بَاب الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ
بَاب الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ ، وَقَالَ عُمَرُ : تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ 73 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا . قوله : ( بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ ) هو بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ .
قَوْلُهُ : ( فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ ) فِيهِ نَظِيرُ مَا ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ : بِالْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ ، لَكِنَّ هَذَا عَكْسُ ذَاكَ ، أَوْ هُوَ مِنَ الْعَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ إِنْ قُلْنَا : إِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ : تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا ) هُوَ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ : تُجْعَلُوا سَادَةً . زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَيِ : الْبُخَارِيُّ : وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا - إِلَى قَوْلِهِ - سِنِّهِمْ .
أَمَّا أَثَرُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ . فَذَكَرَهُ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَإِنَّمَا عَقَّبَهُ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ : وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا لِيُبَيِّنَ أَنْ لَا مَفْهُومَ لَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَفْهَمَ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ السِّيَادَةَ مَانِعَةٌ مِنَ التَّفَقُّهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِلْمَنْعِ ; لِأَنَّ الرَّئِيسَ قَدْ يَمْنَعُهُ الْكِبْرُ وَالِاحْتِشَامُ أَنْ يَجْلِسَ مَجْلِسَ الْمُتَعَلِّمِينَ ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ عَنْ عَيْبِ الْقَضَاءِ : إِنَّ الْقَاضِيَ إِذَا عُزِلَ لَا يَرْجِعُ إِلَى مَجْلِسِهِ الَّذِي كَانَ يَتَعَلَّمُ فِيهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا تَصَدَّرَ الْحَدَثُ فَاتَهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ .
وَقَدْ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ : غَرِيبِ الْحَدِيثِ فَقَالَ : مَعْنَاهُ تَفَقَّهُوا وَأَنْتُمْ صِغَارٌ ، قَبْلَ أَنْ تَصِيرُوا سَادَةً فَتَمْنَعُكُمُ الْأَنَفَةُ عَنِ الْأَخْذِ عَمَّنْ هُوَ دُونَكُمْ فَتَبْقُوا جُهَّالًا . وَفَسَّرَهُ شِمْرٌ اللُّغَوِيُّ بِالتَّزَوُّجِ ، فَإِنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ صَارَ سَيِّدَ أَهْلِهِ ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ وُلِدَ لَهُ . وَقِيلَ : أَرَادَ عُمَرُ الْكَفَّ عَنْ طَلَبِ الرِّيَاسَةِ لِأَنَّ الَّذِي يَتَفَقَّهُ يَعْرِفُ مَا فِيهَا مِنَ الْغَوَائِلِ فَيَجْتَنِبُهَا .
وَهُوَ حَمْلٌ بَعِيدٌ ، إِذِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : تُسَوَّدُوا السِّيَادَةُ ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ التَّزْوِيجِ ، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الشَّاغِلَةِ لِأَصْحَابِهَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعَلِم . وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مِنَ السَّوَادِ فِي اللِّحْيَةِ فَيَكُونُ أَمْرًا لِلشَّابِّ بِالتَّفَقُّهِ قَبْلَ أَنْ تَسْوَدَّ لِحْيَتُهُ ، أَوْ أَمْرًا لِلْكَهْلِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ سَوَادُ اللِّحْيَةِ إِلَى الشَّيْبِ . وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : مُطَابَقَةُ قَوْلِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ جَعَلَ السِّيَادَةَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْعِلْمِ ، وَأَوْصَى الطَّالِبَ بِاغْتِنَامِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ بُلُوغِ دَرَجَةِ السِّيَادَةِ . وَذَلِكَ يُحَقِّقُ اسْتِحْقَاقَ الْعِلْمِ بِأَنْ يُغْبَطَ صَاحِبُهُ ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِسِيَادَتِهِ . كَذَا قَالَ .
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ : إنَّ الرِّيَاسَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُغْبَطُ بِهَا صَاحِبُهَا فِي الْعَادَةِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْغِبْطَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : الْعِلْمِ ، أَوِ الْجُودِ ، وَلَا يَكُونُ الْجُودُ مَحْمُودًا إِلَّا إِذَا كَانَ بِعِلْمٍ . فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : تَعَلَّمُوا قَبْلَ حُصُولِ الرِّيَاسَةِ لِتُغْبَطُوا إِذَا غُبِطْتُمْ بِحَقٍّ . وَيَقُولُ أَيْضًا : إِنْ تَعَجَّلْتُمُ الرِّيَاسَةَ الَّتِي مِنْ عَادَتِهَا أَنْ تَمْنَعَ صَاحِبَهَا مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ فَاتْرُكُوا تِلْكَ الْعَادَةَ وَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتَحْصُلَ لَكُمُ الْغِبْطَةُ الْحَقِيقِيَّةُ .
وَمَعْنَى الْغِبْطَةِ تَمَنِّي الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرُ مَا لِلْآخَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَسَدِ الَّذِي أُطْلِقَ فِي الْخَبَرِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ ) يَعْنِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَ سُفْيَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظٍ غَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ إِسْمَاعِيلُ ، وَرِوَايَةُ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ قَالَ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : ، عَنْ سَالِمٍ . وَرَوَاهَا مُسْلِمٌ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ .
سَاقَهُ مُسْلِمٌ تَامًّا ، وَاخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا تَامًّا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . فَذَكَرَهُ وَسَنَذْكُرُ مَا تَخَالَفَتْ فِيهِ الرِّوَايَاتُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( قَالَ سَمِعْتُ ) الْقَائِلُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ عَلَى مَا حَرَّرْنَاهُ . قَوْلُهُ : ( لَا حَسَدَ ) الْحَسَدُ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَتَمَنَّى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَعَمُّ ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ التَّرَفُّعِ عَلَى الْجِنْسِ ، فَإِذَا رَأَى لِغَيْرِهِ مَا لَيْسَ لَهُ أَحَبَّ أَنْ يَزُولَ ذَلِكَ عَنْهُ لَهُ لِيَرْتَفِعَ عَلَيْهِ ، أَوْ مُطْلَقًا لِيُسَاوِيَهُ . وَصَاحِبُهُ مَذْمُومٌ إِذَا عَمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ مِنْ تَصْمِيمٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ .
وَيَنْبَغِي لِمَنْ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَكْرَهَهُ كَمَا يَكْرَهُ مَا وُضِعَ فِي طَبْعِهِ مِنْ حُبِّ الْمَنْهِيَّاتِ . وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتِ النِّعْمَةُ لِكَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى . فَهَذَا حُكْمُ الْحَسَدِ بِحَسَبِ حَقِيقَتِهِ ، وَأَمَّا الْحَسَدُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ الْغِبْطَةُ ، وَأَطْلَقَ الْحَسَدَ عَلَيْهَا مَجَازًا ، وَهِيَ أَنْ يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ مَا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ ، وَالْحِرْصُ عَلَى هَذَا يُسَمَّى مُنَافَسَةً ، فَإِنْ كَانَ فِي الطَّاعَةِ فَهُوَ مَحْمُودٌ ، وَمِنْهُ : فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ مَذْمُومٌ ، وَمِنْهُ : وَلَا تَنَافَسُوا .
وَإِنْ كَانَ فِي الْجَائِزَاتِ فَهُوَ مُبَاحٌ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ : لَا غِبْطَةَ أَعْظَمُ - أَوْ أَفْضَلُ - مِنَ الْغِبْطَةِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ . وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّ الطَّاعَاتِ إِمَّا بَدَنِيَّةٌ أَوْ مَالِيَّةٌ أَوْ كَائِنَةٌ عَنْهُمَا ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْبَدَنِيَّةِ بِإِتْيَانِ الْحِكْمَةِ وَالْقَضَاءِ بِهَا وَتَعْلِيمِهَا ، وَلَفْظُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ بِهِ الْعَمَلُ بِهِ مُطْلَقًا ، أَعَمُّ مِنْ تِلَاوَتِهِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا وَمِنْ تَعْلِيمِهِ ، وَالْحُكْمُ وَالْفَتْوَى بِمُقْتَضَاهُ ، فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ لَفْظَيِ الْحَدِيثَيْنِ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَخْنَسِ السُّلَمِيِّ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ، وَيَتَّبِعُ مَا فِيهِ .
وَيَجُوزُ حَمْلُ الْحَسَدِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى حَقِيقَتِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ ، وَالتَّقْدِيرُ نَفْيُ الْحَسَدِ مُطْلَقًا ، لَكِنْ هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ مَحْمُودَتَانِ ، وَلَا حَسَدَ فِيهِمَا فَلَا حَسَدَ أَصْلًا . قَوْلُهُ : ( إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ اثْنَتَيْنِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ ، أَيْ : لَا حَسَدَ مَحْمُودٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ . وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : رَجُلٌ بِالرَّفْعِ ، وَالتَّقْدِيرُ : خَصْلَةُ رَجُلٍ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَهُ .
وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الِاعْتِصَامِ : إِلَّا فِي اثْنَيْنِ . وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : رَجُلٍ بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ أَيْ : خَصْلَةُ رَجُلَيْنِ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِإِضْمَارِ أَعْنِي ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ . قَوْلُهُ : ( مَالًا ) نَكَّرَهُ لِيَشْمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ .
قَوْلُهُ : ( فَسُلِّطَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِلْبَاقِينَ فَسَلَّطَهُ ، وَعَبَّرَ بِالتَّسْلِيطِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى قَهْرِ النَّفْسِ الْمَجْبُولَةِ عَلَى الشُّحِّ . قَوْلُهُ : ( هَلَكَتِهِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْكَافِ أَيْ : إِهْلَاكِهِ ، وَعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا . وَكَمَّلَهُ بِقَوْلِهِ : فِي الْحَقِّ أَيْ : فِي الطَّاعَاتِ لِيُزِيلَ عَنْهُ إِيهَامَ الْإِسْرَافِ الْمَذْمُومِ .
قَوْلُهُ : ( الْحِكْمَةُ ) اللَّامُ لِلْعَهْدِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْقُرْآنُ عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَبْلَ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْحِكْمَةِ كُلُّ مَا مَنَعَ مِنَ الْجَهْلِ وَزَجَرَ عَنِ الْقَبِيحِ . ( فَائِدَةٌ ) : زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَسَدِ الْمَذْكُورِ هُنَا الْغِبْطَةُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَفْظُهُ : فَقَالَ رَجُلٌ : لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ . أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ .
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ . فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ اسْتِوَاءُ الْعَالِمِ فِي الْمَالِ بِالْحَقِّ وَالْمُتَمَنِّي فِي الْأَجْرِ ، وَلَفْظُهُ : وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا ، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا ، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ فُلَانٌ ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ، وَذَكَرَ فِي ضِدِّهِمَا : أَنَّهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ وَقَالَ فِيهِ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَإِطْلَاقُ كَوْنِهِمَا سَوَاءٌ يَرُدُّ عَلَى الْخَطَّابِيِّ فِي جَزْمِهِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا قَامَ بِشُرُوطِ الْمَالِ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الْفَقِيرِ .
نَعَمْ يَكُونُ أَفْضَلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ أَعْرَضَ وَلَمْ يَتَمَنَّ ; لَكِنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْهُ هِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْخَصْلَةِ فَقَطْ لَا مُطْلَقًا . وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَدِيثِ : الطَّاعِمِ الشَّاكِرِ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .