حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ

بَاب الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ وَصَلَّى جَابِرُ ، وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا . وَقَالَ الْحَسَنُ : قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَهَا وَإِلَّا فَقَاعِدًا . 380 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ : قُومُوا فَلِأُصَلِّ لَكُمْ .

قَالَ أَنَسٌ : فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا . فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنْ كَانَ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ كَبِيرًا قَدْرَ طُولِ الرَّجُلِ فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ : حَصِيرٌ ، وَلَا يُقَالُ لَهُ : خُمْرَةٌ .

وَكُلُّ ذَلِكَ يُصْنَعُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ . قَوْلُهُ : ( وَصَلَّى جَابِرٌ . إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ مَوْلَى أَنَسٍ قَالَ : سَافَرْتُ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُنَاسٍ قَدْ سَمَّاهُمْ ، قَالَ : وَكَانَ إِمَامُنَا يُصَلِّي بِنَّا فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا وَنُصَلِّي خَلْفَهُ قِيَامًا ، وَلَوْ شِئْنَا لَأَرْفَيْنَا أَيْ لَأَرْسَيْنَا .

يُقَالُ أَرْسَى السَّفِينَةَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَأَرْفَى بِالْفَاءِ إِذَا وَقَفَ بِهَا عَلَى الشَّطِّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ : تُصَلِّي قَائِمًا مَا لَمْ تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَهَا ) أَيْ مَعَ السَّفِينَةِ ( وَإِلَّا فَقَاعِدًا ) أَيْ : وَإِنْ شَقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ فَصَلِّ قَاعِدًا ، وَقَدْ رَوَيْنَا أَثَرَ الْحَسَنِ فِي نُسْخَةِ قُتَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْهُ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، قَالَ : سَأَلْتُ الْحَسَنَ ، وَابْنَ سِيرِينَ ، وَعَامِرًا - يَعْنِي الشَّعْبِيَّ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ : إِنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ فَلْيَخْرُجْ . غَيْرَ الْحَسَنِ فَإِنَّهُ قَالَ : إِنْ لَمْ يُؤْذِ أَصْحَابَهُ ، أَيْ فَلْيُصَلِّ .

وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا : صَلِّ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا . وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا تَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِكَ . وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : دُرْ فِي السَّفِينَةِ كَمَا تَدُورُ إِذَا صَلَّيْتَ .

قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ إِدْخَالِ الصَّلَاةِ فِي السَّفِينَةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا صَلَاةٌ عَلَى غَيْرِ الْأَرْضِ ، لِئَلَّا يَتَخَيَّلَ مُتَخَيِّلٌ أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَرْضِ شَرْطٌ ، لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ : تَرِّبْ وَجْهَكَ . انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ ، وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَجْوِيزِهِ الصَّلَاةَ فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ، وَفِي هَذَا الْأَثَرِ جَوَازُ رُكُوبِ الْبَحْرِ .

قَوْلُهُ : ( عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْحَمَوِيِّ ، وَلِلْبَاقِينَ : إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ ) هي بِضَمِّ الْمِيمِ تَصْغِيرُ مَلِكَةٍ ، وَالضَّمِيرُ فِي جَدَّتِهِ يَعُودُ عَلَى إِسْحَاقَ ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَعَبْدُ الْحَقِّ ، وَعِيَاضٌ ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ . وَجَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ ، وَابْنُ مَنْدَهْ ، وَابْنُ الْحَصَّارِ بِأَنَّهَا جَدَّةُ أَنَسٍ وَالِدَةُ أُمِّهِ أُمِّ سُلَيْمٍ ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ وَمَنْ تَبِعَهُ وَكَلَامِ عَبْدِ الْغَنِيِّ فِي الْعُمْدَةِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي فَوَائِدِ الْعِرَاقِيِّينَ لِأَبِي الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى الْمُقَدَّمِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَرْسَلَتْنِي جَدَّتِي إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْمُهَا مُلَيْكَةُ فَجَاءَنَا فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، الْحَدِيثَ .

وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ : أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ ، فَسَاقَ نَسَبَهَا إِلَى عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَقَالَ : وَهِيَ الْغُمَيْصَاءُ وَيُقَالُ : الرُّمَيْسَاءُ ، وَيُقَالُ : اسْمُهَا سَهْلَةُ ، وَيُقَالُ : أُنَيْفَةُ أَيْ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ الْمُصَغَّرَةِ وَيُقَالُ رُمَيْثَةُ ، وَأُمُّهَا مُلَيْكَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ عَدِيٍّ ، فَسَاقَ نَسَبَهَا إِلَى مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ ، ثُمَّ قَالَ : تَزَوَّجَهَا أَيْ أُمَّ سُلَيْمٍ مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَأَبَا عُمَيْرٍ . قُلْتُ : وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ وَالِدُ إِسْحَاقَ ، رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمِّهِ أَخِي أَبِيهِ لِأُمِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ مَنْ أَعَادَ الضَّمِيرَ فِي جَدَّتِهِ إِلَى إِسْحَاقَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ أُمِّ سُلَيْمٍ مُلَيْكَةَ ، وَمُسْتَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : صَفَفْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ الصُّفُوفِ ، وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ طَوَّلَهَا مَالِكٌ وَاخْتَصَرَهَا سُفْيَانُ ، وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُهَا فَلَا تُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ ، وَكَوْنُ مُلَيْكَةَ جَدَّةَ أَنَسٍ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا جَدَّةَ إِسْحَاقَ لِمَا بَيَّنَّاهُ ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي سَأَذْكُرُهَا عَنْ غَرَائِبِ مَالِكٍ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ مُلَيْكَةَ اسْمُ أُمِّ سُلَيْمٍ نَفْسِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( لِطَعَامٍ ) أَيْ لِأَجْلِ طَعَامٍ ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَجِيئَهُ كَانَ لِذَلِكَ لَا لِيُصَلِّيَ بِهِمْ لِيَتَّخِذُوا مَكَانَ صَلَاتَهُ مُصَلًّى لَهُمْ كَمَا فِي قِصَّةِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ الْآتِيَةِ ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِهِ بَدَأَ فِي قِصَّةِ عِتْبَانَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الطَّعَامِ ، وَهُنَا بِالطَّعَامِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَبَدَأَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَصْلِ مَا دُعِيَ لِأَجْلِهِ .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَالَ قُومُوا ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ لِكَوْنِهِ صَلَّى بَعْدَ الطَّعَامِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ عَنِ الْبَغَوِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مَالِكٍ وَلَفْظُهُ صَنَعَتْ مُلَيْكَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا فَأَكَلَ مِنْهُ وَأَنَا مَعَهُ ، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( فَلِأُصَلِّيَ لَكُمْ ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْيَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِحَذْفِ الْيَاءِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : رُوِيَ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَثُبُوتِهَا مَفْتُوحَةً وَسَاكِنَةً ، وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّامَ عِنْدَ ثُبُوتِ الْيَاءِ مَفْتُوحَةٌ لَامُ كَيْ وَالْفِعْلُ بَعْدَهَا مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَاللَّامُ وَمَصْحُوبُهَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ قُومُوا فَقِيَامُكُمْ لِأُصَلِّيَ لَكُمْ ، وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ زَائِدَةً وَاللَّامُ مُتَعَلِّقَةً بِقُومُوا ، وَعِنْدَ سُكُونِ الْيَاءِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ أَيْضًا لَامَ كَيْ وَسُكِّنَتِ الْيَاءُ تَخْفِيفًا أَوْ لَامَ الْأَمْرِ وَثَبَتَتِ الْيَاءُ فِي الْجَزْمِ إِجْرَاءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرَى الصَّحِيحِ كَقِرَاءَةِ قُنْبُلٍ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرُ ، وَعِنْدَ حَذْفِ الْيَاءِ اللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ ، وَأَمْرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ بِفِعْلٍ مَقْرُونٍ بِاللَّامِ فَصِيحٌ قَلِيلٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ قَالَ : وَيَجُوزُ فَتْحُ اللَّامِ . ثُمَّ ذَكَرَ تَوْجِيهَهُ ، وَفِيهِ لِغَيْرِهِ بَحْثٌ اخْتَصَرْتُهُ ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تَرِدْ بِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأُصَلِّ بِحَذْفِ اللَّامِ ، وَلَيْسَ هُوَ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَلِنُصَلِّ بِالنُّونِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَالْجَزْمِ ، وَاللَّامُ عَلَى هَذَا لَامُ الْأَمْرِ وَكَسْرُهَا لُغَةً مَعْرُوفَةٌ .

قَوْلُهُ : ( لَكُمْ ) أَيْ لِأَجْلِكُمْ ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ : الْأَمَرُ هُنَا بِمَعْنَى الْخَبَرِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا لَهُمْ بِالِائْتِمَامِ لَكِنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِارْتِبَاطِ فِعْلِهمْ بِفِعْلِهِ . قَوْلُهُ : ( مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ ) فِيهِ أَنَّ الِافْتِرَاشَ يُسَمَّى لُبْسًا ، وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ افْتِرَاشِ الْحَرِيرِ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حَرِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالِافْتِرَاشِ ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعُرْفِ . قَوْلُهُ : ( فَنَضَحْتُهُ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّضْحُ لِتَلْيِينِ الْحَصِيرِ أَوْ لِتَنْظِيفِهِ أَوْ لِتَطْهِيرِهِ ، وَلَا يَصِحُّ الْجَزْمُ بِالْأَخِيرِ ، بَلِ الْمُتَبَادَرُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ .

قَوْلُهُ : ( وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ فَصَفَفْتُ وَالْيَتِيمُ بِغَيْرِ تَأْكِيدٍ وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ ، وَيَجُوزُ فِي الْيَتِيمِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ ، قَالَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ : الْيَتِيمُ هُوَ ضُمَيْرَةُ جَدُّ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ ، قَالَ ابْنُ الْحَذَّاءِ : كَذَا سَمَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ ، وَأَظُنُّهُ سَمِعَهُ مِنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَالَ : وَضُمَيْرَةُ هُوَ ابْنُ أَبِي ضُمَيْرَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِي ضُمَيْرَةَ فَقِيلَ رَوْحٌ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . انْتَهَى .

وَوَهِمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ : اسْمُ الْيَتِيمِ ضُمَيْرَةُ وَقِيلَ رَوْحٌ ، فَكَأَنَّهُ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنَ الْخِلَافِ فِي اسْمِ أَبِيهِ إِلَيْهِ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا ذِكْرَ مَنْ قَالَ : إِنَّ اسْمَهُ سُلَيْمٌ وَبِيَانُ وَهْمِهِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَجَزَمَ الْبُخَارِيُّ بِأَنَّ اسْمَ أَبِي ضُمَيْرَةَ سَعْدٌ الْحِمْيَرِيُّ وَيُقَالُ : سَعِيدٌ ، وَنَسَبَهُ ابْنُ حِبَّانَ لَيْثِيًّا . قَوْلُهُ : ( وَالْعَجُوزُ ) هِيَ مُلَيْكَةُ الْمَذْكُورَةُ أَوَّلًا .

قَوْلُهُ : ( ثُمَّ انْصَرَفَ ) أَيْ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ مِنَ الصَّلَاةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ عُرْسًا وَلَوْ كَانَ الدَّاعِي امْرَأَةً لَكِنْ حَيْثُ تُؤْمَنُ الْفِتْنَةُ ، وَالْأَكْلُ مِنْ طَعَامِ الدَّعْوَةِ ، وَصَلَاةُ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً فِي الْبُيُوتِ ، وَكَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ تَعْلِيمَهُمْ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ بِالْمُشَاهَدَةِ لِأَجْلِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهَا بَعْضُ التَّفَاصِيلِ لِبُعْدِ مَوْقِفِهَا . وَفِيهِ تَنْظِيفُ مَكَانِ الْمُصَلَّى ، وَقِيَامُ الصَّبِيِّ مَعَ الرَّجُلِ صَفًّا ، وَتَأْخِيرُ النِّسَاءِ عَنْ صُفُوفِ الرِّجَالِ ، وَقِيَامُ الْمَرْأَةِ صَفًّا وَحْدَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا امْرَأَةٌ غَيْرُهَا .

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِذَلِكَ . وَفِيهِ الِاقْتِصَارُ فِي نَافِلَةِ النَّهَارِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ خِلَافًا لِمَنِ اشْتَرَطَ أَرْبَعًا ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِيهِ صِحَّةُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَوُضُوئِهِ ، وَأَنَّ مَحَلَّ الْفَضْلِ الْوَارِدِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ مُنْفَرِدًا حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ كَالتَّعْلِيمِ ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالُ : هُوَ إِذْ ذَاكَ أَفْضَلُ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

( تَنْبِيهَانِ ) : الْأَوَّلُ : أَوْرَدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ صَلَاةِ الضُّحَى ، وَتُعُقِّبَ بِمَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي دَارِ الْأَنْصَارِيِّ الضَّخْمِ الَّذِي دَعَاهُ لِيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأْتِي . وَأَجَابَ صَاحِبُ الْقَبَسِ بِأَنَّ مَالِكًا نَظَرَ إِلَى كَوْنِ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ هُوَ وَقْتَ صَلَاةِ الضُّحَى فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَوَى بِتِلْكَ الصَّلَاةِ صَلَاةَ الضُّحَى . الثَّانِي : النُّكْتَةُ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ : أَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ وَاللَّهُ يَقُولُ : وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا فَقَالَتْ : لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَوْ رَآهُ شَاذًّا مَرْدُودًا لِمُعَارَضَتِهِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ كَحَدِيثِ الْبَابِ ، بَلْ سَيَأْتِي عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث