حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الِاسْتِحَاضَةِ

بَاب الِاسْتِحَاضَةِ 306 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ، وَصَلِّي . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاسْتِحَاضَةِ ) تقَدَّمَ أَنَّهَا جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ يُقَالُ لَهُ : الْعَاذِلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَا أَطْهُرُ ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ .

فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِبَيَانِ السَّبَبِ وَهُوَ قَوْلُهَا إِنِّي أُسْتَحَاضُ وَكَانَ عِنْدَهَا أَنَّ طَهَارَةَ الْحَائِضِ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ ، فَكَنَّتْ بِعَدَمِ الطُّهْرِ عَنِ اتِّصَالِهِ ، وَكَانَتْ قد عَلِمَتْ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مُقْتَرِنٌ بِجَرَيَانِ الدَّمِ مِنَ الْفَرْجِ ، فَأَرَادَتْ تَحَقُّقَ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ، وَزَادَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ فَقَالَ لَا . قَوْلُهُ : ( وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ كَمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كُلِّهِمْ ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَارَ الْكَسْرَ عَلَى إِرَادَةِ الْحَالَةِ ، لَكِنَّ الْفَتْحَ هُنَا أَظْهَرُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ أَوْ قَرِيبٌ مِنَ الْمُتَعَيَّنِ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ إِثْبَاتَ الِاسْتِحَاضَةِ وَنَفْيَ الْحَيْضِ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَيَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ مَعًا جَوَازًا حَسَنًا . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَالَّذِي فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ الْحَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي ) أَيْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَابِ إِذَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِهِ : ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ . وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامٍ ، مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ غَسْلَ الدَّمِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاغْتِسَالَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الِاغْتِسَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ ، وكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لِوُضُوحِهِ عِنْدَهُ .

وَفِيهِ اخْتِلَافٌ ثَالِثٌ أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي بَابِ غَسْلِ الدَّمِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ ، وَزَادَ : ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَرَدَدْنَا هُنَاكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مَدْرَجٌ ، وَقَوْلَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عُرْوَةَ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ أَبُو مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامٍ وَادَّعَى أَنَّ حَمَّادًا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَأَوْمَأَ مُسْلِمٌ أَيْضًا إِلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَالسَّرَّاجِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ ، فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ اغْتَسَلَتْ عَنْهُ ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، لَكِنَّهَا لَا تُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ مُؤَدَّاةٍ أَوْ مَقْضِيَّةٍ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْوُضُوءَ مُتَعَلِّقٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهِ الْفَرِيضَةَ الْحَاضِرَةَ وَمَا شَاءَتْ مِنَ الْفَوَائِتِ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ ، وَعَلَى قَوْلِهِمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ أَيْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَفِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِحَدِيثٍ آخَرَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ : إِنِ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ فَرْضٍ فَهُوَ أَحْوَطُ .

وَفِيهِ جَوَازًا اسْتِفْتَاءُ الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهَا وَمُشَافَهَتِهَا لِلرَّجُلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ النِّسَاءِ ، وَجَوَازُ سَمَاعِ صَوْتِهَا لِلْحَاجَةِ . وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَقَدِ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ الرَّازِيُّ الْحَنَفِيُّ أَنَّ مُدَّةَ أَقَلِّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرَهُ عَشَرَةٌ لِقَوْلِهِ : قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ; لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ أَيَّامٌ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ ، فَأَمَّا دُونَ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّمَا يُقَالُ يَوْمَانِ وَيَوْمٌ ، وَأَمَّا فَوْقَ عَشَرَةٍ فَإِنَّمَا يُقَالُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَهَكَذَا إِلَى عِشْرِينَ ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث