بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى 395 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ : سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ ، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ للعُمْرَةَ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ ؟ فَقَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . 396 - وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا : وَاتَّخِذُوا بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ وَهِيَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى بِالْفَتْحِ عَلَى الْخَبَرِ ، وَالْأَمْرُ دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ ، لَكِنِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إِلَى جَمِيعِ جِهَاتِ الْكَعْبَةِ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَجَرُ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ قَدَمَيْهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ إِلَى الْآنِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْمُرَادُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرَمُ كُلُّهُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَقَدْ ثَبَتَ دَلِيلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَسَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا .
قَوْلُهُ : مُصَلًّى أَيْ قِبْلَةً قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ مُدَّعًى يُدْعَى عِنْدَهُ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِيهِ بَلْ عِنْدَهُ ، وَيَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْحَسَنِ بِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ أَيْضًا بِصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَاخِلَ الْكَعْبَةِ ، فَلَوْ تَعَيَّنَ اسْتِقْبَالُ الْمَقَامِ لَمَا صَحَّتْ هُنَاكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِهِ ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ بِلَالٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي أَخْبَارِ مَكَّةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ ، حَتَّى جَاءَ سَيْلٌ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَاحْتَمَلَهُ حَتَّى وُجِدَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ ، فَأُتِيَ بِهِ فَرُبِطَ إِلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ فَاسْتَثْبَتَ فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَحَقَّقَ مَوْضِعَهُ الْأَوَّلَ فَأَعَادَهُ إِلَيْهِ وَبَنَى حَوْلَهُ فَاسْتَقَرَّ ثَمَّ إِلَى الْآنَ . قَوْلُهُ : ( طَافَ بِالْبَيْتِ لِلْعُمْرَةِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ طَافَ بِالْبَيْتِ لِعُمْرَةٍ بِحَذْفِ اللَّامِ مِنْ قَوْلِهِ : لِلْعُمْرَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهَا لِيَصِحَّ الْكَلَامُ .
قَوْلُهُ : ( أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ ) أَيْ هَلْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَجُوزَ لَهُ الْجِمَاعُ وَغَيْرُهُ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ ؟ وَخَصَّ إِتْيَانَ الْمَرْأَةِ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَأَجَابَهُمُ ابْنُ عُمَرَ بِالْإِشَارَةِ إِلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا سِيَّمَا فِي أَمْرِ الْمَنَاسِكِ ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، وَأَجَابَهُمْ جَابِرٌ بِصَرِيحِ النَّهْيِ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَخَالَفَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَجَازَ لِلْمُعْتَمِرِ التَّحَلُّلَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى . وَالْمُنَاسِبُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ يُشْعِرُ بِحَمْلِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ : وَاتَّخِذُوا عَلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِرَكْعَتَيِ الطَّوَافِ ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ خَلْفَ الْمَقَامِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَكَانِهِ فِي الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .