بَاب الِاسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ
حَدَّثَنَا خَلَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا ، قَالَ : إِنْ شِئْتِ ، فَعَمِلَتْ الْمِنْبَرَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا خَلَّادٌ ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى ، وَأَيْمَنُ بِوَزْنِ أَفْعَلَ ، وَهُوَ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ امْرَأَةً ) هِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ، فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ سِيَاقِ حَدِيثِ جَابِرٍ مُخَالِفٌ لِسِيَاقِ حَدِيثِ سَهْلٍ ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا أَنَّهَا ابْتَدَأَتْ بِالْعَرْضِ ، وَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهَا يَطْلُبُ ذَلِكَ ، أَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ابْتَدَأَتْ بِالسُّؤَالِ مُتَبَرِّعَةً بِذَلِكَ ، فَلَمَّا حَصَلَ لَهَا الْقَبُولُ أَمْكَنَ أَنْ يُبْطِئَ الْغُلَامُ بِعَمَلِهِ ، فَأَرْسَلَ يَسْتَنْجِزُهَا إِتْمَامَهُ لِعِلْمِهِ بِطِيبِ نَفْسِهَا بِمَا بَذَلَتْهُ .
قَالَ : وَيُمْكِنُ إِرْسَالُهُ إِلَيْهَا لِيُعَرِّفَهَا بِصِفَةِ مَا يَصْنَعُهُ الْغُلَامُ مِنَ الْأَعْوَادِ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْبَرًا . قُلْتُ : قَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : أَلَا أَجْعَلُ لَكَ منبرًا ، فَلَعَلَّ التَّعْرِيفَ وَقَعَ بِصِفَةٍ لِلْمِنْبَرِ مَخْصُوصَةٍ . أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ إِلَيْهَا الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ لَهَا : إِنْ شِئْتِ كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْبُطْءِ ، لَا أَنَّ الْغُلَامَ كَانَ شَرَعَ وَأَبْطَأَ ، وَلَا أَنَّهُ جَهِلَ الصِّفَةَ ، وَهَذَا أَوْجَهُ الْأَوْجُهِ فِي نَظَرِي .
قَوْلُهُ : ( أَلَا أَجْعَلُ لَكَ ) أَضَافَتِ الْجَعْلَ إِلَى نَفْسِهَا مَجَازًا . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَإِنِّي لِي غُلَامٌ نَجَّارٌ وَقَدِ اخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْمَتْنَ أَيْضًا ، وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . وَفِي الْحَدِيثِ قَبُولُ الْبَذْلِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ سُؤَالٍ ، وَاسْتِنْجَازُ الْوَعْدِ مِمَّنْ يُعْلَمُ مِنْهُ الْإِجَابَةُ ، وَالتَّقَرُّبُ إِلَى أَهْلِ الْفَضْلِ بِعَمَلِ الْخَيْرِ ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .