حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ

بَاب مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَقَالَ : ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ 26 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قِيلَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : حَجٌّ مَبْرُورٌ .

قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ قَالَ ) هُوَ مُضَافٌ حَتْمًا . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ ) مُطَابَقَةُ الْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوعِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا دَالٌّ بِمُفْرَدِهِ عَلَى بَعْضِ الدَّعْوَى ، فَقَوْلُهُ : بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ عَامٌّ فِي الْأَعْمَالِ ، وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا : تَعْمَلُونَ مَعْنَاهُ تُؤْمِنُونَ ، فَيَكُونُ خَاصًّا . وَقَوْلُهُ : ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ خَاصٌّ بِعَمَلِ اللِّسَانِ عَلَى مَا نَقَلَ الْمُؤَلِّفُ .

وَقَوْلُهُ : فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ عَامٌّ أَيْضًا . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : إِيمَانٌ بِاللَّهِ فِي جَوَابِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ وَالنُّطْقَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ . فَإِنْ قِيلَ : الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ وَالْحَجَّ لَيْسَا مِنَ الْإِيمَانِ لِمَا تَقْتَضِيهِ ثُمَّ من الْمُغَايَرَةِ وَالتَّرْتِيبِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ هُنَا التَّصْدِيقُ ، هَذِهِ حَقِيقَتُهُ ، وَالْإِيمَانُ كَمَا تَقَدَّمَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ مُكَمِّلَاتِهِ .

قَوْلُهُ : أُورِثْتُمُوهَا أَيْ : صُيِّرَتْ لَكُمْ إِرْثًا . وَأَطْلَقَ الْإِرْثَ مَجَازًا عَنِ الْإِعْطَاءِ لِتَحَقُّقِ الِاسْتِحْقَاقِ . وَ مَا فِي قَوْلِهِ بِمَا إِمَّا مَصْدَرِيَّةٌ ، أَيْ : بِعَمَلِكُمْ ، وَإِمَّا مَوْصُولَةٌ ، أَيْ : بِالَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .

وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ لِلْمُقَابَلَةِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ : لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي الْحَدِيثِ دُخُولُهَا بِالْعَمَلِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الْقَبُولِ ، وَالْمُثْبَتَ فِي الْآيَةِ دُخُولُهَا بِالْعَمَلِ الْمُتَقَبَّلِ ، وَالْقَبُولُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ ، فَلَمْ يَحْصُلِ الدُّخُولُ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ . وَقِيلَ فِي الْجَوَابِ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ إِيرَادِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ .

( تَنْبِيهٌ ) : اخْتَلَفَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ لَفْظَ مِنْ مُرَادٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ، وَقِيلَ وَقَعَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ فَأُجِيبَ كُلُّ سَائِلٍ بِالْحَالِ اللَّائِقِ بِهِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْحَلِيمِيِّ وَنَقَلَهُ عَنِ الْقَفَّالِ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ عِدَّةٌ ) أَيْ : جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَوَيْنَا حَدِيثَهُ مَرْفُوعًا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ . وَمِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ رَوَيْنَا حَدِيثَهُ فِي التَّفْسِيرِ لِلطَّبَرِيِّ ، وَالدُّعَاءِ لِلطَّبَرَانِيِّ .

وَمِنْهُمْ مُجَاهِدٌ رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ . قَوْلُهُ : لَنَسْأَلَنَّهُمْ إِلَخْ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ عَنْ أَعْمَالِهِمْ كُلِّهَا ، أَيِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّكْلِيفُ ، وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالتَّوْحِيدِ دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ . قُلْتُ : لِتَخْصِيصِهِمْ وَجْهٌ مِنْ جِهَةِ التَّعْمِيمِ فِي قَوْلِهِ : أَجْمَعِينَ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْكُفَّارِ إِلَى قَوْلِهِ : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ ، فَإِنَّ الْكَافِرَ مُخَاطَبٌ بِالتَّوْحِيدِ بِلَا خِلَافٍ ، بِخِلَافِ بَاقِي الْأَعْمَالِ فَفِيهَا الْخِلَافُ ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ يَقُولُ : إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ عَنِ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ يَقُولُ : إِنَّمَا يُسْأَلُونَ عَنِ التَّوْحِيدِ فَقَطْ ، فَالسُّؤَالُ عَنِ التَّوْحِيدِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

فَهَذَا هُوَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ ، فَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ أَوْلَى ، بِخِلَافِ الْحَمْلِ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ) أَيِ : اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمِثْلِ هَذَا أَيِ : الْفَوْزِ الْعَظِيمِ ، فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ أَيْ : فِي الدُّنْيَا .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَأَوَّلَهَا بِمَا تَأَوَّلَ بِهِ الْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ ، أَيْ : فَلْيُؤْمِنِ الْمُؤْمِنُونَ ، أَوْ يُحْمَلُ الْعَمَلُ عَلَى عُمُومِهِ لِأَنَّ مَنْ آمَنَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْبَلَ ، وَمَنْ قَبِلَ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَعْمَلَ ، وَمَنْ عَمِلَ لَا بُدَّ أَنْ يَنَالَ ، فَإِذَا وَصَلَ قَالَ : ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ . ( تَنْبِيهٌ ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَائِلَ ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي رَأَى قَرِينَهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ انْقَضَى عِنْدَ قَوْلِهِ : الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِي بَعْدَهُ ابْتِدَاءٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ بَعْضِ الْمَلَائِكَةِ ، لَا حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ الْمُؤْمِنِ . وَالِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثَةُ مَذْكُورَةٌ فِي التَّفْسِيرِ .

وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِبْهَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَائِلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْيَرْبُوعِيُّ الْكُوفِيُّ ، نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ . قَوْلُهُ : ( سُئِلَ ) أَبْهَمَ السَّائِلَ ، وَهُوَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ ، وَحَدِيثُهُ فِي الْعِتْقِ .

قَوْلُهُ : ( قِيلَ ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْجِهَادُ ) وَقع فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بن أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ثُمَّ جِهَادٌ فَوَاخَى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي التَّنْكِيرِ ، بِخِلَافِ مَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْإِيمَانُ لَا يَتَكَرَّرُ كَالْحَجِّ ، وَالْجِهَادُ قَدْ يَتَكَرَّرُ ، فَالتَّنْوِينُ لِلْإِفْرَادِ الشَّخْصِيِّ ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْكَمَالِ . إِذِ الْجِهَادُ لَوْ أَتَى بِهِ مَرَّةً مَعَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى التَّكْرَارِ لَمَا كَانَ أَفْضَلَ .

وَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ بِأَنَّ التَّنْكِيرَ مِنْ جُمْلَةِ وُجُوهِهِ التَّعْظِيمُ ، وَهُوَ يُعْطِي الْكَمَالَ . وَبِأَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ جُمْلَةِ وُجُوهِهِ الْعَهْدُ ، وَهُوَ يُعْطِي الْإِفْرَادَ الشَّخْصِيِّ ، فَلَا يُسَلَّمُ الْفَرْقُ . قُلْتُ : وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا أَنَّ التَّنْكِيرَ وَالتَّعْرِيفَ فِيهِ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ; لِأَنَّ مَخْرَجَهُ وَاحِدٌ ، فَالْإِطَالَةُ فِي طَلَبِ الْفَرْقِ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ طَائِلَةٍ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .

قَوْلُهُ : ( حَجٌّ مَبْرُورٌ ) أَيْ مَقْبُولٌ ، وَمِنْهُ بَرَّ حَجُّكُ ، وَقِيلَ الْمَبْرُورُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ إِثْمٌ ، وَقِيلَ الَّذِي لَا رِيَاءَ فِيهِ . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجِهَادَ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ وَذَكَرَ الْعِتْقَ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ الْبِرِّ ثُمَّ الْجِهَادِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرَ السَّلَامَةَ مِنَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : اخْتِلَافُ الْأَجْوِبَةِ فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، وَاحْتِيَاجِ الْمُخَاطَبِينَ ، وَذَكَرَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ السَّائِلُ وَالسَّامِعُونَ وَتَرَكَ مَا عَلِمُوهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ لَفْظَةَ مِنْ مُرَادَةٌ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ أَعْقَلُ النَّاسِ وَالْمُرَادُ مِنْ أَعْقَلِهِمْ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ : خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ بِذَلِكَ خَيْرَ النَّاسِ ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَدَّمَ الْجِهَادَ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ عَلَى الْحَجِّ وَهُوَ رُكْنٌ ؟ فَالْجَوَابُ : إنَّ نَفْعَ الْحَجِّ قَاصِرٌ غَالِبًا ، وَنَفْعَ الْجِهَادِ مُتَعَدٍّ غَالِبًا ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ - وَوُقُوعُهُ فَرْضَ عَيْنٍ إِذْ ذَاكَ مُتَكَرِّرٌ - فَكَانَ أَهَمَّ مِنْهُ فَقُدِّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث