بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قال : حدثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قال : سمعت جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمْ الْآنَ ثُمَّ قَالَ : اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ) الْمَسْمُوعُ مِنْ جَرِيرٍ حَمْدَ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ ، فَالتَّقْدِيرُ : سَمِعْتُ جَرِيرًا حَمِدَ اللَّهَ ، وَالْبَاقِي شَرْحٌ لِلْكَيْفِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ) كَانَ الْمُغِيرَةُ وَالِيًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَاسْتَنَابَ عِنْدَ مَوْتِهِ ابْنَهُ عُرْوَةَ ، وَقِيلَ : اسْتَنَابَ جَرِير الْمَذْكُورَ ، وَلِهَذَا خَطَبَ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ ، حَكَى ذَلِكَ الْعَلَائِيُّ فِي أَخْبَارِ زِيَادٍ .
وَالْوَقَارُ بِالْفَتْحِ : الرَّزَانَةُ ، وَالسَّكِينَةُ : السُّكُونُ . وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ مُقَدِّمًا لِتَقْوَى اللَّهِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ وَفَاةَ الْأُمَرَاءِ تُؤَدِّي إِلَى الِاضْطِرَابِ وَالْفِتْنَةِ ، وَلَا سِيَّمَا مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِذْ ذَاكَ مِنْ مُخَالَفَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ ) أَيْ بَدَلَ الْأَمِيرِ الَّذِي مَاتَ .
وَمَفْهُومُ الْغَايَةِ هُنَا ، وهو أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ يَنْتَهِي بِمَجِيءِ الْأَمِيرِ لَيْسَ مُرَادًا ، بَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ بَعْدَ مَجِيءِ الْأَمِيرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَشَرْطُ اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ . قَوْلُهُ : ( الْآنَ ) أَرَادَ بِهِ تَقْرِيبَ الْمُدَّةِ تَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ الْمُغِيرَةِ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى الْبَصْرَةِ ، وهو زِيَادٌ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْكُوفَةِ أَمِيرًا عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ ) أَيِ اطْلُبُوا لَهُ الْعَفْوَ مِنَ اللَّهِ ، كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ : اسْتَغْفِرُوا بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَزِيَادَةِ رَاءٍ وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي الْمُسْتَخْرَجِ .
قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْجَزَاءَ يَقَعُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ . قَوْلُهُ : ( قلب أُبَايِعُكَ ) تَرَكَ أَدَاةَ الْعَطْفِ إِمَّا لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ أَتَيْتُ أَوِ اسْتِئْنَافٌ . قَوْلُهُ : ( وَالنُّصْحِ ) بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى مُقَدَّرِ ، أَيْ : شَرَطَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالنَّصِيحَةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ شَفَقَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ : ( عَلَى هَذَا ) أَيْ : عَلَى مَا ذُكِرَ . قَوْلُهُ : ( وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ ) مُشْعِرٌ بِأَنَّ خُطْبَتَهُ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى جِهَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى شَرَفِ الْمُقْسَمِ بِهِ لِيَكُونَ أَدْعَى لِلْقَبُولِ . قَوْلُهُ : ( لَنَاصِحٌ ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ وَفَّى بِمَا بَايَعَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ، وَأَنَّ كَلَامَهُ خَالِصٌ عَنِ الْغَرَضِ .
قَوْلُهُ : ( وَنَزَلَ ) مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، أَوِ الْمُرَادُ قَعَدَ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ : قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى . ( فَائِدَةٌ ) : التَّقْيِيدُ بِالْمُسْلِمِ لِلْأَغْلَبِ ، وَإِلَّا فَالنُّصْحُ لِلْكَافِرِ مُعْتَبَرٌ بِأَنْ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُشَارُ عَلَيْهِ بِالصَّوَابِ إِذَا اسْتَشَارَ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْبَيْعِ على بيعه وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَجَزَمَ أَحْمَدُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ .
( فَائِدَةٌ أُخْرَى ) : خَتَمَ الْبُخَارِيُّ كِتَابَ الْإِيمَانِ بِبَابِ النَّصِيحَةِ مُشِيرًا إِلَى أَنَّهُ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ فِي الْإِرْشَادِ إِلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ دُونَ السَّقِيمِ ، ثُمَّ خَتَمَهُ بِخُطْبَةِ جَرِيرٍ الْمُتَضَمِّنَةِ لِشَرْحِ حَالِهِ فِي تَصْنِيفِهِ فَأَوْمَأَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الْآنَ إِلَى وُجُوبِ التَّمَسُّكِ بِالشَّرَائِعِ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يُقِيمُهَا ، إِذْ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مَنْصُورَةً ، وَهُمْ فُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَبِقَوْلِهِ اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ إِلَى طَلَبِ الدُّعَاءِ لَهُ لِعَمَلِهِ الْفَاضِلِ . ثُمَّ خَتَمَ بِقَوْلِ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ فَأَشْعَرَ بِخَتْمِ الْبَابِ .
ثُمَّ عَقَّبَهُ بِكِتَابِ الْعِلْمِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّصِيحَةِ أَنَّ مُعْظَمَهَا يَقَعُ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ . ( خَاتِمَةٌ ) : اشْتَمَلَ كِتَابُ الْإِيمَانِ وَمُقَدِّمَتُهُ مِنْ بَدْءِ الْوَحْيِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى أحِدٍ وَثَمَانِينَ حَدِيثًا بِالْمُكَرَّرِ مِنْهَا فِي بَدْءِ الْوَحْيِ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَفِي الْإِيمَانِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ، مِنْهَا فِي الْمُتَابَعَاتِ بِصِيغَةِ الْمُتَابَعَةِ أَوِ التَّعْلِيقِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ ، فِي بَدْءِ الْوَحْيِ ثَمَانِيَةٌ ، وَفِي الْإِيمَانِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، وَمِنَ الْمَوْصُولِ الْمُكَرَّرِ ثَمَانِيَةٌ ، وَمِنَ التَّعْلِيقِ الَّذِي لَمْ يُوصَلْ فِي مَكَانٍ آخَرَ ثَلَاثَةٌ ، وَبَقِيَّةُ ذَلِكَ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا مَوْصُولَةٌ بِغَيْرِ تَكْرِيرٍ . وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا إِلَّا سَبْعَةً وَهِيَ : الشَّعْبِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْمُسْلِمِ وَالْمُهَاجِرِ ، وَالْأَعْرَجُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي : حُبِّ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَابْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي : الْفِرَارِ مِنَ الْفِتَنِ ، وَأَنَسٌ ، عَنْ عُبَادَةَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَسَعِيدٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الدِّينِ يُسْرٌ ، وَالْأَحْنَفُ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فِي الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ ، وَهِشَامٌ ، عن أبيه عَنْ عَائِشَةَ فِي : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ .
وَجَمِيعُ مَا فِيهِ مِنَ الْمَوْقُوفَاتِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَثَرًا مُعَلَّقَةٌ ، غَيْرَ أَثَرِ ابْنِ النَّاطُورِ فَهُوَ مَوْصُولٌ . وَكَذَا خُطْبَةُ جَرِيرٍ الَّتِي خَتَمَ بِهَا كِتَابَ الْإِيمَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .