بَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ ، فَخَطَبَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ - أَوْ : الْفِيلَ ، شك أَبُو عَبْد اللَّهِ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ . فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ : اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : اكْتُبُوا لِأَبِي فُلَانٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ : إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ إِلَّا الْإِذْخِرَ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : يُقَالُ : يُقَادُ بِالْقَافِ ، فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ ؟ قَالَ : كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُكَنَّى أَبَا مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ ، وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ .
قَوْلُهُ : ( أنَّ خُزَاعَةَ ) أَيِ الْقَبِيلَةَ الْمَشْهُورَةَ ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْقَبِيلَةِ مَجَازًا ، وَاسْمُ هَذَا الْقَاتِلِ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيُّ ، وَالْمَقْتُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْهُمُ اسْمُهُ أَحْمَرُ ، وَالْمَقْتُولُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ بَنِي لَيْثِ لَمْ يُسَمَّ . قَوْلُهُ : ( حَبَسَ ) أَيْ : مَنَعَ عَنْ مَكَّةَ . ( الْقَتْلَ ) أَيْ : بِالْقَافِ وَالْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ ( أَوِ الْفِيلِ ) أَيْ : بِالْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ .
قَوْلُهُ : ( كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ ) أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ شَيْخِهِ . قَوْلُهُ : ( وَغَيْرُهُ يَقُولُ : الْفِيلُ ) أَيْ : بِالْفَاءِ وَلَا يَشُكُّ ، وَالْمُرَادُ بِالْغَيْرِ مَنْ رَوَاهُ عَنْ شَيْبَانَ رَفِيقًا لِأَبِي نُعَيْمٍ ، وَهُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، وَمَنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى رَفِيقًا لِشَيْبَانَ وَهُوَ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ ، وَالْمُرَادُ بِحَبْسِ الْفِيلِ : أَهْلُ الْفِيلِ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الْقِصَّةِ الْمَشْهُورَةِ لِلْحَبَشَةِ فِي غَزْوِهِمْ مَكَّةَ وَمَعَهُمُ الْفِيلُ ، فَمَنَعَهَا اللَّهُ مِنْهُمْ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الطَّيْرَ الْأَبَابِيلَ مَعَ كَوْنِ أَهْلِ مَكَّةَ إِذْ ذَاكَ كَانُوا كُفَّارًا ، فَحُرْمَةُ أَهْلِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ آكَدُ ; لَكِنَّ غَزْوَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا مَخْصُوصٌ بِهِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَرَسُولُ مَرْفُوعٌ ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ .
قَوْلُهُ : ( وَلَا تَحِلُّ ) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ : وَلَمْ تَحِلَّ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللُّقَطَةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى : وَلَنْ وَهِيَ أَلْيَقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ . قَوْلُهُ : ( لَا يُخْتَلَى ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ : لَا يُحْصَدُ ، يُقَالُ : اخْتَلَيْتُهُ إِذَا قَطَعْتُهُ وَذِكْرُ الشَّوْكِ دَالٌّ عَلَى مَنْعِ قَطْعِ غَيْرِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ فِي الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( إِلَّا لِمُنْشِدٍ ) أَيْ مُعَرِّفٌ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَوْلُهُ : ( فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا ، وَفِيهِ حَذْفٌ وَقَعَ بَيَانُهُ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ : فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ . قَوْلُهُ : ( وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ ) هُوَ بِالْقَافِ أَيْ : يَقْتَصُّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ إِمَّا أَنْ يُفَادَى بِالْفَاءِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ بَعْدَ الدَّالِ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ : مَنْ قَالَهَا بِالْقَافِ قَالَ فِيمَا قَبْلَهَا : إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ مِنَ الْعَقْلِ وَهُوَ الدِّيَةُ ، وَمَنْ قَالَهَا بِالْفَاءِ قَالَ فِيمَا قَبْلَهَا : إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ بِالْقَافِ وَالْمُثَنَّاةِ . وَالْحَاصِلُ تَفْسِيرُ النَّظَرَيْنِ بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ بَحْثٌ يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ) هُوَ أَبُو شَاهٍ بِهَاءٍ مُنَوَّنَةٍ ، وَسَيَأْتِي فِي اللُّقَطَةِ مُسَمًّى ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى مَنْ حَرَّفَهُ ، وَهُنَاكَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ : قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ : مَا قَوْلُهُ : اكْتُبُوا لِي ؟ قَالَ : هَذِهِ الْخُطْبَةُ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ : وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ) هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَمَا يَأْتِي فِي اللُّقَطَةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ : يُقَالُ لَهُ : شَاهٌ وَهُوَ غَلَطٌ .
قَوْلُهُ : ( إِلَّا الْإِذْخِرَ ) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِالنَّصْبِ ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ عَلَى الْبَدَلِ مِمَّا قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا الْإِذْخِرَ إِلَّا الْإِذْخِرَ ) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ .