ، فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر . فكان في هذه الآثار ما قد ذكرناه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا بالناس وهم قيام ، فدل ذلك على نسخ ما كان منه قبل ذلك في الآثار الأول . فقال قائل : إن ما كان في هذه الآثار التي بدأت بذكرها كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الصلاة وهو مأموم لا إمام ، وذكر في ذلك . 6691 - ما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أخبرنا شبابة بن سوار ، حدثنا شعبة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدا . 6692 - وما قد حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا يحيى بن أيوب ، حدثني حميد ، حدثني ثابت البناني ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد يخالف بين طرفيه ، فكانت آخر صلاة صلاها . قال : فكان في حديث عائشة ، وأنس هذين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مأموما لا إماما . فكان جوابنا له في ذلك : أن الأولى بنا في الآثار إذا وقع فيها مثل ما وقع في هذا أن نحملها على الاتفاق وأن نصرف وجوهها إلى ما احتملت صرفها إليه ، وأن لا نحملها على التضاد والتباين ما وجدنا السبيل إلى ذلك . وكان في حديث عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، وعن عائشة : أن أبا بكر قد كان يصلي بالناس تلك الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيها متخلفا عن الصلاة لمرضه القاطع له عن ذلك ، فاحتمل أن يكون ما كان منه في حديثي ابن عباس ، والأسود ، وعبيد الله ، عن عائشة على صلاة كان منه ما كان منه فيها وهو الإمام ، وأبو بكر مأموم . وكان الذي في حديثي أنس ومسروق ، عن عائشة في صلاة أخرى من تلك الصلاة التي صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر رضي الله عنه . ولما توجه هذا المعنى في هذه الآثار ، عقلنا بذلك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان صلى للناس جالسا وكانوا خلفه قياما ، وحقق ذلك ما في حديث الأرقم ، عن ابن عباس من أخذه صلى الله عليه وسلم من حيث كان انتهى إليه أبو بكر رضي الله عنه ولا يجوز ذلك إلا وهو الإمام في تلك الصلاة ، وذلك عليه بما كان أبو بكر انتهى إليه من القراءة فيها ، فثبت بذلك أنه كان فيها إماما لا مأموما ، لأن المأموم لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقراءة ، إلا أنه قالت طائفة : يقرأ بأم القرآن خاصة . وفي حديث الأسود ، عن عائشة : أن جلوسه كان عن يسار أبي بكر ، وكان ذلك جلوس الإمام لا جلوس المأموم ، لأن أبا بكر رضي الله عنه عاد به إلى يمينه ، وذلك مقام المأموم لا مقام الإمام ، وكان معقولا بجلوسه عن يسار أبي بكر لا خلفه على أنه أراد بذلك الإمامة في تلك الصلاة لا الائتمام فيها ، ولو أراد الائتمام بغيره لجلس خلفه كما فعل في يوم بني عمرو بن عوف لما ذهب ليصلح بينهم فجاء أبو بكر يصلي بالناس . 6693 - كما قد حدثنا محمد بن علي بن داود ، حدثنا إسحاق بن هشام التمار ، أخبرنا حماد بن زيد ، حدثنا عبيد الله بن عمر بن حفص ، عن أبي حازم ، قال : فحدثني بما أنكرته - يعني أبا حازم - قال : حدثني سهل بن سعد الساعدي ، قال : كان قتال فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر ، ثم أتاهم ليصلح بينهم ، فقال : يا بلال ، إن حضرت الصلاة ولم آت ، فمر أبا بكر يصلي بالناس . فلما حضر العصر ، ولم يجئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن بلال ، ثم أقام ، ثم قال : يا أبا بكر تقدم ، فتقدم أبو بكر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل الناس يصفقون ، وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت ، فلما رأى التصفيق لا يمسك التفت ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله أن امكث ، فتأخر أبو بكر ، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم فصلى بالقوم ، فلما قضى صلاته قال : يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أومأت إليك ؟ قال : فلم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم النبي صلى الله عليه وسلم . قال : فقال للقوم : إذا نابكم في صلاتكم شيء فالتسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء . 6694 - وكما حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب : أن مالكا أخبره ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ، فجاءت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقال : أتصلي بالناس ، فأقيم ؟ قال : نعم ، فصلى أبو بكر ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في الصف ، فصفق الناس ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس التصفيق التفت ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله أن امكث مكانك ، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى بالصف ، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انصرف ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ قال أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق ؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح ، فإذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيق للنساء . 6695 - وكما حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا سفيان ، حدثنا أبو حازم ، قال : سمعت سهل بن سعد ، يقول : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف ، ثم ذكر مثله ، غير أنه قال : إنما التصفيق للنساء ، والتسبيح للرجال ، فمن نابه في صلاته شيء ، فليقل : سبحان الله . قال أبو جعفر : أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لما أراد أن يكون مأموما في تلك الصلاة قام مقام المأموم ، فدل ذلك : أنه كان في صلاته في مرضه لما أمرهم أن يقعدوه إلى جنب أبي بكر كان ذلك لإرداته أن يكون هو الإمام في تلك الصلاة لا مأموما فيها ، وكذلك كان منه لما كان عبد الرحمن بن عوف يصلي بالناس . 6696 - كما حدثنا الحسين بن نصر قال : سمعت يزيد بن هارون ، أخبرنا ابن عون ، عن عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه ، وابن عون ، عن ابن سيرين يرفعه إلى المغيرة بن شعبة قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فلما كان من السحر أناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته ، ثم نزل فتوارى عني قدر ما يقضي الرجل حاجته ، ثم جاء فقال لي : أمعك ماء ؟ قلت : نعم ، إداوة أو سطيحة فيها ماء ، فصببت عليه ، فغسل وجهه وعليه جبة له شامية ، فذهب يخرج يده منها ، فضاق كما الجنبة ، فأخرج يديه من تحت الجبة ، وربما رمى بالجبة عن يديه ، فغسل يديه ، ومسح عمامته ، ودلك الناصية بشيء ، ومسح على خفيه ، ثم ركبنا فأدرك في صلاة الغداة ، وعبد الرحمن بن عوف يؤمهم وقد صلى ركعة ، فذهبت لأوذنه فنهاني ، وصلينا خلفه ركعة ، وقضينا الركعة التي سبقنا بها . 6697 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أزهر بن سعد السمان ، عن ابن عون ، عن الشعبي ، حدثني عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه ، قال : كنا في مسير ، فقرع النبي صلى الله عليه وسلم ظهري بعصا كانت معه ، فذهبت معه ، فعدل وعدلت معه فانطلقنا حتى أتينا ثنية من الأرض فنزل فانطلق حتى توارى عني ثم جاء فقال : أمعك ماء ؟ قال : ومعي سطيحة ماء ، فأفرغت منها على يديه ، فغسلهما ، وغسل وجهه ، ثم ذكر بقية الحديث ، فأدركنا عبد الرحمن بن عوف ، وقد أم الناس ، وصلى ركعة ، فذهبت لأؤذنه فمنعني ، وصلينا ما أدركنا وقضينا ما سبقنا . أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة لما أراد أن يكون مأموما فيها قام مقام المأموم ، ولم يتجاور إلى جنب الإمام ، فدل ذلك : أن ما كان منه صلى الله عليه وسلم من جلوسه إلى جنب أبي بكر في الصلاة التي كان أبو بكر يؤم الناس فيها أراد بذلك أن يكون هو الإمام فيها . وما في حديث مسروق عن عائشة ، وما في حديث أنس عن صلاة أبي بكر في مرضه ذلك ، فذلك عندنا - والله أعلم - في صلاة أخرى - والله أعلم - لأن في حديث ابن عباس ، وعائشة أن أبا بكر قد كان يصلي بالناس تلك الأيام ، فدل ذلك : أنه كان صلى بهم صلوات لها عدد ، فاحتمل أن يكون صلى بعضها خلف أبي بكر ، وبعهضا بأبي بكر وبالناس حتى تتفق الآثار المروية في ذلك ، ولا يضاد شيء منها شيئا . وإن فيما قد بينا من إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا والناس قيام كان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وزفر ، ومحمد بن إدريس الشافعي رحمهم الله تعالى يذهبون إليه في إجازة إمامة القاعد الذي يركع ويسجد للقائمين الذين يركعون ويسجدون ؛ لأن القعود الذي فيه الركوع والسجود لما كان بدلا عن القيام كان البدل كالمبدل منه ، وكان فاعل البدل كفاعل المبدل ، فجاز أن يكون إماما لأهله هذا هو القياس في هذا الباب . وقد كان مالك بن أنس ، ومحمد بن الحسن يذهبان في ذلك إلى أن لا يؤم قاعد قائما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويذهب إلى أن الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الصلاة خاصا ليس لأحد من أمته ذلك سواه ، وليس لأحد أن يخص شيئا كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بما يوجب له من توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه ، وبالله التوفيق .
أصل
شرح مشكل الآثارص 305 شرح مشكل الآثارص 305 904 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله في الإمام : إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين . هل ذلك الحكم باق على حاله ، أو قد نسخ بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيره . 6676 - حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، حدثنا مالك بن أنس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك فصلى جالسا ، وصلى وراءه قوم قياما ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا . 6677 - وحدثنا الحسين بن نصر ، حدثنا يوسف بن عدي ، حدثنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أيضا . 6678 - وحدثنا علي بن شيبة ، حدثنا يحيى بن يحيى النيسابوري ، وحدثنا فهد بن سليمان ، حدثنا محمد ابن الأصبهاني ، قالا : حدثنا حميد بن عبد الرحمن بن حميد ، عن أبيه ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ، وأبو بكر خلفه ، إذا كبر رسول الله كبر أبو بكر يسمعنا ، فبصر بنا قياما . فقال : اجلسوا ، أومأ بذلك إليهم ، فلما قضى الصلاة ، قال : كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم بعظمائهم ، ائتموا بأئمتكم ، فإن صلوا قياما ، فصلوا قياما ، وإن صلوا جلوسا ، فصلوا جلوسا . 6679 - وحدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن يزيد ، ومالك ، وابن سمعان : أن ابن شهاب أخبرهم قال : أخبرني أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا ، فصرعه ، فجحش شقه الأيمن ، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة من الصلوات وهو جالس ، فصلينا خلفه جلوسا ، فلما انصرف ، قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا . 6680 - وحدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق ، حدثنا جرير بن عبد الحميد ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة ، فصرعه على جذم نخلة ، فانفلت فرسه ، فأتينا نعوده ، فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسا ، فقمنا خلفه ، فسكت عنا ، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده ، فوجدناه يصلي المكتوبة جالسا ، فقمنا خلفه ، فأشار إلينا فقعدنا ، فلما قضينا الصلاة قال : إذا صلى الإمام جالسا ، فصلوا جلوسا ، وإذا صلى الإمام قائما ، فصلوا قياما ، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائهم . 6681 - وحدثنا الربيع المرادي ، حدثنا شعيب بن الليث . وحدثنا محمد بن عبد الحكم ، أخبرنا أبي ، وشعيب بن الليث ، ثم اجتمعا ، فقالا : حدثنا الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلينا وهو قاعد ، وأبو بكر يكبر يسمع الناس ، فالتفت إلينا فرآنا قياما فأومأ إلينا فقعدنا ، فلما سلم ، قال : إن فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم فإن صلى الإمام قائما فصلوا قياما ، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا . 6682 - وحدثنا أبو أمية ، حدثنا سريج بن النعمان ، حدثنا هشيم ، أخبرنا عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا لك الحمد ، وإن صلى قائما فصلوا قياما ، وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين . 6683 - وحدثنا نصر بن مرزوق ، حدثنا الخصيب بن ناصح ، حدثنا وهيب بن خالد ، عن مصعب بن محمد القرشي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الإمام ليؤتم به فإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين . 6684 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا سعيد بن عامر الضبعي ، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 6685 - وحدثنا إبراهيم بن مرزوق ، حدثنا أبو داود ، حدثنا شعبة ، عن يعلى بن عطاء قال : سمعت أبا علقمة يحدث ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ، ومن عصى الأمير فقد عصاني ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا . 6686 - وحدثنا بكار بن قتيبة ، حدثنا عبد الله بن حمران ، وحدثنا محمد بن خزيمة ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، قالا : حدثنا عقبة بن أبي الصهباء الباهلي ، قال : سمعت سالما يقول : حدثني عبد الله بن عمر : أنه كان يوما من الأيام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في نفر من أصحابه ، فقال : ألستم تعلمون أني رسول الله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، نشهد أنك رسول الله . قال : ألستم تعلمون أن الله تعالى أنزل في كتابه : أن من أطاعني فقد أطاع الله قالوا : بلى نشهد أن من أطاعك فقد أطاع الله ، قال : فإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم ، فإن صلوا قعودا ، فصلوا قعودا . فقال قائل : فهذه الآثار قد جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجيئا متواترا من وجوه صحاح مقبولة ، ثم قد عمل به بعده غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أسيد بن حضير . 6687 - كما حدثنا يونس ، أخبرنا أنس بن عياض ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار : أن أسيد بن حضير كان يؤم قومه بني عبد الأشهل ، فخرج عليهم بعد شكوه ، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم . فقال : إني لا أستطيع أن أصلي قائما ، فصلى قاعدا وصلوا قعودا ، ومنهم : جابر بن عبد الله . 6688 - كما حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي ، حدثنا داود بن عبد الرحمن العطار ، عن يحيى بن سعيد ، قال : أخبرني أبو الزبير المكي ، عن جابر بن عبد الله : أنه اشتكى بمكة ، ثم خرج بعيد ، فصلى جالسا ، وصلينا خلفه جلوسا . فكان جوابنا له في ذلك : أنه قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر ، غير أنه قد جاء عنه أنه استعمل بعدها خلاف ما استعمله فيها في مرضه الذي توفي فيه . 6689 - كما حدثنا عبد الملك بن مروان الرقي ، قال : حدثنا الفريابي . - وكما حدثنا الربيع المرادي ، حدثنا أسد بن موسى ، قالا : حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق ، عن أرقم بن شرحبيل قال : سافرت مع ابن عباس من المدينة إلى الشام ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مرض مرضه الذي مات فيه كان في بيت عائشة ، فقال : ادع لي عليا ، فقالت : ألا ندعو لك أبا بكر ؟ قال : ادعوه ، فقالت حفصة : ألا ندعو لك عمر ؟ فقال : ادعوه ، فقالت أم الفضل : ألا ندعو لك العباس ؟ قال : ادعوه ، فلما حضروا رفع رأسه فقال : ليصل بالناس أبو بكر فتقدم أبو بكر يصلي بالناس ، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة فخرج يهادي بين رجلين ، فلما أحس به أبو بكر سبحوا ، فذهب أبو بكر يتأخر ، فأشار إليه النبي عليه السلام مكانك ، فاستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث انتهى أبو بكر من القرآن ، وأبو بكر قائم والنبي صلى الله عليه وسلم جالس ، فائتم أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة حتى ثقل ، فخرج يهادى بين رجلين ، وإن رجليه لتخطان بالأرض ، فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم . فكان في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائم ، والناس أيضا كذلك . 6690 - وكما حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا زائدة بن قدامة ، حدثنا موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله - يعني ابن عتبة - ، قال : دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : بلى ، كان الناس عكوفا في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء الآخرة ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ، فكان يصلي بهم تلك الأيام ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة ، فخرج يهادى بين رجلين لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه أن لا يتأخر ، وقال لهما : أجلساني إلى جنبه ، فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر . فكان في هذه الآثار ما قد ذكرناه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا بالناس وهم قيام ، فدل ذلك على نسخ ما كان منه قبل ذلك في الآثار الأول . فقال قائل : إن ما كان في هذه الآثار التي بدأت بذكرها كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الصلاة وهو مأموم لا إمام ، وذكر في ذلك . 6691 - ما قد حدثنا فهد ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أخبرنا شبابة بن سوار ، حدثنا شعبة ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدا . 6692 - وما قد حدثنا محمد بن حميد بن هشام الرعيني ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا يحيى بن أيوب ، حدثني حميد ، حدثني ثابت البناني ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد يخالف بين طرفيه ، فكانت آخر صلاة صلاها . قال : فكان في حديث عائشة ، وأنس هذين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مأموما لا إماما . فكان جوابنا له في ذلك : أن الأولى بنا في الآثار إذا وقع فيها مثل ما وقع في هذا أن نحملها على الاتفاق وأن نصرف وجوهها إلى ما احتملت صرفها إليه ، وأن لا نحملها على التضاد والتباين ما وجدنا السبيل إلى ذلك . وكان في حديث عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، وعن عائشة : أن أبا بكر قد كان يصلي بالناس تلك الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيها متخلفا عن الصلاة لمرضه القاطع له عن ذلك ، فاحتمل أن يكون ما كان منه في حديثي ابن عباس ، والأسود ، وعبيد الله ، عن عائشة على صلاة كان منه ما كان منه فيها وهو الإمام ، وأبو بكر مأموم . وكان الذي في حديثي أنس ومسروق ، عن عائشة في صلاة أخرى من تلك الصلاة التي صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر رضي الله عنه . ولما توجه هذا المعنى في هذه الآثار ، عقلنا بذلك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان صلى للناس جالسا وكانوا خلفه قياما ، وحقق ذلك ما في حديث الأرقم ، عن ابن عباس من أخذه صلى الله عليه وسلم من حيث كان انتهى إليه أبو بكر رضي الله عنه ولا يجوز ذلك إلا وهو الإمام في تلك الصلاة ، وذلك عليه بما كان أبو بكر انتهى إليه من القراءة فيها ، فثبت بذلك أنه كان فيها إماما لا مأموما ، لأن المأموم لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقراءة ، إلا أنه قالت طائفة : يقرأ بأم القرآن خاصة . وفي حديث الأسود ، عن عائشة : أن جلوسه كان عن يسار أبي بكر ، وكان ذلك جلوس الإمام لا جلوس المأموم ، لأن أبا بكر رضي الله عنه عاد به إلى يمينه ، وذلك مقام المأموم لا مقام الإمام ، وكان معقولا بجلوسه عن يسار أبي بكر لا خلفه على أنه أراد بذلك الإمامة في تلك الصلاة لا الائتمام فيها ، ولو أراد الائتمام بغيره لجلس خلفه كما فعل في يوم بني عمرو بن عوف لما ذهب ليصلح بينهم فجاء أبو بكر يصلي بالناس . 6693 - كما قد حدثنا محمد بن علي بن داود ، حدثنا إسحاق بن هشام التمار ، أخبرنا حماد بن زيد ، حدثنا عبيد الله بن عمر بن حفص ، عن أبي حازم ، قال : فحدثني بما أنكرته - يعني أبا حازم - قال : حدثني سهل بن سعد الساعدي ، قال : كان قتال فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر ، ثم أتاهم ليصلح بينهم ، فقال : يا بلال ، إن حضرت الصلاة ولم آت ، فمر أبا بكر يصلي بالناس . فلما حضر العصر ، ولم يجئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن بلال ، ثم أقام ، ثم قال : يا أبا بكر تقدم ، فتقدم أبو بكر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل الناس يصفقون ، وكان أبو بكر إذا دخل في الصلاة لم يلتفت ، فلما رأى التصفيق لا يمسك التفت ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله أن امكث ، فتأخر أبو بكر ، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم فصلى بالقوم ، فلما قضى صلاته قال : يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أومأت إليك ؟ قال : فلم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم النبي صلى الله عليه وسلم . قال : فقال للقوم : إذا نابكم في صلاتكم شيء فالتسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء . 6694 - وكما حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب : أن مالكا أخبره ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ، فجاءت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقال : أتصلي بالناس ، فأقيم ؟ قال : نعم ، فصلى أبو بكر ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في الصف ، فصفق الناس ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس التصفيق التفت ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله أن امكث مكانك ، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى بالصف ، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انصرف ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ قال أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق ؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح ، فإذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيق للنساء . 6695 - وكما حدثنا المزني ، حدثنا الشافعي ، حدثنا سفيان ، حدثنا أبو حازم ، قال : سمعت سهل بن سعد ، يقول : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بين بني عمرو بن عوف ، ثم ذكر مثله ، غير أنه قال : إنما التصفيق للنساء ، والتسبيح للرجال ، فمن نابه في صلاته شيء ، فليقل : سبحان الله . قال أبو جعفر : أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لما أراد أن يكون مأموما في تلك الصلاة قام مقام المأموم ، فدل ذلك : أنه كان في صلاته في مرضه لما أمرهم أن يقعدوه إلى جنب أبي بكر كان ذلك لإرداته أن يكون هو الإمام في تلك الصلاة لا مأموما فيها ، وكذلك كان منه لما كان عبد الرحمن بن عوف يصلي بالناس . 6696 - كما حدثنا الحسين بن نصر قال : سمعت يزيد بن هارون ، أخبرنا ابن عون ، عن عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه ، وابن عون ، عن ابن سيرين يرفعه إلى المغيرة بن شعبة قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فلما كان من السحر أناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته ، ثم نزل فتوارى عني قدر ما يقضي الرجل حاجته ، ثم جاء فقال لي : أمعك ماء ؟ قلت : نعم ، إداوة أو سطيحة فيها ماء ، فصببت عليه ، فغسل وجهه وعليه جبة له شامية ، فذهب يخرج يده منها ، فضاق كما الجنبة ، فأخرج يديه من تحت الجبة ، وربما رمى بالجبة عن يديه ، فغسل يديه ، ومسح عمامته ، ودلك الناصية بشيء ، ومسح على خفيه ، ثم ركبنا فأدرك في صلاة الغداة ، وعبد الرحمن بن عوف يؤمهم وقد صلى ركعة ، فذهبت لأوذنه فنهاني ، وصلينا خلفه ركعة ، وقضينا الركعة التي سبقنا بها . 6697 - وكما حدثنا يزيد بن سنان ، حدثنا أزهر بن سعد السمان ، عن ابن عون ، عن الشعبي ، حدثني عروة بن المغيرة بن شعبة ، عن أبيه ، قال : كنا في مسير ، فقرع النبي صلى الله عليه وسلم ظهري بعصا كانت معه ، فذهبت معه ، فعدل وعدلت معه فانطلقنا حتى أتينا ثنية من الأرض فنزل فانطلق حتى توارى عني ثم جاء فقال : أمعك ماء ؟ قال : ومعي سطيحة ماء ، فأفرغت منها على يديه ، فغسلهما ، وغسل وجهه ، ثم ذكر بقية الحديث ، فأدركنا عبد الرحمن بن عوف ، وقد أم الناس ، وصلى ركعة ، فذهبت لأؤذنه فمنعني ، وصلينا ما أدركنا وقضينا ما سبقنا . أفلا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة لما أراد أن يكون مأموما فيها قام مقام المأموم ، ولم يتجاور إلى جنب الإمام ، فدل ذلك : أن ما كان منه صلى الله عليه وسلم من جلوسه إلى جنب أبي بكر في الصلاة التي كان أبو بكر يؤم الناس فيها أراد بذلك أن يكون هو الإمام فيها . وما في حديث مسروق عن عائشة ، وما في حديث أنس عن صلاة أبي بكر في مرضه ذلك ، فذلك عندنا - والله أعلم - في صلاة أخرى - والله أعلم - لأن في حديث ابن عباس ، وعائشة أن أبا بكر قد كان يصلي بالناس تلك الأيام ، فدل ذلك : أنه كان صلى بهم صلوات لها عدد ، فاحتمل أن يكون صلى بعضها خلف أبي بكر ، وبعهضا بأبي بكر وبالناس حتى تتفق الآثار المروية في ذلك ، ولا يضاد شيء منها شيئا . وإن فيما قد بينا من إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا والناس قيام كان أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، وزفر ، ومحمد بن إدريس الشافعي رحمهم الله تعالى يذهبون إليه في إجازة إمامة القاعد الذي يركع ويسجد للقائمين الذين يركعون ويسجدون ؛ لأن القعود الذي فيه الركوع والسجود لما كان بدلا عن القيام كان البدل كالمبدل منه ، وكان فاعل البدل كفاعل المبدل ، فجاز أن يكون إماما لأهله هذا هو القياس في هذا الباب . وقد كان مالك بن أنس ، ومحمد بن الحسن يذهبان في ذلك إلى أن لا يؤم قاعد قائما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويذهب إلى أن الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الصلاة خاصا ليس لأحد من أمته ذلك سواه ، وليس لأحد أن يخص شيئا كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بما يوجب له من توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه ، وبالله التوفيق .
الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابُ ائْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِإِمَامِهِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا · ص 411 بَابُ مَا ذُكِرَ من ائْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِإِمَامِهِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا ((ح 140)) قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، أَخْبَرَكَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ ، أَنَا دَعْلَجٌ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : سَقَطَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَرَسٍ ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا ، فَصَلَّيْنَا قُعُودًا ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ؛ إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وإذا ركع فاركعوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا ، أَجْمَعُونَ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ ؛ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ . ((ح 141)) أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ ، أَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، أَنَا الرَّبِيعُ قال : أَنَا الشَّافِعِيُّ ، أَنَا مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاك ، فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا ، فأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ؛ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَمُعَاوِيَةَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا مِنْ مَرَضٍ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُصَلُّونَ قُعُودًا اقْتِدَاءً بِهِ ، وَذَهَبُوا إِلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَرَأَوْهَا مُحْكَمَةً ، وَمِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ . قَالَ أَحْمَدُ : كَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصحابة ، وَالرَّابِعُ هُوَ فِي خَبَرِ : ((ح 142)) قَيْسِ بْنِ فَهْدٍ ( أَنَّ إِمَامَهُمْ شَكَى عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَؤُمُّنَا جَالِسًا وَنَحْنُ جُلُوسٌ ) . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَؤُمُّ الْقَاعِدُ الْقَائِمِينَ ، فَإِنْ فَعَلُوا لَمْ يُجْزِهِمْ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ إِذَا صَفُّوا خَلْفَهُ جُلُوسًا . وقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُصَلُّونَ قِيَامًا ، وَلَا يُتَابِعُونَ الْإِمَامَ فِي الْجُلُوسِ ، وَرَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَنْسُوخَةٌ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَقَدْ حَكَيْنَا نَحْوَ هَذَا عَنِ الثَّوْرِيِّ . نَسْخُ ذَلِكَ ((ح 143)) أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْجُنَيْدِ ، أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ موسى بْنِ شَاذَانَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ، أَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بالناس ، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْ كَمَا أَنْتَ ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ . ((ح 144)) وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا : عَنِ الثِّقَةِ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْصُولًا . ((ح 145 )) قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَالِبٍ الْكَتَّانِيِّ بِوَاسِطِ الْعِرَاقِ ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أحمد بْنِ شَاذَانَ ، أَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ ، فَقَالَ : ( مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ) - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - قَالَتْ : فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً ، قَالَتْ : فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْ قُمْ كَمَا أَنْتَ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِم ، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وأخرجه أيضا عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جَنْبِهِ يُصَلِّي . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَفَصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، وَعَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِمَعْنَاهُ دُونَ ذِكْرِ الْيَسَارِ . وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالُوا : فَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحِيحٌ عَنْهُ ، وَيَكُونُ نَاسِخًا لِلْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ . وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : الْمُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَا يَؤُمَّ قَاعِدًا ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَرِضَ اسْتَخْلَفَ فِي أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ ، وَإِنَّمَا صَلَّى بِنَفْسِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً . ((ث 028)) قَرَأْتُ عَلَى رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ الرَّادانيِّ ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ إِذْنًا ، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الصَّيْرَفِيِّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا قُلْتُ - شَيْءٌ مَنْسُوخٌ وَنَاسِخٌ ، - فَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ وَحَدِيثَ عَائِشَةَ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُمَا ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْسُوخٌ بِسُنَّتِهِ ، ذَلِكَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ روى : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى جَالِسًا مِنْ سَقْطَةِ فَرَسٍ ، وَعَائِشَةَ تَرْوِي ذَلِكَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُوَافِقُ رِوَايَتَهُمَا ، وَأَمَرَ مَنْ خَلْفَهُ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ بِالْجُلُوسِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا ، ثُمَّ يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا ، قَالَ : وَهِيَ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالنَّاسِ ، بِأَبِي وَأُمِّي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا نَاسِخًا . وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، حَيْثُ أَمَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ : فَأَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَأَمَّ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِمَامًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِإِمَامَيْنِ ، وَإِنَّمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ الْإِمَامُ ، وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ يُبَلِّغُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ ، فَسُمِّيَ لِذَلِكَ إِمَامًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الرِّسَالَةِ : فَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا ، اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ لِلنَّاسِ بِالْجُلُوسِ فِي سَقْطَتِهِ عَنِ الْفَرَسِ قَبْلَ مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَام نَاسِخَةً لِأَنْ يَجْلِسَ النَّاسُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ . وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ؛ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ قَائِمًا إِذَا أَطَاقَهَا الْمُصَلِّي ، وَقَاعِدًا إِذَا لَمْ يُطِقْ ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْمُطِيقِ الْقِيَامُ مُنْفَرِدًا ، أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا . فَكَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يصَلّي فِي مَرَضِهِ قَاعِدًا ، وَمَنْ خَلْفَهُ قِيَامًا ، مَعَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِسُنَّتِهِ الْأُولَى قَبْلَهَا ، مُوَافَقًا بسُنَّتِهِ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ . وَإِجْمَاعُ النَّاسِ : أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرْضَهُ ، كَمَا يُصَلِّي المريض خَلْفَ الْإِمَامِ الصَّحِيحِ قَاعِدًا وَالْإِمَامُ قَائِمًا . وَهَكَذَا نَقُولُ : يُصَلِّي الْإِمَامُ جَالِسًا ، وَمَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْأَصِحَّاءِ قِيَامًا ؛ فَيُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ فَرْضَهُ ، وَلَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ كَانَ حَسَنًا . وَقَدْ أُوهِمَ بَعْضٌ ، فَقَالَ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ جَالِسًا ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُنْقَطِعا عَنْ رَجُلٍ مَرْغُوبِ عن الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ ، فِيهِ : ((ح 146 )) لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا . ((ث 029)) أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّاهِدُ ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَن أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ، أَن الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَا الْأَصَمُّ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : فَقَدْ روي فِي هَذَا الصِّنْفِ - يَعْنِي في الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي جَالِسًا - يَغْلَطُ فِيهِ بَعْضُ مَنْ يذَهَبَ إِلَى الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ : ((ث 030)) أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ ، أَنبأ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّهُمْ خَرَجُوا يُشَيِّعُونَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلَّوْا خَلْفَهُ جُلُوسًا . ((ث 031)) قَالَ : وَأَنَا الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ عَنْهُ ، فَيَقُولُ بِمَا عَلِمَ ، ثُمَّ لَا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ بِمَا عَلِمَ وَرَوَى حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ علم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ قَوْلًا أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يَنْسَخُ الْعَمَلَ الَّذِي قَالَ بِهِ غَيْرُهُ وَعَمِلَهُ ، - وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا ، وَأَرَادَ أَنَّهُمَا إِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمَا النَّسْخُ ، وقَالَ : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى : أَنَّ عِلْمَ الْخَاصَّةِ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضٍ وَيَغْرُبُ عَنْ بَعْضٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . آخر الجزء الثالث ، والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . يتلوه الجزء الرابع . بسم الله الرحمن الرحيم ، صلى الله على محمد وآله ، أخبرنا الشيخ الأجل القاضي الفقيه سديد الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن سماقا الأسعردي رضي الله عنه بالقاهرة مناولة وإجازة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وخمسمائة قال : أخبرنا الشيخ الإمام الأجل العالم الحافظ زين الدين ناصر السنة أبو بكر محمد بن أبي عثمان موسى الحازمي بقراءتي عليه بمدينة السلام ، قال : الْجُزْءُ الرَّابِعُ مِنْ كِتَابِ الِاعْتِبَارِ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي الْحَدِيثِ ، تَأْلِيفِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَجَلِّ الْعَالِمِ الْحَافِظِ زَيْنِ الدِّينِ نَاصِرِ السُّنَّةِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ مُوسَى بْنِ عُثْمَانَ الْحَازِمِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ سَدِيدِ الدِّينِ أَبِي إِسْحَاقَ بن إِبْرَاهِيمَ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُمَاقَا الْأَسْعَرديِّ ، أَدَامَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ بِتَقْوَاهُ .
الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابُ ائْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِإِمَامِهِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا · ص 411 بَابُ مَا ذُكِرَ من ائْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِإِمَامِهِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا ((ح 140)) قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي ، أَخْبَرَكَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ ، أَنَا دَعْلَجٌ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : سَقَطَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ فَرَسٍ ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا ، فَصَلَّيْنَا قُعُودًا ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ؛ إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وإذا ركع فاركعوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا ، أَجْمَعُونَ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ ؛ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ . ((ح 141)) أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ ، أَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، أَنَا الرَّبِيعُ قال : أَنَا الشَّافِعِيُّ ، أَنَا مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاك ، فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا ، فأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ؛ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَمُعَاوِيَةَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا مِنْ مَرَضٍ : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُصَلُّونَ قُعُودًا اقْتِدَاءً بِهِ ، وَذَهَبُوا إِلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَرَأَوْهَا مُحْكَمَةً ، وَمِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ . قَالَ أَحْمَدُ : كَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصحابة ، وَالرَّابِعُ هُوَ فِي خَبَرِ : ((ح 142)) قَيْسِ بْنِ فَهْدٍ ( أَنَّ إِمَامَهُمْ شَكَى عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَؤُمُّنَا جَالِسًا وَنَحْنُ جُلُوسٌ ) . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَؤُمُّ الْقَاعِدُ الْقَائِمِينَ ، فَإِنْ فَعَلُوا لَمْ يُجْزِهِمْ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ إِذَا صَفُّوا خَلْفَهُ جُلُوسًا . وقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُصَلُّونَ قِيَامًا ، وَلَا يُتَابِعُونَ الْإِمَامَ فِي الْجُلُوسِ ، وَرَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَنْسُوخَةٌ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَقَدْ حَكَيْنَا نَحْوَ هَذَا عَنِ الثَّوْرِيِّ . نَسْخُ ذَلِكَ ((ح 143)) أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْجُنَيْدِ ، أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ موسى بْنِ شَاذَانَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ، أَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بالناس ، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْ كَمَا أَنْتَ ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ . ((ح 144)) وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا : عَنِ الثِّقَةِ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْصُولًا . ((ح 145 )) قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَالِبٍ الْكَتَّانِيِّ بِوَاسِطِ الْعِرَاقِ ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أحمد بْنِ شَاذَانَ ، أَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ ، فَقَالَ : ( مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ) - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - قَالَتْ : فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً ، قَالَتْ : فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْ قُمْ كَمَا أَنْتَ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا ، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِم ، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وأخرجه أيضا عَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيِّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جَنْبِهِ يُصَلِّي . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَفَصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، وَعَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِمَعْنَاهُ دُونَ ذِكْرِ الْيَسَارِ . وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالُوا : فَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحِيحٌ عَنْهُ ، وَيَكُونُ نَاسِخًا لِلْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ . وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : الْمُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَا يَؤُمَّ قَاعِدًا ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَرِضَ اسْتَخْلَفَ فِي أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ ، وَإِنَّمَا صَلَّى بِنَفْسِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً . ((ث 028)) قَرَأْتُ عَلَى رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ الرَّادانيِّ ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ إِذْنًا ، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الصَّيْرَفِيِّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا قُلْتُ - شَيْءٌ مَنْسُوخٌ وَنَاسِخٌ ، - فَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ وَحَدِيثَ عَائِشَةَ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُمَا ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْسُوخٌ بِسُنَّتِهِ ، ذَلِكَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ روى : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى جَالِسًا مِنْ سَقْطَةِ فَرَسٍ ، وَعَائِشَةَ تَرْوِي ذَلِكَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُوَافِقُ رِوَايَتَهُمَا ، وَأَمَرَ مَنْ خَلْفَهُ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ بِالْجُلُوسِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا ، ثُمَّ يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا ، قَالَ : وَهِيَ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالنَّاسِ ، بِأَبِي وَأُمِّي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا نَاسِخًا . وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، حَيْثُ أَمَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ : فَأَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَأَمَّ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِمَامًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِإِمَامَيْنِ ، وَإِنَّمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ الْإِمَامُ ، وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ يُبَلِّغُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ ، فَسُمِّيَ لِذَلِكَ إِمَامًا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الرِّسَالَةِ : فَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا ، اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ لِلنَّاسِ بِالْجُلُوسِ فِي سَقْطَتِهِ عَنِ الْفَرَسِ قَبْلَ مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَام نَاسِخَةً لِأَنْ يَجْلِسَ النَّاسُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ . وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ؛ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ قَائِمًا إِذَا أَطَاقَهَا الْمُصَلِّي ، وَقَاعِدًا إِذَا لَمْ يُطِقْ ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْمُطِيقِ الْقِيَامُ مُنْفَرِدًا ، أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا . فَكَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يصَلّي فِي مَرَضِهِ قَاعِدًا ، وَمَنْ خَلْفَهُ قِيَامًا ، مَعَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِسُنَّتِهِ الْأُولَى قَبْلَهَا ، مُوَافَقًا بسُنَّتِهِ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ . وَإِجْمَاعُ النَّاسِ : أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرْضَهُ ، كَمَا يُصَلِّي المريض خَلْفَ الْإِمَامِ الصَّحِيحِ قَاعِدًا وَالْإِمَامُ قَائِمًا . وَهَكَذَا نَقُولُ : يُصَلِّي الْإِمَامُ جَالِسًا ، وَمَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْأَصِحَّاءِ قِيَامًا ؛ فَيُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ فَرْضَهُ ، وَلَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ كَانَ حَسَنًا . وَقَدْ أُوهِمَ بَعْضٌ ، فَقَالَ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ جَالِسًا ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُنْقَطِعا عَنْ رَجُلٍ مَرْغُوبِ عن الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ ، فِيهِ : ((ح 146 )) لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا . ((ث 029)) أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّاهِدُ ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَن أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ، أَن الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَا الْأَصَمُّ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : فَقَدْ روي فِي هَذَا الصِّنْفِ - يَعْنِي في الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي جَالِسًا - يَغْلَطُ فِيهِ بَعْضُ مَنْ يذَهَبَ إِلَى الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ : ((ث 030)) أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ ، أَنبأ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّهُمْ خَرَجُوا يُشَيِّعُونَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلَّوْا خَلْفَهُ جُلُوسًا . ((ث 031)) قَالَ : وَأَنَا الثَّقَفِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ عَنْهُ ، فَيَقُولُ بِمَا عَلِمَ ، ثُمَّ لَا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ بِمَا عَلِمَ وَرَوَى حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ علم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ قَوْلًا أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يَنْسَخُ الْعَمَلَ الَّذِي قَالَ بِهِ غَيْرُهُ وَعَمِلَهُ ، - وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا ، وَأَرَادَ أَنَّهُمَا إِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمَا النَّسْخُ ، وقَالَ : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى : أَنَّ عِلْمَ الْخَاصَّةِ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضٍ وَيَغْرُبُ عَنْ بَعْضٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . آخر الجزء الثالث ، والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . يتلوه الجزء الرابع . بسم الله الرحمن الرحيم ، صلى الله على محمد وآله ، أخبرنا الشيخ الأجل القاضي الفقيه سديد الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن سماقا الأسعردي رضي الله عنه بالقاهرة مناولة وإجازة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وخمسمائة قال : أخبرنا الشيخ الإمام الأجل العالم الحافظ زين الدين ناصر السنة أبو بكر محمد بن أبي عثمان موسى الحازمي بقراءتي عليه بمدينة السلام ، قال : الْجُزْءُ الرَّابِعُ مِنْ كِتَابِ الِاعْتِبَارِ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فِي الْحَدِيثِ ، تَأْلِيفِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَجَلِّ الْعَالِمِ الْحَافِظِ زَيْنِ الدِّينِ نَاصِرِ السُّنَّةِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ مُوسَى بْنِ عُثْمَانَ الْحَازِمِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ سَدِيدِ الدِّينِ أَبِي إِسْحَاقَ بن إِبْرَاهِيمَ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سُمَاقَا الْأَسْعَرديِّ ، أَدَامَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ بِتَقْوَاهُ .