بَاب الْمَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ
بَاب الْمَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَأَيُّوبُ وَمَالِكٌ 476 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْمَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ ) قَالَ الْمَازِرِيُّ : بِنَاءُ الْمَسْجِدِ فِي مِلْكِ الْمَرْءِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ . وَفِي غَيْرِ مِلْكِهِ مُمْتَنِعٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَفِي الْمُبَاحَاتِ حَيْثُ لَا يَضُرُّ بِأَحَدٍ جَائِزٌ أَيْضًا ، لَكِنْ شَذَّ بَعْضُهُمْ فَمَنَعَهُ ؛ لِأَنَّ مُبَاحَاتِ الطُّرُقِ مَوْضُوعَةٌ لِانْتِفَاعِ النَّاسِ ، فَإِذَا بُنِيَ بِهَا مَسْجِدٌ مَنَعَ انْتِفَاعَ بَعْضِهِمْ ، فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ الرَّدَّ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ .
قُلْتُ : وَالْمَنْعُ الْمَذْكُورُ مَرْوِيٌّ عَنْ رَبِيعَةَ ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ، لَكِنْ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ . قَوْلُهُ : ( وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ) يَعْنِي : أَنَّ الْمَذْكُورِينَ وَرَدَ التَّصْرِيحُ عَنْهُمْ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَإِلَّا فَالْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ ، وَالْمُرَادُ بِأَبَوَيْ عَائِشَةَ أَبُو بَكْرٍ وَأُمُّ رُومَانَ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أُمِّ رُومَانَ .
قَوْلُهُ : ( ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ ) اخْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ الْمَتْنَ هُنَا ، وَقَدْ سَاقَهُ فِي كِتَابِ الْهِجْرَةِ مُطَوَّلًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، فَذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَعَشِيَّةً وَقَبْلَ قَوْلِهِ : ثُمَّ بَدَا قِصَّةً طَوِيلَةً فِي خُرُوجِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ مَكَّةَ ، وَرُجُوعِهِ فِي جِوَارِ ابْنِ الدُّغُنَّةِ ، وَاشْتِرَاطِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسْتَعْلِنَ بِعِبَادَتِهِ ، فَعِنْدَ فَرَاغِ الْقِصَّةِ قَالَ : ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ ، أَيْ : ظَهَرَ لَهُ رَأْيٌ فَبَنَى مَسْجِدًا ، فَذَكَرَ بَاقِيَ الْقِصَّةِ مُطَوَّلًا كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مَبْسُوطًا هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَلَمْ يَجِدْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ - حَيْثُ شَرَحَ جَمِيعَ الْحَدِيثِ هُنَا - مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ هُنَا سِوَى قَدْرٍ يَسِيرٍ ، وَقَدِ اشْتَمَلَ مِنْ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ عَلَى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .