بَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
بَاب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ 202 - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ ، قال : حَدَّثَنِي عَمْرُو ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ؛ إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ . وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدًا . ، فَقَالَ عُمَرُ ، لِعَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ .
قَوْلُهُ : ( بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ) نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، قال : لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَنِ الصَّحَابَةِ اخْتِلَافٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْهُمْ إِنْكَارُهُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ إِثْبَاتُهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ السَّلَفِ إِنْكَارُهُ إِلَّا عَنْ مَالِكٍ ، مَعَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ عَنْهُ مُصَرِّحَةٌ بِإِثْبَاتِهِ ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى إِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ ، وَالْمَعْرُوفُ الْمُسْتَقِرُّ عِنْدَهُمُ الْآنَ قَوْلَانِ : الْجَوَازُ مُطْلَقًا ، ثَانِيهُمَا لِلْمُسَافِرِ دُونَ الْمُقِيمِ . وَهَذَا الثَّانِي مقتضى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ ، وَصَحَّحَ الْبَاجِيُّ الْأَوَّلَ وَنَقَلَهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَعَنِ ابْنِ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطَةِ نَحْوَهُ وَأَنَّ مَالِكًا إِنَّمَا كَانَ يَتَوَقَّفُ فِيهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مَعَ إِفْتَائِهِ بِالْجَوَازِ ، وَهَذَا مِثْلُ مَا صَحَّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الصَّحَابِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؛ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَوْ نَزْعُهُمَا وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ ؟ قال : وَالَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّ الْمَسْحَ أَفْضَلُ لِأَجْلِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ . قال : وَإِحْيَاءُ مَا طَعَنَ فِيهِ الْمُخَالِفُونَ مِنَ السُّنَنِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ ا هـ .
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ : وَقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْأَصْحَابِ بِأَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْمَسْحَ رَغْبَةً عَنِ السُّنَّةِ كَمَا قَالُوهُ فِي تَفْضِيلِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ ، وَقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ بِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مُتَوَاتِرٌ ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ رُوَاتَهُ فَجَاوَزُوا الثَّمَانِينَ وَمِنْهُمُ الْعَشَرَةُ ، وَفِي ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ : حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَصْبَغُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ اخْتَارَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِقَوْلِهِ الْمَسْحُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِهِ فِي الْحَضَرِ أَثْبَتُ عِنْدَنَا وَأَقْوَى مِنْ أَنْ نَتْبَعَ مَالِكًا عَلَى خِلَافِهِ . وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ ، وَهُوَ وَمَنْ دُونَهُ ثَلَاثَةٌ مِصْرِيُّونَ ، وَالَّذِينَ فَوْقَهُ ثَلَاثَةٌ مَدَنِيُّونَ ، وَالْإِسْنَادُ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ : أَبُو النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَصَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ .
قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ) هُوَ مَعْطُوفُ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَهُوَ مَوْصُولٌ إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ وَإِلَّا فَأَبُو سَلَمَةَ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قال : رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ بِالْعِرَاقِ حِينَ تَوَضَّأَ فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا عِنْدَ عُمَرَ ، قال لِي سَعْدٌ : سَلْ أَبَاكَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ . وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ ، وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ ، قال : كُنَّا وَنَحْنُ مَعَ نَبِيِّنَا نَمْسَحُ عَلَى خِفَافِنَا ؛ لَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا . قَوْلُهُ : ( فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ ) أَيْ : لِقُوَّةِ الْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصِّفَاتَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّرْجِيحِ إِذَا اجْتَمَعَتْ فِي الرَّاوِي كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْقَرَائِنِ الَّتِي إِذَا حَفَّتْ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَامَتْ مَقَامَ الْأَشْخَاصِ الْمُتَعَدِّدَةِ ، وَقَدْ يُفِيدُ الْعِلْمَ عِنْدَ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ ، وَعَلَى أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَقْبَلُ خَبَرَ الْوَاحِدِ ، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنَ التَّوَقُّفِ إِنَّمَا كَانَ عِنْدَ وُقُوعِ رِيبَةٍ لَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قال بِتَفَاوُتِ رُتَبِ الْعَدَالَةِ وَدُخُولِ التَّرْجِيحِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ التَّعَارُضِ ، وَيُمْكِنُ إِبْدَاءُ الْفَارِقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ ، وَفِيهِ تَعْظِيمٌ عَظِيمٌ مِنْ عُمَرَ ، لِسَعْدٍ ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْقَدِيمَ الصُّحْبَةِ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ الْجَلِيَّةِ فِي الشَّرْعِ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَنْكَرَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ قَدِيمِ صُحْبَتِهِ وَكَثْرَةِ رِوَايَتِهِ ، وَقَدْ رَوَى قِصَّتَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدِمَ الْكُوفَةَ عَلَى سَعْدٍ وَهُوَ أَمِيرُهَا فَرَآهُ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ؛ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؛ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : سَلْ أَبَاكَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّمَا أَنْكَرَ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ لَا فِي السَّفَرِ لِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْفَائِدَةُ بِحَالِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ عَلَى الْوِلَاءِ أَوَّلُهُمْ مُوسَى ، وَمُوسَى ، وَأَبُو النَّضْرِ قَرِينَانِ مَدَنِيَّانِ .
قَوْلُهُ : ( أَنَّ سَعْدًا حَدَّثَهُ ) ؛ أَيْ : حَدَّثَ أَبَا سَلَمَةَ ، وَالْمُحَدَّثُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَبَيَّنَ مِنَ الرِّوَايَةِ الْمَوْصُولَةِ أَنَّ لَفْظَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُقَدَّرِ . قَوْلُهُ : ( نَحْوَهُ ) بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ مَقُولُ الْقَوْلِ ، وَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الَّتِي وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ لَا بِلَفْظِهَا .
وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَلَفْظُهُ وَأَنَّ عُمَرَ قال لِعَبْدِ اللَّهِ - أَيِ : ابْنَهُ كَأَنَّهُ يَلُومُهُ - إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا تَبْتَغِ وَرَاءَ حَدِيثِهِ شَيْئًا .