حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ

بَاب الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَرَّثُوا الْعِلْمَ مَنْ أَخَذَهُ بِحَظٍّ وَافِرٍ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وَقَالَ : وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ وَقَالَ : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : لَوْ وَضَعْتُمْ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حُكمَاءَ فُقَهَاءَ ، وَيُقَالُ : الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْعِلْمِ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، فَلَا يُعْتَبَرَانِ إِلَّا بِهِ ، فَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلنِّيَّةِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْعَمَلِ ، فَنَبَّهَ الْمُصَنِّفٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَسْبِقُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ : إِنَّ الْعِلْمَ لَا يَنْفَعُ إِلَّا بِالْعَمَلِ تَهْوِينُ أَمْرِ الْعِلْمِ وَالتَّسَاهُلُ فِي طَلَبِهِ . قَوْلُهُ : ( فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ ) أَيْ : حَيْثُ قَالَ : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ثُمَّ قَالَ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَالْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِأُمَّتِهِ .

وَاسْتَدَلَّ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ عَنْهُ أَنَّهُ تَلَاهَا فَقَالَ : أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ بَدَأَ بِهِ فَقَالَ : اعْلَمْ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْعَمَلِ ؟ وَيُنْتَزَعُ مِنْهَا دَلِيلُ مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ ; لَكِنَّ النِّزَاعَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ فِي إِيجَابِ تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْقَوَانِينِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ ) بِفَتْحِ أَنَّ ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا ، وَمِنْ هُنَا إِلَى قَوْلِهِ : وَافِرٍ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَحَسَّنَهُ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ ، وَضَعَّفَهُ عِنْدَهُمْ بِاضْطِرَابٍ فِي سَنَدِهِ ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ يَتَقَوَّى بِهَا ، وَلَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا ، فَلِهَذَا لَا يُعَدُّ فِي تَعَالِيقِهِ ، لَكِنْ إِيرَادُهُ لَهُ فِي التَّرْجَمَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا ، وَشَاهِدُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَارِثَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ ، فَلَهُ حُكْمُهُ فِيمَا قَامَ مَقَامَهُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَرَّثُوا ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ ، أَيِ : الْأَنْبِيَاءُ .

وَيُرْوَى بِتَخْفِيفِهَا مَعَ الْكَسْرِ أَيِ : الْعُلَمَاءُ . وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فِيهِ : وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ . قَوْلُهُ : ( بِحَظٍّ ) أَيْ : نَصِيبٍ ( وَافِرٍ ) أَيْ : كَامِلٍ .

قَوْلُهُ : ( وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا ) هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَيْضًا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثٍ غَيْرِ هَذَا ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ . قَالَ : وَلَمْ يُقَلْ لَهُ : صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ : إِنَّ الْأَعْمَشَ دَلَّسَ فِيهِ ، فَقَالَ : حَدَّثْتُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ . قُلْتُ : لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ فَانْتَفَتْ تُهْمَةُ تَدْلِيسِهِ .

قَوْلُهُ : ( طَرِيقًا ) نَكَّرَهَا وَنَكَّرَ عِلْمًا لِيتَنَاوُلِ أَنْوَاعِ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى تَحْصِيلِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ ، وَلِيَنْدَرِجَ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ . قَوْلُهُ : ( سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا ) أَيْ : فِي الْآخِرَةِ ، أَوْ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْجَنَّةِ . وَفِيهِ بِشَارَةٌ بِتَسْهِيلِ الْعِلْمِ عَلَى طَالِبِهِ ، لِأَنَّ طَلَبَهُ مِنَ الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْجَنَّةِ .

قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ) أَيِ : اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : لِقَوْلِ اللَّهِ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ أَيْ : يَخَافُ مِنَ اللَّهِ مَنْ عَلِمَ قُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : وَمَا يَعْقِلُهَا أَيِ الْأَمْثَالَ الْمَضْرُوبَةَ . قَوْلُهُ : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَيْ : سَمْعَ مَنْ يَعِي وَيَفْهَمُ أَوْ نَعْقِلُ عَقْلَ مَنْ يُمَيِّزُ ، وَهَذِهِ أَوْصَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ .

فَالْمَعْنَى لَوْ كُنَّا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَعَلِمْنَا مَا يَجِبُ عَلَيْنَا فَعَمِلْنَا بِهِ فَنَجَوْنَا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : يُفَهِّمْهُ بِالْهَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مِيمٌ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ بَعْدَ هَذَا بِبَابَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي . وَأَمَّا اللَّفْظُ الثَّانِي فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ .

وَالْفِقْهُ هُوَ الْفَهْمُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا أَيْ : لَا يَفْهَمُونَ ، وَالْمُرَادُ : الْفَهْمُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ) هُوَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَيْضًا ، أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ تَعَلَّمُوا ، إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَالْفِقْهُ بِالتَّفَقُّهِ ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُبْهَمًا اعْتُضِدَ بِمَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَرَوَى الْبَزَّارُ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ مَرْفُوعًا . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِ .

فَلَا يَغْتَرُّ بِقَوْلِهِ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ الْعِلْمُ الْمُعْتَبَرُ إِلَّا الْمَأْخُوذَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَوَرَثَتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ التَّعَلُّمِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ إِلَخْ ) هَذَا التَّعْلِيقُ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ : حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ - يَعْنِي مَالِكَ بْنَ مَرْثَدٍ - عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى ، وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَسْتَفْتُونَهُ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَلَمْ تَنْهَ عَنِ الْفُتْيَا ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَرَقِيبٌ أَنْتَ عَلَيَّ ؟ لَوْ وَضَعْتُمْ . فَذَكَرَ مِثْلَهُ .

وَرُوِّينَاهُ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِيَ خَاطَبَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأَنَّ الَّذِي نَهَاهُ عَنِ الْفُتْيَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ فَاخْتَلَفَ مَعَ مُعَاوِيَةَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : نَزَلَتْ فِيهِمْ وَفِينَا . فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ ، فَحَصَلَتْ مُنَازَعَةٌ أَدَّتْ إِلَى انْتِقَالِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ الْمَدِينَةِ فَسَكَنَ الرَّبَذَةَ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ - إِلَى أَنْ مَاتَ ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ .

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ لَا يَرَى بِطَاعَةِ الْإِمَامِ إِذَا نَهَاهُ عَنِ الْفُتْيَا ; لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَعَلَّهُ أَيْضًا سَمِعَ الْوَعِيدَ فِي حَقِّ مَنْ كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ ، وَسَيَأْتِي لِعَلِيٍّ مَعَ عُثْمَانَ نَحْوُهُ . وَالصَّمْصَامَةُ بِمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ هُوَ السَّيْفُ الصَّارِمُ الَّذِي لَا يَنْثَنِي ، وَقِيلَ : الَّذِي لَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ . قَوْلُهُ : ( هَذِهِ ) إِشَارَةٌ إِلَى الْقَفَا ، وَهُوَ يُذَّكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، وَأُنْفِذُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ : أُمْضِيَ ، وَتُجِيزُوا بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْيَاءِ زَايٌ ، أَيْ : تُكْمِلُوا قَتْلِي ، وَنَكَّرَ كَلِمَةً لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ .

وَالْمُرَادُ بِهِ يُبَلِّغُ مَا تَحَمَّلَهُ فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا يَنْتَهِي عَنْ ذَلِكَ وَلَوْ أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ . وَ لَوْ فِي كَلَامِهِ لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَاحَظَ الِامْتِنَاعُ ، أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ الْإِنْفَاذَ حَاصِلٌ عَلَى تَقْدِيرِ وَضْعِ الصَّمْصَامَةِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ حُصُولِهِ أَوْلَى ، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَاحْتِمَالُ الْمَشَقَّةِ فِيهِ وَالصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى طَلَبًا لِلثَّوَابِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَالْخَطِيبُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ حَسَنٍ .

وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الرَّبَّانِيَّ بِأَنَّهُ الْحَكِيمُ الْفَقِيهُ ، وَوَافَقَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِهِ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ الرَّبَّانِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى الرَّبِّ أَيْ : الَّذِي يَقْصِدُ مَا أَمَرَهُ الرَّبُّ بِقَصْدِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ : قِيلَ لِلْعُلَمَاءِ رَبَّانِيُّونَ ؛ لِأَنَّهُمْ يُرَبُّونَ الْعِلْمَ أَيْ : يَقُومُونَ بِهِ ، وَزِيدَتِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ لِلْمُبَالَغَةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ النِّسْبَةِ : هَلْ هِيَ نِسْبَةٌ إِلَى الرَّبِّ أَوْ إِلَى التَّرْبِيَةِ ، وَالتَّرْبِيَةُ عَلَى هَذَا لِلْعِلْمِ ، وَعَلَى مَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ لِتَعَلُّمِهِ . وَالْمُرَادُ بِصِغَارِ الْعِلْمِ مَا وَضَحَ مِنْ مَسَائِلِهِ ، وَبِكِبَارِهِ مَا دَقَّ مِنْهَا .

وَقِيلَ : يُعَلِّمُهُمْ جُزْئِيَّاتِهِ قَبْلَ كُلِّيَّاتِهِ ، أَوْ فُرُوعَهُ قَبْلَ أُصُولِهِ ، أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ قَبْلَ مَقَاصِدِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : لَا يُقَالُ لِلْعَالِمِ رَبَّانِيٌّ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا مُعَلِّمًا عَامِلًا . ( فَائِدَةٌ ) : اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُورِدَ حَدِيثًا مَوْصُولًا عَلَى شَرْطِهِ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيَّضَ لَهُ لِيُورِدَ فِيهِ مَا يَثْبُتُ عَلَى شَرْطِهِ ، أَوْ يَكُونَ تَعَمَّدَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث