بَاب مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا . قَوْلُهُ : ( إِذَا تَكَلَّمَ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مِثْلُ هَذَا التَّرْكِيبِ يُشْعِرُ بِالِاسْتِمْرَارِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ . قَوْلُهُ : ( بِكَلِمَةٍ ) أَيْ : بِجُمْلَةٍ مُفِيدَةٍ .
قَوْلُهُ : ( أَعَادَهَا ثَلَاثًا ) قَدْ بَيَّنَ الْمُرَادَ بِذَلِكَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، وَالْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ حَتَّى تُعْقَلَ عَنْهُ . وَوَهِمَ الْحَاكِمُ فِي اسْتِدْرَاكِهِ وَفِي دَعْوَاهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْهُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى ، انْتَهَى . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى مِمَّنْ تَفَرَّدَ الْبُخَارِيُّ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِهِ دُونَ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ، وَأَبُو حَاتِمٍ : صَالِحٌ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ .
قُلْتُ : لَعَلَّهُ أَرَادَ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَيْثُ يُخَرِّجُ لِبَعْضِ مَنْ فِيهِ مَقَالٌ لَا يُخَرِّجُ شَيْئًا مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ . وَقَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ أَرَادَ بِهِ فِي حَدِيثٍ بِعَيْنِهِ سُئِلَ عَنْهُ ، وَقَدْ قَوَّاهُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ . وَفِي الْجُمْلَةِ فَالرَّجُلُ إِذَا ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ الْجَرْحُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُفَسَّرًا بِأَمْرٍ قَادِحٍ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى هَذَا .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ لَمَّا ذَكَرَهُ فِي الثِّقَاتِ : رُبَّمَا أَخْطَأَ . وَالَّذِي أُنْكِرَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ غَيْرِ عَمِّهِ ثُمَامَةَ ، وَالْبُخَارِيُّ إِنَّمَا أَخْرَجَ لَهُ عَنْ عَمِّهِ هَذَا الْحَدِيثَ وَغَيْرَهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّجُلَ أَضْبَطُ لِحَدِيثِ آلِ بَيْتِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : نَبَّهَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى الرَّدِّ مَنْ كَرِهَ إِعَادَةَ الْحَدِيثِ ، وَأَنْكَرَ عَلَى الطَّالِبِ الِاسْتِعَادَةَ وَعَدَّهُ مِنَ الْبَلَادَةِ ، قَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ ، فَلَا عَيْبَ عَلَى الْمُسْتَفِيدِ الَّذِي لَا يَحْفَظُ مِنْ مَرَّةٍ إِذَا اسْتَعَادَ ، وَلَا عُذْرَ لِلْمُفِيدِ إِذَا لَمْ يُعِدْ بَلِ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِ آكَدُ مِنَ الِابْتِدَاءِ ; لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : فِيهِ أَنَّ الثَّلَاثَ غَايَةٌ مَا يَقَعُ بِهِ الِاعْتِذَارُ وَالْبَيَانُ قَوْلُهُ : ( وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ ) أَيْ : وَكَانَ إِذَا أَتَى .
قَوْلُهُ : ( فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ) هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ الشَّرْطِ ، وَقَوْلُهُ : سَلَّمَ عَلَيْهِمْ هُوَ الْجَوَابُ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَامَ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا أَنْ يَمُرَّ الْمَارُّ مُسَلِّمًا فَالْمَعْرُوفُ عَدَمُ التَّكْرَارِ . قُلْتُ : وَقَدْ فَهِمَ الْمُصَنِّفُ هَذَا بِعَيْنِهِ فَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ مَقْرُونًا بِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى فِي قِصَّتِهِ مَعَ عُمَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِئْذَانِ ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَقَعُ أَيْضًا مِنْهُ إِذَا خَشِيَ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ سَلَامُهُ . وَمَا ادَّعَاهُ الْكِرْمَانِيُّ مِنْ أَنَّ الصِّيغَةَ الْمَذْكُورَةَ تُفِيدُ الِاسْتِمْرَارَ مِمَّا يُنَازَعُ فِيهِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .