حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب التَّقَاضِي وَالْمُلَازَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ

بَاب التَّقَاضِي وَالْمُلَازَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ 457 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ ، فَنَادَى : يَا كَعْبُ ، قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ ، أَيْ : الشَّطْرَ ، قَالَ : لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : قُمْ فَاقْضِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّقَاضِي ) أَيْ مُطَالَبَةِ الْغَرِيمِ قَضَاءَ الدَّيْنِ . ( وَالْمُلَازَمَةُ ) أَيْ مُلَازَمَةُ الْغَرِيمِ ، وَ ( فِي الْمَسْجِدِ ) يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرَيْنِ .

فَإِنْ قِيلَ : التَّقَاضِي ظَاهِرٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ دُونَ الْمُلَازَمَةِ ، أَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَقَالَ : كَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ لَزِمَهُ خَصْمُهُ فِي وَقْتِ التَّقَاضِي ، وَكَأَنَّهُمَا كَانَا يَنْتَظِرَانِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا . قَالَ : فَإِذَا جَازَتِ الْمُلَازَمَةُ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ فَجَوَازُهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْلَى . انْتَهَى .

قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ عَادَةِ تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِالْمُلَازَمَةِ إِلَى مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ هُوَ فِي بَابِ الصُّلْحِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ مَالٌ ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا . وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا تَسْمِيَةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ وَذِكْرُ نِسْبَتِهِ . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ : لَمْ يَأْتِ مِنَ الْأَسْمَاءِ عَلَى فَعْلَعٍ بِتَكْرِيرِ الْعَيْنِ غَيْرَ حَدْرَدٍ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ أَيْضًا .

قَوْلُهُ : ( عَنْ كَعْبٍ ) هُوَ ابْنُ مَالِكٍ ، أَبُوهُ . قَوْلُهُ : ( دَيْنًا ) وَقْعَ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ أُوقِيَّتَيْنِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ . قَوْلُهُ : ( فِي الْمَسْجِدِ ) مُتَعَلِّقٌ بِتَقَاضِي .

قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا ) فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ : فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَظَاهِرُ الرِّوَايَتَيْنِ التَّخَالُفُ ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَرَّ بِهِمَا أَوَّلًا ثُمَّ إِنَّ كَعْبًا أَشْخَصَ خَصْمَهُ لِلْمُحَاكَمَةِ ، فَسَمِعَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا وَهُوَ فِي بَيْتِهِ . قُلْتُ : وَفِيهِ بُعْدٌ ؛ لِأَنَّ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ إِلَى كَعْبٍ بِالْوَضِيعَةِ وَأَمَرَ غَرِيمَهُ بِالْقَضَاءِ ، فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ تَقَدَّمَ لَهُمَا لَمَا احْتَاجَ إِلَى الْإِعَادَةِ . وَالْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ لِي أَنْ يُحْمَلَ الْمُرُورُ عَلَى أَمْرٍ مَعْنَوِيٍّ لَا حِسِّيٍّ .

قَوْلُهُ : ( سِجْفٌ ) بِكَسْرِ الْمُهْمِلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَحَكَى فَتْحَ أَوَّلِهِ وَهُوَ السِّتْرُ ، وَقِيلَ أَحَدُ طَرَفَيِ السِّتْرِ الْمُفَرَّجِ . قَوْلُهُ : ( أَيِ الشَّطْرَ ) بِالنَّصْبِ أَيْ : ضَعِ الشَّطْرَ ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : هَذَا ، وَالْمُرَادُ بِالشَّطْرِ النِّصْفُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ فَعَلْتُ ) مُبَالَغَةٌ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ .

وَقَوْلُهُ : ( قُمْ ) خِطَابٌ لِابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ الْوَضِيعَةُ وَالتَّأْجِيلُ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ ، وَقَدْ أَفْرَدَ لَهُ الْمُصَنِّفُ بَابًا يَأْتِي قَرِيبًا ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا ، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْعِلْمِ وَالْخَيْرِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَجُوزُ ، وَبَيْنَ رَفْعِهِ بِاللَّغَطِ وَنَحْوِهِ فَلَا . قَالَ الْمُهَلَّبُ : لَوْ كَانَ رَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لَمَا تَرَكَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَبَيَّنَ لَهُمَا ذَلِكَ .

قُلْتُ : وَلِمَنْ مَنَعَ أَنْ يَقُولَ : لَعَلَّهُ تَقَدَّمَ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِهِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ بِالطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى تَرْكِ ذَلِكَ بِالصُّلْحِ الْمُقْتَضِي لِتَرْكِ الْمُخَاصَمَةِ الْمُوجِبَةِ لِرَفْعِ الصَّوْتِ . وَفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْإِشَارَةِ إِذَا فُهِمَتْ وَالشَّفَاعَةُ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ ، وَإِشَارَةُ الْحَاكِمِ بِالصُّلْحِ وَقَبُولُ الشَّفَاعَةِ ، وَجَوَازُ إِرْخَاءِ السِّتْرِ عَلَى الْبَابِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث