حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ

بَاب الْإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ 121 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ : ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو : ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : اسْتَنْصِتْ النَّاسَ ، فَقَالَ : لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ ) أَيِ السُّكُوتِ وَالِاسْتِمَاعِ لِمَا يَقُولُونَهُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَجَّاجُ ) هُوَ ابْنُ مِنْهَالٍ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ جَرِيرٍ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ ، وَهُوَ جَدُّ أَبِي زُرْعَةَ الرَّاوِي عَنْهُ هُنَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ) ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ لَفْظَ لَهُ زِيَادَةٌ ; لِأَنَّ جَرِيرًا إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِنَحْوٍ مِنْ شَهْرَيْنِ ، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَمَا جَزَمَ بِهِ يُعَارِضُهُ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ ، وَابْنُ حِبَّانَ : إِنَّهُ أَسْلَمَ فِي رَمَضَانِ سَنَةَ عَشْرٍ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِجَرِيرٍ ، وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَيُقَوِّي مَا قَالَ الْبَغَوِيُّ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( يَضْرِبُ ) هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ فِي الرِّوَايَاتِ ، وَالْمَعْنَى : لَا تَفْعَلُوا فِعْلَ الْكُفَّارِ فَتُشْبِهُوهُمْ فِي حَالَةِ قَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا . وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ أَنَّ الْإِنْصَاتَ لِلْعُلَمَاءِ لَازِمٌ لِلْمُتَعَلِّمِينَ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ . كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا مُنَاسَبَةَ التَّرْجَمَةِ لِلْحَدِيثِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالْجَمْعُ كَثِيرٌ جِدًّا ، وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمْ لِرَمْيِ الْجِمَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ ، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، فَلَمَّا خَطَبَهُمْ لِيُعَلِّمَهُمْ نَاسَبَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْإِنْصَاتِ . وَقَدْ وَقَعَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِنْصَاتِ وَالِاسْتِمَاعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ ، فَالْإِنْصَاتُ هُوَ السُّكُوتُ وَهُوَ يَحْصُلُ مِمَّنْ يَسْتَمِعُ وَمِمَّنْ لَا يَسْتَمِعُ كَأَنْ يَكُونَ مُفَكِّرًا فِي أَمْرٍ آخَرَ ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِمَاعُ قَدْ يَكُونُ مَعَ السُّكُوتِ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ النُّطْقِ بِكَلَامٍ آخَرَ لَا يَشْتَغِلُ النَّاطِقُ بِهِ عَنْ فَهْمِ مَا يَقُولُ الَّذِي يَسْتَمِعُ مِنْهُ ، وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ : أَوَّلُ الْعِلْمِ الِاسْتِمَاعُ ، ثُمَّ الْإِنْصَاتُ ، ثُمَّ الْحِفْظُ ، ثُمَّ الْعَمَلُ ، ثُمَّ النَّشْرُ .

وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ تَقْدِيمُ الْإِنْصَاتِ عَلَىِ الِاسْتِمَاعِ . وَقَدْ ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُيَيْنَةَ : أَخْبَرَنِي مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ كَهَمْسٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ : الْإِنْصَاتُ مِنَ الْعَيْنَيْنِ . فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ : وَمَا نَدْرِي كَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِذَا حَدَّثْتَ رَجُلًا فَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْكَ لَمْ يَكُنْ مُنْصِتًا ، انْتَهَى .

وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث