حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ

بَاب تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ 97 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ - ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ ، قَالَ : قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ : ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ : رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا ، فَلَهُ أَجْرَانِ . ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ : أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ ) مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ فِي الْأَمَةِ بِالنَّصِّ وَفِي الْأَهْلِ بِالْقِيَاسِ ، إِذْ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَهْلِ الْحَرَائِرِ فِي تَعْلِيمِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِهِ آكَدُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ بِالْإِمَاءِ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ سَلَّامٍ ، وَلِلْأَصِيلِيِّ : ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَسْبُ ، وَاعْتَمَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ، فَقَالَ : رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، قِيلَ : هُوَ ابْنُ سَلَّامٍ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَحَدِيثٌ آخَرُ فِي الْعِيدَيْنِ ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ بَلَدِهِمْ صَحَّفَ الْمُحَارِبِيَّ ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ ، فَأَخْطَأَ خَطَأً فَاحِشًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ ) هُوَ صَالِحُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ حَيَّانَ نُسِبَ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَلَقَبُهُ حَيٌّ وَهُوَ أَشْهَرُ بِهِ مِنِ اسْمِهِ ، وَكَذَا مَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ يُقَالُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ غَالِبًا : فُلَانُ ابْنُ حَيٍّ كَصَالِحِ بْنِ حَيٍّ هَذَا .

وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ ، وَفِي طَبَقَتِهِ رَاوٍ آخَرُ كُوفِيٌّ أَيْضًا - يُقَالُ لَهُ : صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ الْقُرَشِيُّ - لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ وَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَخْرَجَ لِصَالِحِ بْنِ حَيٍّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْرُوفٌ بِرِوَايَتِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ دُونَ الْقُرَشِيِّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ طُرُقٍ : مِنْهَا فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ أَبُو حَيَّانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ ، وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَهُ هُنَا ، فَقَالَ : صَالِحُ بْنُ حَيٍّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ عَامِرٌ ) أَيْ : قَالَ صَالِحٌ : قَالَ عَامِرٌ ، وَعَادَتُهُمْ حَذْفُ قَالَ إِذَا تَكَرَّرَتْ خَطًّا لَا نُطْقًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعِتْقِ وَغَيْرِهِ .

قَوْلُهُ : ( ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ ) ثَلَاثَةٌ مُبْتَدَأٌ ، وَالتَّقْدِيرُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ أَوْ رِجَالٌ ثَلَاثَةٌ ، وَلَهُمْ أَجْرَانِ خَبَرُهُ . قَوْلُهُ : ( رَجُلٌ ) هُوَ بَدَلُ تَفْصِيلٍ ، أَوْ بَدَلُ كُلٍّ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَجْمُوعِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) لَفْظُ الْكِتَابِ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ خَاصٌّ ، أَيِ : الْمُنَزَّلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ كَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَيْثُ يُطْلَقُ أَهْلُ الْكِتَابِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِنْجِيلُ خَاصَّةً إِنْ قُلْنَا : إِنَّ النَّصْرَانِيَّةَ نَاسِخَةٌ لِلْيَهُودِيَّةِ ، كَذَا قَرَّرَهُ جَمَاعَةٌ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اشْتِرَاطِ النَّسْخِ لِأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِلَا خِلَافٍ ، فَمَنْ أَجَابَهُ مِنْهُمْ نُسِبَ إِلَيْهِ ، وَمَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ ; لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ .

نَعَمْ مَنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَتُهُ ، يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ مُؤْمِنٌ ، إِذْ هُوَ مُؤْمِنٌ بِنَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُكَذِّبْ نَبِيًّا آخَرَ بعده ، فَمَنْ أَدْرَكَ بَعْثَةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَآمَنَ بِهِ لَا يُشْكِلُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْعَرَبُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ ، وَلَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِكَوْنِهِ أُرْسِلَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصَّةً . نَعَمِ الْإِشْكَالُ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُوَافِقَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ آمَنُوا مِنْهُمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ ، فَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِيَّ وَفِيمَنْ آمَنَ مَعِي . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ : خَرَجَ عَشَرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - مِنْهُمْ أَبُي رِفَاعَةَ - إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَآمَنُوا بِهِ فَأُوذُوا ، فَنَزَلَتْ : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ الْآيَاتِ ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ إِلَى أَنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : فَيُحْتَمَلُ إِجْرَاءُ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ ، إِذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ طَرَيَانُ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَبًا لِقَبُولِ تِلْكَ الْأَدْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ مَنْسُوخَةً ، انْتَهَى .

وَسَأَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ بَعْدُ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ : إِنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْتَشِرْ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ ، فَاسْتَمَرُّوا عَلَى يَهُودِيَّتِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِنَبِيِّهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( فَوَائِدُ ) : الْأُولَى : وَقَعَ فِي شَرْحِ ابْنِ التِّينِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَهُوَ صَوَابٌ فِي عَبْدِ اللَّهِ خَطَأٌ فِي كَعْبٍ ; لِأَنَّ كَعْبًا لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَلَمْ يُسْلِمْ إِلَّا فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَالَّذِي فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْهِجْرَةِ ، وَسَلْمَانَ كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبُيُوعِ .

وَهُمَا صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ . الثَّانِيَةُ : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْكِتَابِيُّ الَّذِي يُضَاعَفُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ هُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْحَقِّ فِي شَرْعِهِ عَقْدًا وَفِعْلًا إِلَى أَنْ آمَنَ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُؤْجَرُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، انْتَهَى . وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ : أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ ، وَهِرَقْلُ كَانَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ بَحْثَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ .

الثَّالِثَةُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيُّ وَغَيْرُهُ : إِنَّ الْحَدِيثَ لَا يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ الْبَتَّةَ ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ : إِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ جَمِيعَ الْأُمَمِ فِيمَا فَعَلُوهُ مِنْ خَيْرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْآتِي : أَسْلَمْتُ عَلَى مَا أَسْلَفْتُ مِنْ خَيْرٍ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُمْ إِلَّا بِقِيَاسِ الْخَيْرِ عَلَى الْإِيمَانِ . وَأَيْضًا فَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِهِ : آمَنَ بِنَبِيِّهِ الْإِشْعَارُ بِعِلِّيَّةِ الْأَجْرِ ، أَيْ : أَنَّ سَبَبَ الْأَجْرَيْنِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّينَ ، وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا كَذَلِكَ .

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ فَمَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ مِنْهُمْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهِ ، وَكَذَا مَنْ كَذَّبَهُ مِنْهُمْ كَانَ وِزْرُهُ أَشَدَّ مِنْ وِزْرِ غَيْرِهِ ، وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَوْنِ الْوَحْيِ كَانَ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِهِنَّ . فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَمْ يُذْكَرْنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَكُونُ الْعَدَدُ أَرْبَعَةً ؟ أَجَابَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ قَضِيَّتَهُنَّ خَاصَّةٌ بِهِنَّ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِنَّ ، وَالثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ مُسْتَمِرَّةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَهَذَا مَصِيرُ من شَيْخِنَا إِلَى أَنَّ قَضِيَّةَ مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ مُسْتَمِرَّةٌ ، وَقَدِ ادَّعَى الْكِرْمَانِيُّ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِمَنْ آمَنَ فِي عَهْدِ الْبَعْثَةِ ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ نَبِيَّهُمْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاعْتِبَارِ عُمُومِ بَعْثَتِهِ ، انْتَهَى .

وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَتِمُّ لِمَنْ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ خَصَّهُ بِمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عَهْدِهِ وَبَعْدِهِ ، فَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا أَظْهَرُ . وَالْمُرَادُ بِنِسْبَتِهِمْ إِلَى غَيْرِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَا قَوَّى بِهِ الْكِرْمَانِيُّ دَعْوَاهُ بِكَوْنِ السِّيَاقِ مُخْتَلِفًا حَيْثُ قِيلَ فِي مُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ : رَجُلٌ بِالتَّنْكِيرِ ، وَفِي الْعَبْدِ بِالتَّعْرِيفِ ، وَحَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ : إِذَا الدَّالَّةُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ فَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَجْرَيْنِ لِمُؤْمِنِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَقَعُ فِي الِاسْتِقْبَالِ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ ، انْتَهَى . وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ; لِأَنَّهُ مَشَى فِيهِ مَعَ ظَاهِرِ اللَّفْظِ ، وَلَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الرُّوَاةِ ، بَلْ هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ مُخْتَلِفٌ ، فَقَدْ عَبَّرَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى بِإِذَا فِي الثَّلَاثَةِ ، وَعَبَّرَ فِي النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ : أَيُّمَا رَجُلٍ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي التَّعْمِيمِ ، وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ بِالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ فَلَا أَثَرَ لَهُ هُنَا ؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِلَامِ الْجِنْسِ مُؤَدَّاهُ مُؤَدَّى النَّكِرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

الرَّابِعَةُ : حُكْمُ الْمَرْأَةِ الْكِتَابِيَّةِ حُكْمُ الرَّجُلِ كَمَا هُوَ مُطَّرِدٌ فِي جُلِّ الْأَحْكَامِ حَيْثُ يَدْخُلْنَ مَعَ الرِّجَالِ بِالتَّبَعِيَّةِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ ، وَسَيَأْتِي مَبَاحِثُ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ وَمَبَاحِثُ الْأَمَةِ فِي النِّكَاحِ . قَوْلُهُ : ( فَلَهُ أَجْرَانِ ) هُوَ تَكْرِيرٌ لِطُولِ الْكَلَامِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ ) - أَيِ الشَّعْبِيُّ - أَعْطَيْنَاكَهَا ، ظَاهِرُة أَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ صَالِحًا الرَّاوِي عَنْهُ ; وَلِهَذَا جَزَمَ الْكِرْمَانِيُّ بِقَوْلِهِ : الْخِطَابُ لِصَالِحٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَهُ عَمَّنْ يُعْتِقُ أَمَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا ، كَمَا سَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

قَوْلُهُ : ( بِغَيْرِ شَيْءٍ ) أَيْ : مِنَ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، وَإِلَّا فَالْأَجْرُ الْأُخْرَوِيُّ حَاصِلٌ لَهُ . قَوْلُهُ : ( يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا ) أَيْ : يُرْحَلُ لِأَجْلِ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْهَا كَمَا عِنْدَهُ فِي الْجِهَادِ ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ . قَوْلُهُ : ( إِلَى الْمَدِينَةِ ) أَيِ : النَّبَوِيَّةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ فِي الْبِلَادِ بَعْدَ فُتُوحِ الْأَمْصَارِ وَسَكَنُوهَا ، فَاكْتَفَى أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ بِعُلَمَائِهِ إِلَّا مَنْ طَلَبَ التَّوَسُّعَ فِي الْعِلْمِ فَرَحَلَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي ذَلِكَ ، وَلِهَذَا عَبَّرَ الشَّعْبِيُّ - مَعَ كَوْنِهِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ - بِقَوْلِهِ : كَانَ ، وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَرَّرْنَاهُ .

وإِنَّمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ذَلِكَ تَحْرِيضًا لِلسَّامِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِحِفْظِهِ وَأَجْلَبَ لِحِرْصِهِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانِ . وَقَدْ رَوَى الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ - قَالَ : إِنْ كُنْتُ لَأَرْكَبُ إِلَى الْمِصْرِ مِنَ الْأَمْصَارِ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ . وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ قَالَ : كُنَّا نَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنِ الصَّحَابَةِ ، فَلَا نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَنَسْمَعَهُ مِنْهُمْ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث