بَاب زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
بَاب زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَقَالَ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ . 44 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ ، وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : قَالَ أَبَانُ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ إِيمَانٍ ، مَكَانَ ، مِنْ خَيْرٍ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ ) تَقَدَّمَ لَهُ قَبْلُ بِسِتَّةَ عَشَرَ بَابًا بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ هُنَا ، فَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ تَكْرَارٌ ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمَّا كَانَتِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْأَعْمَالِ أَوْ بِاعْتِبَارِ التَّصْدِيقِ ، تَرْجَمَ لِكُلٍّ مِنَ الِاحْتِمَالَيْنِ ، وَخَصَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ بِالْأَعْمَالِ لِأَنَّ سِيَاقَهُ لَيْسَ فِيهِ تَفَاوُتٌ بَيْنَ الْمَوْزُونَاتِ ، بِخِلَافِ حَدِيثِ أَنَسٍ فَفِيهِ التَّفَاوُتُ فِي الْإِيمَانِ الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ مِنْ وَزْنِ الشَّعِيرَةِ وَالْبُرَّةِ وَالذَّرَّةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : التَّفَاوُتُ فِي التَّصْدِيقِ عَلَى قَدْرِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ ، فَمَنْ قَلَّ عِلْمُهُ كَانَ تَصْدِيقُهُ مَثَلًا بِمِقْدَارِ ذَرَّةٍ ، وَالَّذِي فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ تَصْدِيقُهُ بِمِقْدَارِ بُرَّةٍ ، أَوْ شَعِيرَةٍ . إِلَّا أَنَّ أَصْلَ التَّصْدِيقِ الْحَاصِلِ فِي قَلْبِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النُّقْصَانُ ، وَيَجُوزُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ بِزِيَادَةِ الْعِلْمِ وَالْمُعَايَنَةِ ، انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِمَا يُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَوَقَعَ الِاسْتِدْلَالُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِنَظِيرِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ، لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنَ الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الرَّقِّيِّ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ : إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ : الْإِيمَانُ كَلَامٌ ، فَقَالَ : كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ الْأَحْكَامُ ، فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَهُمْ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ فَفَعَلُوا ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلُوا مَا نَفَعَهُمُ الْإِقْرَارُ .
فَذَكَرَ الْأَرْكَانَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مَا تَتَابَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَرَائِضِ وَقَبُولَهُمْ قَالَ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الْآيَةَ . فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَسَلًا أَوْ مُجُونًا أَدَّبْنَاهُ عَلَيْهِ وَكَانَ نَاقِصَ الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا كَانَ كَافِرًا . انْتَهَى مُلَخَّصًا .
وَتَبِعَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَزَادَ : إِنَّ بَعْضَ الْمُخَالِفِينَ لَمَّا أُلْزِمَ بِذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ مَجْمُوعَ الدِّينِ ، إِنَّمَا الدِّينُ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ : الْإِيمَانُ جُزْءٌ ، وَالْأَعْمَالُ جُزْءَانِ لِأَنَّهَا فَرَائِضُ وَنَوَافِلُ . وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَالْإِسْلَامُ حَيْثُ أُطْلِقَ مُفْرَدًا دَخَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ . فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ أَعَادَ فِي هَذَا الْبَابِ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَتَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَعَادَهُمَا لِيُوَطِّئَ بِهِمَا مَعْنَى الْكَمَالِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ ; لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا نَصٌّ فِي الزِّيَادَةِ ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ النَّقْصَ .
وَأَمَّا الْكَمَالُ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الزِّيَادَةِ ، بَلْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّقْصِ فَقَطْ ، وَاسْتِلْزَامُهُ لِلنَّقْصِ يَسْتَدْعِي قَبُولَهُ الزِّيَادَةَ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَدَلَ فِي التَّعْبِيرِ لِلْآيَةِ الثَّالِثَةِ عَنْ أُسْلُوبِ الْآيَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ أَوَّلًا وَقَوْلُ اللَّهِ وَقَالَ ثَانِيًا وَقَالَ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ آيَةَ : أَكْمَلْتُ لَكُمْ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى مُرَادِهِ ; لِأَنَّ الْإِكْمَالَ إِنْ كَانَ بِمَعْنَى إِظْهَارِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُخَالِفِينَ أَوْ بِمَعْنَى إِظْهَارِ أَهْلِ الدِّينِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَلَا حُجَّةَ لِلْمُصَنِّفِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى إِكْمَالِ الْفَرَائِضِ لَزِمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ نَاقِصًا ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ كَانَ إِيمَانُهُ نَاقِصًا ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَمْ يَزَلْ تَامًّا . وَيُوَضِّحُ دَفْعَ هَذَا الِاعْتِرَاضِ جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ النَّقْصَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ ، لَكِنَّ مِنْهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الذَّمُّ وَمِنْهُ مَا لَا يَتَرَتَّبُ ، فَالْأَوَّلُ مَا نَقْصُهُ بِالِاخْتِيَارِ كَمَنْ عَلِمَ وَظَائِفَ الدِّينِ ثُمَّ تَرَكَهَا عَمْدًا ، وَالثَّانِي مَا نَقْصُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ كَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ لَمْ يُكَلَّفْ ، فَهَذَا لَا يُذَمُّ بَلْ يُحْمَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ قَلْبُهُ مُطَمْئِنًا بِأَنَّهُ لَوْ زِيدَ لَقَبِلَ وَلَوْ كُلِّفَ لَعَمِلَ ، وَهَذَا شَأْنُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ . وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ النَّقْصَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ صُورِيٌّ نِسْبِيٌّ ، وَلَهُمْ فِيهِ رُتْبَةُ الْكَمَالِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى .
وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ شَرْعَ مُحَمَّدٍ أَكْمَلُ مِنْ شَرْعِ مُوسَى وَعِيسَى لِاشْتِمَالِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَى مَا لَمْ يَقَعْ فِي الْكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ ، وَمَعَ هَذَا فَشَرْعُ مُوسَى فِي زَمَانِهِ كَانَ كَامِلًا ، وَتَجَدَّدَ فِي شَرْعِ عِيسَى بَعْدَهُ مَا تَجَدَّدَ ، فَالْأَكْمَلِيَّةُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ كَمَا تَقَرَّرَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( هِشَامٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ ، يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ ، وَفِي طَبَقَتِهِ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ لَكِنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ .
قَوْلُهُ : ( يَخْرُجُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الرَّاءِ ، وَيُرْوَى بِالْعَكْسِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَخْرِجُوا . قَوْلُهُ : ( مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ النُّطْقِ بِالتَّوْحِيدِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ هُنَا الْقَوْلُ النَّفْسِيُّ ، فَالْمَعْنَى مَنْ أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَصَدَقَ ، فَالْإِقْرَارُ لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَلِهَذَا أَعَادَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ . وَالتَّفَاوُتُ يَحْصُلُ فِي التَّصْدِيقِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُرِ الرِّسَالَةَ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعُ ، وَصَارَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ عَلَمًا عَلَيْهِ كَمَا تَقُولُ : قَرَأْتُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾أَيِ : السُّورَةَ كُلَّهَا . قَوْلُهُ : ( بُرَّةٌ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَهِيَ الْقَمْحَةُ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ وَزْنَ الْبُرَّةِ دُونَ وَزْنِ الشَّعِيرَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ الشَّعِيرَةَ وَتَلَاهَا بِالْبُرَّةِ ثُمَّ الذَّرَّةِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ السِّيَاقَ بِالْوَاوِ وَهِيَ لَا تُرَتِّبُ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ ثُمَّ وَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ .
قَوْلُهُ : ( ذَرَّةٌ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَصَحَّفَهَا شُعْبَةُ - فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْهُ - فَقَالَ ذُرَةٌ بِالضَّمِّ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ ، وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُهَا مِنَ الْحُبُوبِ ، فَنَاسَبَتِ الشَّعِيرَةَ وَالْبُرَّةَ . قَالَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ يَزِيدُ : صَحَّفَ فِيهَا أَبُو بِسْطَامٍ ، يَعْنِي شُعْبَةَ . وَمَعْنَى الذَّرَّةِ قِيلَ : هِيَ أَقَلُّ الْأَشْيَاءِ الْمَوْزُونَةِ ، وَقِيلَ : هِيَ الْهَبَاءُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ ، وَقِيلَ : هِيَ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا وَضَعْتَ كَفَّكَ فِي التُّرَابِ ثُمَّ نَفَضْتَهَا فَالسَّاقِطُ هُوَ الذَّرُّ .
وَيُقال : إن أَرْبَعَ ذَرَّاتٍ وَزْنُ خَرْدَلَةٍ . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي أَوَاخِرِ التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : أُدْخِلَ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ خَرْدَلَةٌ ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَيْءٍ وَهَذَا مَعْنَى الذَّرَّةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبَانُ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ .
قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفَائِدَةُ إِيرَادِ الْمُصَنِّفِ لَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا تَصْرِيحُ قَتَادَةَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ عَنْ أَنَسٍ ، ثَانِيَتُهُمَا تَعْبِيرُهُ فِي الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ : مِنْ إِيمَانٍ بَدَلَ قَوْلِهِ : مِنْ خَيْرٍ ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ هُنَا الْإِيمَانُ .
فَإِنْ قِيلَ عَلَى الْأُولَى لِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِطَرِيقِ أَبَانَ السَّالِمَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ وَيَسُوقُهَا مَوْصُولَةً ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ أَبَانَ وَإِنْ كَانَ مَقْبُولًا لَكِن هِشَام أَتْقَنُ مِنْهُ وَأَضْبَطُ . فَجَمَعَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ . وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ هَذَا الْمَتْنِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَرِجَالُ هَذَا الْحَدِيثِ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ .