حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب حِفْظِ الْعِلْمِ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ ، قَالَ : ابْسُطْ رِدَاءَكَ ، فَبَسَطْتُهُ ، قَالَ : فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : ضُمَّهُ ، فَضَمَمْتُهُ ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا . أَوْ قَالَ : غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ) هُوَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ أَبُو مُصْعَبٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرُ . وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ أَيْضًا وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( كَثِيرًا ) هُوَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ حَدِيثًا ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ .

قَوْلُهُ : ( فَغَرَفَ ) لَمْ يَذْكُرِ الْمَغْرُوفَ مِنْهُ وَكَأَنَّهَا كَانَتْ إِشَارَةً مَحْضَةً . قَوْلُهُ : ( ضُمَّ ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْبَاقِينَ ضُمَّهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا ، وَقِيلَ : يَتَعَيَّنُ لِأَجْلِ ضَمَّةِ الْهَاءِ ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا لَكِنْ مَعَ إِسْكَانِ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا . قَوْلُهُ : ( فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ ) هُوَ مَقْطُوعُ الْإِضَافَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ ، وَتَنْكِيرُ شَيْئًا بَعْدَ النَّفْيِ ظَاهِرُ الْعُمُومِ فِي عَدَمِ النِّسْيَانِ مِنْهُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ .

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي : فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ . وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عَدَمِ النِّسْيَانِ بِالْحَدِيثِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتَهُ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ النِّسْيَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ فَقَطْ ; لَكِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ يُونُسَ وَمَنْ وَافَقَهُ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ نَبَّهَ بِهِ عَلَى كَثْرَةِ مَحْفُوظِهِ مِنَ الْحَدِيثِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَحْدَهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ وَقَعَتْ لَهُ قَضِيَّتَانِ : فَالَّتِي رَوَاهَا الزُّهْرِيُّ مُخْتَصَّةٌ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، وَالْقَضِيَّةُ الَّتِي رَوَاهَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَامَّةٌ .

وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : تَحَدَّثْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ فَأَنْكَرَهُ ، فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ سَمِعْتَهُ مِنِّي فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي . فَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي تَخْصِيصِ عَدَمِ النِّسْيَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ لَكِنَّ سَنَدَ هَذَا ضَعِيفٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَهُوَ نَادِرٌ . وَيَلْتَحِقُ بِهِ حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ لَا عَدْوَى فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْكَرَهُ .

قَالَ : فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ شَيْئًا غَيْرَهُ . ( فَائِدَةٌ ) : الْمَقَالَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أُبْهِمَتْ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ ، وَقَدْ وَجَدْتُهَا مُصَرَّحًا بِهَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَفِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْمَعُ كَلِمَةً أَوْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ فَيَتَعَلَّمُهُنَّ وَيُعَلِّمُهُنَّ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعْجِزَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ; لِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِنْسَانِ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ مِنْهُ ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَآخَرُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ادْعُوَا . فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبِي وَأَمَّنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لَا يُنْسَى . فَأَمَّنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : سَبَقَكُمَا الْغُلَامُ الدَّوْسِيُّ .

وَفِيهِ : الْحَثُّ عَلَى حِفْظِ الْعِلْمِ ، وَفِيهِ أَنَّ التَّقَلُّلَ مِنَ الدُّنْيَا أَمْكَنُ لِحِفْظِهِ . وَفِيهِ فَضِيلَةُ التَّكَسُّبِ لِمَنْ لَهُ عِيَالٌ ، وَفِيهِ جَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرْءِ بِمَا فِيهِ مِنْ فَضِيلَةٍ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ وَأَمِنَ مِنَ الْإِعْجَابِ . قَوْلُهُ : ( ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا ) أَشْكَلَ قَوْلُهُ بِهَذَا عَلَى بَعْضِ الشَّارِحِينَ ؛ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي فُدَيْكٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ ، فَيَكُونُ مُرَادُهُ أَنَّ السِّيَاقَيْنِ مُتَّحِدَانِ إِلَّا فِي اللَّفْظَةِ الْمُبَيَّنَةِ فِيهِ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ; لِأَنَّ ابْنَ أَبِي فُدَيْكٍ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ لَيْثِيٌّ يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيلَ .

وَابْنُ دِينَارٍ جُهَنِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، لَكِنِ اشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِغَيْرِهِ ، وَفِي كَوْنِهِمَا مَدَنِيَّيْنِ ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَكُلُّ ذَلِكَ غَفْلَةٌ عَمَّا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَدْ سَاقَهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَالْمَتْنُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ إِلَّا فِي قَوْلِهِ : بِيَدَيْهِ فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا بِالْإِفْرَادِ ، وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا : فَغَرَفَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ فَحَذَفَ بَدَلَ فَغَرَفَ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ لِمَا وَضَحَ فِي سِيَاقِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، فَقَالَ : فَغَرَفَ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث