حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قال : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ ؛ أَنَّهُ قال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا ، قال : وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ ؟ قال : رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ، قال عَبْدُ اللَّهِ : أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّ إِلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا ، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا ، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ : يَتَوَضَّأُ فِيهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْوُضُوءِ هُوَ الْغَسْلُ ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى الْغَسْلِ ، وَلَوْ أُرِيدَ الْمَسْحُ لَقَالَ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ ) أَيْ : لَا يُكْتَفَى بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي الْخُفَّيْنِ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ ، عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ مَسَحُوا عَلَى نِعَالِهِمْ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ صَلَّوْا ، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَكِنْ ضَعَّفَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْخُفَّيْنِ إِذَا تَخَرَّقَا حَتَّى تَبْدُوَ الْقَدَمَانِ أَنَّ الْمَسْحَ لَا يُجْزِئُ عَلَيْهِمَا ، قال : فَكَذَلِكَ النَّعْلَانِ لِأَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ الْقَدَمَيْنِ .

انْتَهَى . وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ ، لَكِنَّهُ مُنَازَعٌ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ بَسْطِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَكِنْ نُشِيرُ إِلَى مُلَخَّصٍ مِنْهَا : فَقَدْ تَمَسَّكَ مَنِ اكْتَفَى بِالْمَسْحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَرْجُلَكُمْ عَطْفًا عَلَى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ فَذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ وَالثَّابِتُ عَنْهُ خِلَافُهُ ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشِّيعَةِ . وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الْوَاجِبُ الْغَسْلُ أَوِ الْمَسْحُ ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَذْكُورَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ قُرِئَ وَأَرْجُلَكُمْ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى أَيْدِيكُمْ وَقِيلَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ بِرُءُوسِكُمْ كَقَوْلِهِ : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ بِالنَّصْبِ .

وَقِيلَ : الْمَسْحُ فِي الْآيَةِ مَحْمُولٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَحَمَلُوا قِرَاءَةَ الْجَرِّ عَلَى مَسْحِ الْخُفَّيْنِ ، وَقِرَاءَةَ النَّصْبِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، وَقَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ تَقْرِيرًا حَسَنًا ، فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ : بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ تَعَارُضٌ ظَاهِرٌ ، وَالْحُكْمُ فِيمَا ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَجَبَ ، وَإِلَّا عَمِلَ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ ، وَلَا يَتَأَتَّى الْجَمْعُ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَكْرَارِ الْمَسْحِ لِأَنَّ الْغَسْلَ يَتَضَمَّنُ الْمَسْحَ ، وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَبَقِيَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا فِي حَالَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ وَعَمَلًا بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ . وَقِيلَ : إِنَّمَا عُطِفَتْ عَلَى الرُّؤُوسِ الْمَمْسُوحَةِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِكَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا فَلِمَنْعِ الْإِسْرَافِ عُطِفَتْ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تُمْسَحُ حَقِيقَةً . وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمُرَادِ قَوْلُهُ : إِلَى الْكَعْبَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ فَلَا يُقَيَّدُ بِالْغَايَةِ ، وَلِأَنَّ الْمَسْحَ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ الْخَفِيفِ ، يُقَالُ : مَسَحَ أَطْرَافَهُ .

لِمَنْ تَوَضَّأَ ، ذَكَرَهُ أَبُو زَيْدٍ اللُّغَوِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا . قَوْلُهُ : ( عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ ) هُوَ مَدَنِيٌّ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ جُرَيْجٍ الْفَقِيهِ الْمَكِّيِّ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ نَسَبٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ الْفَقِيهَ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنُ جُرَيْجٍ فَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ هَذَا عَمُّهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ ؛ لِأَنَّ عُبَيْدًا ، وَسَعِيدًا تَابِعِيَّانِ مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ . قَوْلُهُ : ( أَرْبَعًا ) أَيْ أَرْبَعَ خِصَالٍ .

قَوْلُهُ : ( لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ ) أَيْ : أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْمُرَادُ بَعْضُهُمْ ، وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ انْفِرَادُ ابْنِ عُمَرَ بِمَا ذُكِرَ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ رَآهُمْ عُبَيْدٌ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ لَا يَصْنَعُهُنَّ غَيْرُكَ مُجْتَمِعَةً وَإِنْ كَانَ يَصْنَعُ بَعْضَهَا . قَوْلُهُ : ( الْأَرْكَانُ ) أَيْ أَرْكَانُ الْكَعْبَةِ الْأَرْبَعَةُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَآهُمْ عُبَيْدٌ كَانُوا يَسْتَلِمُونَ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

قَوْلُهُ : ( السِّبْتِيَّةُ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الَّتِي لَا شَعْرَ فِيهَا ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ السَّبْتِ وَهُوَ الْحَلْقُ قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ ، وَقِيلَ : السِّبْتُ جِلْدُ الْبَقَرِ الْمَدْبُوغِ بِالْقَرَظِ ، وَقِيلَ بِالسُّبْتِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ نَبْتٌ يُدْبَغُ بِهِ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى ، وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : قِيلَ لَهَا سِبْتِيَّةٌ لِأَنَّهَا انْسَبَتَتْ بِالدِّبَاغِ ؛ أَيْ : لَانَتْ بِهِ ، يُقَالُ : رَطْبَةٌ مُنْسَبِتَةٌ ؛ أَيْ : لَيِّنَةٌ . قَوْلُهُ : ( تُصْبَغُ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَكَسْرُهَا ، وَهَلِ الْمُرَادُ صَبْغُ الثَّوْبِ أَوِ الشَّعْرِ ؟ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( أَهَلَّ النَّاسُ ) ؛ أَيْ : رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ .

قَوْلُهُ : ( وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ ) وَلِمُسْلِمٍ حَتَّى يَكُونَ ( يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ) أَيِ : الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَمُرَادُهُ فَتُهِلُّ أَنْتَ حِينَئِذٍ . وَتَبَيَّنَ مِنْ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُهِلُّ حَتَّى يَرْكَبَ قَاصِدًا إِلَى مِنًى ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا فِي الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( قال عَبْدُ اللَّهِ ) أَيِ : ابْنُ عُمَرَ مُجِيبًا لِعُبَيْدٍ .

وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( الْيَمَانِيَيْنِ ) تَثْنِيَةُ يَمَانٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرُّكْنُ الْأَسْوَدُ وَالَّذِي يُسَامِتْهُ مِنْ مُقَابَلَةِ الصَّفَا ، وَقِيلَ لِلْأَسْوَدِ يَمَانٌ تَغْلِيبًا . قَوْلُهُ : ( فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْبَاقِينَ فَأَنَا أُحِبُّ كَالَّتِي قَبْلَهَا ، وَسَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث