بَاب الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ
بَاب الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ 504 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ، وَبِلَالٌ ، فَأَطَالَ ثُمَّ خَرَجَ ، وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ ، فَسَأَلْتُ بِلَالًا : أَيْنَ صَلَّى ؟ قَالَ : بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ ) إِنَّمَا قَيَّدَهَا بِغَيْرِ الْجَمَاعَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ الصُّفُوفَ ، وَتَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ فِي الْجَمَاعَةِ مَطْلُوبٌ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ : احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ - أَيْ : حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ بِلَالٍ - عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي جَمَاعَةٍ ، وَأَشَارَ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْمُنْفَرِدِ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى السَّارِيَةِ ، وَمَعَ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَهُمَا - أَيْ لِلْمُنْفَرِدِ - ، وَأَمَّا فِي الْجَمَاعَةِ فَالْوُقُوفُ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ كَالصَّلَاةِ إِلَى السَّارِيَةِ .
انْتَهَى كَلَامُهُ . وَفِيهِ نظر لِوُرُودِ النَّهْيِ الْخَاصِّ عَنِ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ فِي السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ . قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : كَرِهَ قَوْمٌ الصَّفَّ بَيْنَ السَّوَارِي لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ ذَلِكَ ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ عَدَمِ الضِّيقِ ، والْحِكْمَةُ فِيهِ إِمَّا لِانْقِطَاعِ الصَّفِّ أَوْ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ النِّعَالِ .
انْتَهَى . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : رُوِيَ فِي سَبَبِ كَرَاهَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ مُصَلَّى الْجِنِّ الْمُؤْمِنِينَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ ) هُوَ بِالْجِيمِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ ، وَهُوَ ابْنُ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ ، وَاتَّفَقَ أَنَّ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ مِنَ الْأَعْلَامِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .
وَقَدْ سَمِعَ جُوَيْرِيَةُ الْمَذْكُورُ مِنْ نَافِعٍ ، وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَابْنِ عَسَاكِرَ : وَكُنْتُ بِزِيَادَةِ وَاوٍ فِي أَوَّلِهِ وَهِيَ أَشْبَهُ ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ خَرَجَ : وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى أَثَرِهِ أَوَّلَ النَّاسِ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : الْمُتَقَدِّمَيْنِ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الَّتِي تَلِيهَا : جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ ، وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُخَالَفَةٌ ، لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ مُشْكِلٌ ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِكَوْنِ مَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ كَانَ اثْنَيْنِ ، وَلِهَذَا عَقَّبَهُ الْبُخَارِيُّ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الَّتِي قَالَ فِيهَا : عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ حَيْثُ ثَنَّى أَشَارَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَحَيْثُ أَفْرَدَ أَشَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ هَيْئَتِهِ الْأُولَى .
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَفْظُ الْعَمُودِ جِنْسٌ يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ ، فَهُوَ مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ وَعَمُودَيْنِ ، وَيحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَمْ تَكُنِ الْأَعْمِدَةُ الثَّلَاثَةُ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ ، بَلِ اثْنَانِ عَلَى سَمْتٍ وَالثَّالِثُ عَلَى غَيْرِ سَمْتِهِمَا ، وَلَفْظُ الْمُقَدَّمَيْنِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مُشْعِرٌ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا رِوَايَةُ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ، فَإِنَّ فِيهَا : بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِ الدَّاخِلِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ عَمُودَانِ عَلَى الْيَسَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى بَيْنَهُمَا ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ ثَمَّ عَمُودٌ آخَرُ عَنِ الْيَمِينِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ سَمْتِ الْعَمُودَيْنِ ، فَيَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ : جَعَلَ عَنْ يَمِينِهِ عَمُودَيْنِ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ . وَجَوَّزَ الْكِرْمَانِيُّ احْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ : أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ثَلَاثَةُ أَعْمِدَةٍ مُصْطَفَّةٍ فَصَلَّى إِلَى جَنْبِ الْأَوْسَطِ ، فَمَنْ قَالَ : جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ لَمْ يَعْتَبِرِ الَّذِي صَلَّى إِلَى جَنْبِهِ ، وَمَنْ قَالَ : عَمُودَيْنِ اعْتَبَرَهُ .
ثُمَّ وَجَدْتُهُ مَسْبُوقًا بِهَذَا الِاحْتِمَالِ ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : انْتَقَلَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ لِقِلَّتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .