بَاب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ
بَاب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ 146 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْجُبْ نِسَاءَكَ ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي عِشَاءً ، وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً ، فَنَادَاهَا عُمَرُ : أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ ) أَيِ الْفَضَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ رَاءٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ زَايٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَهُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ، وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ الْبِرَازَ بِالْكَسْرِ هُوَ الْمُبَارَزَةُ فِي الْحَرْبِ .
قُلْتُ : بَلْ هُوَ مُوَجَّهٌ لِأَنْ يُطْلَقُ بِالْكَسْرِ عَلَى نَفْسِ الْخَارِجِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْبِرَازُ الْمُبَارَزَةُ فِي الْحَرْبِ ، وَالْبِرَازُ أَيْضًا كِنَايَةٌ عَنْ تُفْلِ الْغِذَاءِ وَهُوَ الْغَائِطٌ ، وَالْبَرَازُ بِالْفَتْحِ الْفَضَاءُ الْوَاسِعُ . انْتَهَى . فَعَلَى هَذَا مَنْ فَتَحَ أَرَادَ الْفَضَاءَ ، فَإِنْ أَطْلَقَهُ عَلَى الْخَارِجِ فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الْغَائِطِ ، وَمَنْ كَسَرَ أَرَادَ نَفْسَ الْخَارِجِ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْإِسْنَادُ بِرُمَّتِهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ ، وَفِيهِ تَابِعِيَّانِ عُرْوَةُ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، وَقَرِينَانِ اللَّيْثُ ، وَعَقِيلٌ . قَوْلُهُ : ( الْمَنَاصِعُ ) بِالنُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ جَمْعُ مَنْصَعٍ بِوَزْنِ مَقْعَدٍ وَهِيَ أَمَاكِنُ مَعْرُوفَةٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَقِيعِ ، قَالَ الدَّاوُدِيُّ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْصَعُ فِيهَا أَيْ : يَخْلُصُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّفْسِيرَ مَقُولُ عَائِشَةَ .
وَالْأَفْيَحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُتَّسِعُ . قَوْلُهُ : ( احْجُبْ ) أَيْ امْنَعْهُنَّ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ; بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ قَالَ لِسَوْدَةَ مَا قَالَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَوَّلًا الْأَمْرَ بِسَتْرِ وُجُوهِهِنَّ ، فَلَمَّا وَقَعَ الْأَمْرُ بِوَفْقِ مَا أَرَادَ أَحَبَّ أَيْضًا أَنْ يَحْجُبَ أَشْخَاصَهُنَّ مُبَالَغَةً فِي التَّسَتُّرِ فَلَمْ يُجَبْ ؛ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ ، وَهَذَا أَظْهَرُ الِاحْتِمَالَيْنِ .
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَعُدُّ نُزُولَ آيَةِ الْحِجَابِ مِنْ مُوَافَقَاتِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْزَابِ ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ كَانَ لَهُنَّ فِي التَّسَتُّرِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ حَالَاتٌ : أَوَّلُهَا بِالظُّلْمَةِ لِأَنَّهُنَّ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ فَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا ، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ ، انْتَهَى . ثُمَّ نَزَلَ الْحِجَابُ فَتَسَتَّرْنَ بِالثِّيَابِ ، لَكِنْ كَانَتْ أَشْخَاصُهُنَّ رُبَّمَا تَتَمَيَّزُ ; وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ لِسَوْدَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ نُزُولِ الْحِجَابِ : أَمَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا ، ثُمَّ اتُّخِذَتِ الْكُنُفُ فِي الْبُيُوتِ فَتَسَتَّرْنَ بِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ أَيْضًا ؛ فَإِنَّ فِيهَا وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُتَّخَذَ الْكُنُفُ ، وَكَانَ قِصَّةُ الْإِفْكِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْحِجَابِ سَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْحِجَابَ ) وَلِلْمُسْتَمْلِي آيَةَ الْحِجَابِ .
زَادَ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْحِجَابَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الْآيَةَ ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قِصَّةُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا أَوْلَمَ عَلَيْهَا وَتَأَخَّرَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ فِي الْبَيْتِ وَاسْتَحْيَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْخُرُوجِ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا حَدِيثُ عُمَرَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ نِسَاءَكَ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ وَمَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَعَائِشَةُ تَأْكُلُ مَعَهُمْ إِذْ أَصَابَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهَا ، فَكَرِهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ . وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُا أَنَّ أَسْبَابَ نُزُولِ الْحِجَابِ تَعَدَّدَتْ ، وَكَانَتْ قِصَّةُ زَيْنَبَ آخِرَهَا ؛ لِلنَّصِّ عَلَى قِصَّتِهَا فِي الْآيَةِ ، وَالْمُرَادُ بِآيَةِ الْحِجَابِ فِي بَعْضِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ