حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ

بَاب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ 19 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ ) عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنِ التَّرْجَمَةِ بِالْإِيمَانِ - مَعَ كَوْنِهِ تَرْجَمَ لِأَبْوَابِ الْإِيمَانِ - مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ مُتَرَادِفَيْنِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ صَحَّ إِطْلَاقُ الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ قَعْنَبَ ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّةً .

قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ ، فَسَقَطَ الْحَارِثُ مِنَ الرِّوَايَةِ ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْمَازِنِيُّ ، هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَشَهِدَ ابْنُهُ الْحَارِثُ أُحُدًا ، وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) اسْمُهُ سَعْدٌ عَلَى الصَّحِيحِ - وَقِيلَ سِنَانُ - ابْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ، اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ . وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ مُسْلِمٍ .

نَعَمْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ - وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ : أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ . قَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ . وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفِتَنِ .

وَهِيَ زِيَادَةٌ مِنْ حَافِظٍ فَيُقَيَّدُ بِهَا الْمُطْلَقُ . وَلَهَا شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ مَالِكٍ الْبَهْزِيَّةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ سُكْنَى الْبَوَادِي وَالسِّيَاحَةِ وَالْعُزْلَةِ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ . قَوْلُهُ : ( يُوشِكُ ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ : يَقْرَبُ .

قَوْلُهُ : ( خَيْرَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِ ، وَغَنَمِ الِاسْمُ ، وَلِلْأَصِيلِيِّ بِرَفْعِ خَيْرُ وَنَصْبِ غَنَمًا عَلَى الْخَبَرِيَّةِ ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ ويُقَدَّرُ فِي يَكُونُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ ، لَكِنْ لَمْ تَجِئْ بِهِ الرِّوَايَةُ . قَوْلُهُ : ( يَتَّبِعُ ) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا ، وَشَعَفِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ شَعَفَةٍ ، كَأَكَمٍ وَأَكَمَةٍ ، وَهِيَ رُؤوسُ الْجِبَالِ . قَوْلُهُ : ( وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى شَعَفِ ، أَيْ : بُطُونَ الْأَوْدِيَةِ ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا مَظَانُّ الْمَرْعَى .

قَوْلُهُ : ( يَفِرُّ بِدِينِهِ ) أَيْ : بِسَبَبِ دِينِهِ . وَ مِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ ، قَالَ الشَّيْخُ النَّوَوِيُّ : فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ عَدُّ الْفِرَارِ دِينًا ، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانَةٌ لِلدِّينِ . قَالَ : فَلَعَلَّهُ لَمَّا رَآهُ صِيَانَةً لِلدِّينِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الدِّينِ .

وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنْ أُرِيدَ بِمِنْ كَوْنُهَا جِنْسِيَّةً أَوْ تَبْعِيضِيَّةً فَالنَّظَرُ مُتَّجَهٌ ، وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنُهَا ابْتِدَائِيَّةً أَيِ : الْفِرَارُ مِنَ الْفِتْنَةِ مَنْشَؤُهُ الدِّينُ فَلَا يَتَّجِهُ النَّظَرُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَهُوَ أَلْيَقُ الْمَوَاضِعِ بِهِ ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ يُسْتَوْفَى هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث