بَاب اعْتِكَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الطَّحَّانُ الْوَاسِطِيُّ ، وَشَيْخُهُ خَالِدٌ هُوَ ابْنُ مِهْرَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْحَذَّاءُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُثَقَّلَةِ ، وَمَدَارُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ ، وَعِكْرِمَةُ هُوَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( بَعْضُ نِسَائِهِ ) قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : مَا عَرَفْنَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً ، قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَائِشَةَ أَشَارَتْ بِقَوْلِهَا مِنْ نِسَائِهِ أَيِ النِّسَاءِ الْمُتَعَلِّقَاتِ بِهِ ، وَهِيَ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ أُخْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، قُلْتُ : يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ وَقَدْ ذَكَرَهَا الْحُمَيْدِيُّ عَقِبَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، فَمَا أَدْرِي كَيْفَ غَفَلَ عَنْهَا ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ بَعْضُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنَ الْمُسْتَبْعَدِ أَنْ تَعْتَكِفَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ غَيْرُ زَوْجَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهَا بِهِ تَعَلُّقٌ . وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ بَنَاتِ جَحْشٍ الثَّلَاثَ كُنَّ مُسْتَحَاضَاتٍ : زَيْنَبَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَحَمْنَةَ زَوْجَ طَلْحَةَ ، وَأُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ مِنْهُنَّ بِذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهَا فِي ذَلِكَ .
وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ اسْتُحِيضَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ ، وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ خَطَأٌ ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إِنَّمَا هِيَ أُمُّ حَبِيبَةَ أُخْتُهَا . وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ : يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ وَقْتًا بِخِلَافِ أُخْتِهَا فَإِنَّ اسْتِحَاضَتَهَا دَامَتْ . قُلْتُ : وَكَذَا يُحْمَلُ عَلَى مَا سَأَذْكُرُهُ فِي حَقِّ سَوْدَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ فِي عَدِّ الْمُسْتَحَاضَاتِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ ذَكَرَهَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، فَلَعَلَّهَا هِيَ الْمَذْكُورَةُ . قُلْتُ : وَهُوَ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ تَعْلِيقًا ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا . قُلْتُ : لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ ; لِأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ تَابِعِيٌّ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ .
وَقَرَأْتُ فِي السُّنَنِ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ هُوَ الْحَذَّاءُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ مُعْتَكِفَةً وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ قَالَ : وَحَدَّثَنَا بِهِ خَالِدٌ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةِ كَانَتْ عَاكِفَةً وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، وَرُبَّمَا جَعَلَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا . قُلْتُ : وَهَذَا أَوْلَى مَا فَسَّرَتْ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ . وَقَدْ أَرْسَلَهُ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَوَصَلَهُ خَالِدٌ الطَّحَّانُ ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَغَيْرُهُمَا بِذِكْرِ عَائِشَةَ فِيهِ ، وَرَجَّحَ الْبُخَارِيُّ الْمَوْصُولَ فَأَخْرَجَهُ .
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، هَذَا الْحَدِيثَ ، كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِدُونِ تَسْمِيَةِ أُمِّ سَلَمَةَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مِنَ الدَّمِ ) أَيْ لِأَجْلِ الدَّمِ .
قَوْلُهُ : ( وَزَعَمَ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْنَى الْعَنْعَنَةِ أَيْ حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ بِكَذَا وَزَعَمَ كَذَا ، وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّ ) بِالْهَمْزِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ . قَوْلُهُ : ( فُلَانَةُ ) الِظَاهِرِ أَنَّهَا تَعْنِي الْمَرْأَةَ الَّتِي ذَكَرَتْهَا قَبْلُ .
وَرَأَيْتُ عَلَى حَاشِيَةِ نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ أَصْلِ أَبِي ذَرٍّ مَا نَصُّهُ فُلَانَةُ هِيَ رَمْلَةُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي تَفْسِيرِ الْمُبْهَمَةِ ، وَعَلَى مَا زَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَزْوَاجِهِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ اسْتُحِيضَتْ ، رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي جَمْعِهِ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حِكَايَةِ زَيْنَبَ عَنْ غَيْرِهَا وَهُوَ أَشْبَهُ ، فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَغِيرَةً ; لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّهَا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَزَيْنَبُ تُرْضِعُ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، حَكَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا . قُلْتُ : وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَلَى التَّرَدُّدِ هَلْ هُوَ عَنْ أَسْمَاءَ أَوْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَهَاتَانِ لَهُمَا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَلُّقٌ ; لِأَنَّ زَيْنَبَ رَبِيبَتُهُ وَأَسْمَاءَ أُخْتُ امْرَأَتِهِ مَيْمُونَةَ لِأُمِّهَا ، وَكَذَا لِحَمْنَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ بِهِ تَعَلُّقٌ ، وَحَدِيثُهُمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، فَهَؤُلَاءِ سَبْعٌ يُمْكِنُ أَنْ تُفَسَّرَ الْمُبْهَمَةُ بِإِحْدَاهُنَّ . وَأَمَّا مَنِ اسْتُحِيضَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ غَيْرُهُنَّ فَسَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ ، ذَكَرهَا أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ مَرْثَدٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَبَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ ذَكَرَهَا ابْنُ مَنْدَهْ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ وَقِصَّتُهَا عَنْ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَوَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا الْقُرَشِيَّةُ الْفِهْرِيَّةُ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ ، وَاسْمُ أَبِي حُبَيْشٍ قَيْسٌ ، فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَيْضًا وَقَدْ كَمَّلْنَ عَشْرًا بِحَذْفِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ .
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ مُكْثِ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَصِحَّةُ اعْتِكَافِهَا وَصَلَاتِهَا وَجَوَازُ حَدَثِهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدِ أَمْنِ التَّلْوِيثِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهَا دَائِمُ الْحَدَثِ وَمَنْ بِهِ جُرْحٌ يَسِيلُ .