بَاب مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بِإِشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ
حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ سَالِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُقْبَضُ الْعِلْمُ ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْهَرْجُ ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ ) هُوَ اسْمٌ وَلَيْسَ بِنَسَبٍ ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ الْمَدَنِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَالِمٍ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ .
وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ الرَّاوِي عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ : سَمِعْتُ سَالِمًا ، وَزَادَ فِيهِ : لَا أَدْرِي كَمْ رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَائِمًا فِي السُّوقِ يَقُولُ : يُقْبَضُ الْعِلْمُ فَذَكَرَهُ مَوْقُوفًا ، لَكِنْ ظَهَرَ فِي آخِرِهِ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ . قَوْلُهُ : ( يُقْبَضُ الْعِلْمُ ) يُفَسَّرُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا : يُرْفَعُ الْعِلْمُ وَالْقَبْضُ يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْآتِي بَعْدَ أَنَّهُ يَقَعُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ ) هُوَ مِنْ لَازِمِ ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( وَالْفِتَنُ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ : وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ . قَوْلُهُ : ( الْهَرْجُ ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا جِيمٌ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ ) هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ .
قَوْلُهُ : ( فَحَرَّفَهَا ) الْفَاءُ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ كَأَنَّ الرَّاوِيَ بَيَّنَ أَنَّ الْإِيمَاءَ كَانَ مُحَرَّفًا . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ ) كَأَنَّ ذَلِكَ فُهِمَ مِنْ تَحْرِيفِ الْيَدِ وَحَرَكَتِهَا كَالضَّارِبِ ; لَكِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ أَرَهَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ وَكَأَنَّهَا مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاوِي عَنْ حَنْظَلَةَ ، فَإِنَّ أَبَا عَوَانَةَ رَوَاهُ عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَأَرَانَا أَبُو عَاصِمٍ كَأَنَّهُ يَضْرِبُ عُنُقَ الْإِنْسَانِ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْهَرْجُ هُوَ الْفِتْنَةُ ، فَإِرَادَةُ الْقَتْلِ مِنْ لَفْظِهِ عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ إِذْ هُوَ لَازِمُ مَعْنَى الْهَرْجِ ، قَالَ : إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ وُرُودُ الْهَرْجِ بِمَعْنَى الْقَتْلِ لُغَةً . قُلْتُ : وَهِيَ غَفْلَةٌ عَمَّا فِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ .
وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ . وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .