بَاب لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ
بَاب لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ وَقَالَ جَابِرُ ، وَأَبُو سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدَعُ الصَّلَاةَ 321 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ : أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ ؟ فَقَالَتْ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ، كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ ، أَوْ قَالَتْ : فَلَا نَفْعَلُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ ) نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوجِبُونَهُ ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سَلَمَةَ ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ) هَذَا التَّعْلِيقُ عَنْ هَذَيْنِ الصَّحَابِيَّيْنِ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ بِالْمَعْنَى ، فَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ حَيْضِ عَائِشَةَ فِي الْحَجِّ وَفِيهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ وَلَا تُصَلِّي ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ وَفِيهِ أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ؟ .
فَإِنْ قِيلَ : التَّرْجَمَةُ لِعَدَمِ الْقَضَاءِ ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لِعَدَمِ الْإِيقَاعِ ، فَمَا وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ ؟ أَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ التَّرْكَ فِي قَوْلِهِ تَدَعُ الصَّلَاةَ مُطْلَقُ أَدَاءٍ وَقَضَاءٍ . انْتَهَى . وَهُوَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ ; لِأَنَّ مَنْعَهَا إِنَّمَا هُوَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَقَطْ ، وَقَدْ وَضَحَ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثَيْنِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى التَّرْكِ أَوَّلًا بِالتَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ ، وَعَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، فَجَعَلَ الْمُعَلَّقُ كَالْمُقَدِّمَةِ لِلْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ الَّذِي هُوَ مُطَابِقٌ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ ) هِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةُ ، وَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهَا بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ ) كَذَا أَبْهَمَهَا هَمَّامٌ ، وَبَيَّنَ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهَا هِيَ مُعَاذَةُ الرَّاوِيَةُ . أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مُعَاذَةَ .
قَوْلُهُ : ( أَتَجْزِي ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، أَيْ أَتَقْضِي . وَصَلَاتَهَا بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَيُرْوَى أَتُجْزِئُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَالْهَمْزِ ، أَيْ أَتَكْفِي الْمَرْأَةَ الصَّلَاةُ الْحَاضِرَةُ وَهِيَ طَاهِرَةٌ وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ الْفَائِتَةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ ؟ فَصَلَاتُهَا عَلَى هَذَا بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، وَالْأُولَى أَشْهَرُ . قَوْلُهُ : ( أَحَرُورِيَّةٌ ) الْحَرُورِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى حَرُورَاءَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبَعْدَ الْوَاوِ السَّاكِنَةِ رَاءٌ أَيْضًا ، بَلْدَةٌ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْكُوفَةِ ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا بِالْمَدِّ .
قَالَ الْمُبَرِّدُ : النِّسْبَةُ إِلَيْهَا حَرُورَاوِيُّ ، وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ فِي آخِرِهِ أَلِفُ تَأْنِيثٍ مَمْدُودَةٌ ، وَلَكِنْ قِيلَ الْحَرُورِيُّ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ ، وَيُقَالُ لِمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ حَرُورِيٌّ ; لِأَنَّ أَوَّلَ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ بِالْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ فَاشْتُهِرُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا ، وَهُمْ فِرَقٌ كَثِيرَةٌ ، لَكِنْ مِنْ أُصُولِهِمُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمُ الْأَخْذُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَرَدُّ مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا ، وَلِهَذَا اسْتَفْهَمَتْ عَائِشَةُ مُعَاذَةَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ فَقُلْتُ : لَا وَلَكِنِّي أَسْأَلُ ، أَيْ سُؤَالًا مُجَرَّدًا لِطَلَبِ الْعِلْمِ لَا لِلتَّعَنُّتِ ، وَفَهِمَتْ عَائِشَةُ عَنْهَا طَلَبَ الدَّلِيلِ فَاقْتَصَرَتْ فِي الْجَوَابِ عَلَيْهِ دُونَ التَّعْلِيلِ ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا لِلْحَرَجِ بِخِلَافِ الصِّيَامِ ، وَلِمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْحَائِضَ مُخَاطَبَةٌ بِالصِّيَامِ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّهَا لَمْ تُخَاطَبْ بِالصَّلَاةِ أَصْلًا . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : اكْتِفَاءُ عَائِشَةَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ بِكَوْنِهَا لَمْ تُؤْمَرْ بِهِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا أَخَذَتْ إِسْقَاطَ الْقَضَاءِ مِنْ إِسْقَاطِ الْأَدَاءِ ، فَيُتَمَسَّكُ بِهِ حَتَّى يُوجَدَ الْمُعَارِضُ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ كَمَا فِي الصَّوْمِ ، ثَانِيهُمَا - قَالَ وَهُوَ أَقْرَبُ - أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى بَيَانِ هَذَا الْحُكْمِ لِتَكَرُّرِ الْحَيْضِ مِنْهُنَّ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ ، أَوْ قَالَتْ : فَلَا نَفْعَلُهُ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالشَّكِّ ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَلَمْ نَكُنْ نَقْضِي وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهَا فَلَمْ نَكُنْ نَقْضِي أَوْضَحُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهَا فَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ هُنَا قَدْ يُنَازَعُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، لِاحْتِمَالِ الِاكْتِفَاءِ بِالدَّلِيلِ الْعَامِّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .