بَاب الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ
بَاب الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ 507 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا ، قُلْتُ : أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتْ الرِّكَابُ ؟ قَالَ : كَانَ يَأْخُذُ هَذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ - أَوْ قَالَ : مُؤَخَّرِهِ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْعَلُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الرَّاحِلَةُ النَّاقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِأَنْ يُوضَعَ الرَّحْلُ عَلَيْهَا ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الرَّاحِلَةُ الْمَرْكُوبُ النَّجِيبُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى . وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ ، وَالْبَعِيرُ يُقَالُ لِمَا دَخَلَ فِي الْخَامِسَةِ .
قَوْلُهُ : ( وَالشَّجَرُ وَالرَّحْلُ ) الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الرَّاحِلَةُ وَالرَّحْلُ ، فَكَأَنَّهُ أَلْحَقَ الْبَعِيرَ بِالرَّاحِلَةِ بِالْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ . انْتَهَى . فَإِنْ كَانَ هَذَا حَدِيثًا آخَرَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَصَرًا مِنَ الْأَوَّلِ - كأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يُصَلِّي إِلَى مُؤَخِّرَةِ رَحْلِ بَعِيرِهِ - اتَّجَهَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ .
وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى بَعِيرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ رَحْلٌ ، وَسَأَذْكُرُهُ بَعْدُ ، وَأُلْحِقَ الشَّجَرُ بِالرَّحْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا فِينَا إِنْسَانٌ إِلَّا نَائِمٌ ، إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَةٍ يَدْعُو حَتَّى أصبح ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . قَوْلُهُ : ( يُعَرِّضُ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، أَيْ : يَجْعَلُهَا عَرْضًا . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : أَفَرَأَيْتَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَلَامُ نَافِعٍ وَالْمَسْئُولُ ابْنُ عُمَرَ ، لَكِنْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَلَامُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْمَسْئُولُ نَافِعٌ ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ يَأْخُذُ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُدْرِكْهُ نَافِعٌ .
قَوْلُهُ : ( هَبَّتِ الرِّكَابُ ) أَيْ : هَاجَتِ الْإِبِلُ ، يُقَالُ : هَبَّ الْفَحْلُ إِذَا هَاجَ ، وَهَبَّ الْبَعِيرُ فِي السَّيْرِ إِذَا نَشِطَ . وَالرِّكَابُ الْإِبِلُ الَّتِي يُسَارُ عَلَيْهَا وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِبِلَ إِذَا هَاجَتْ شَوَّشَتْ عَلَى الْمُصَلِّي لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا ، فَيَعْدِلُ عَنْهَا إِلَى الرَّحْلِ فَيَجْعَلُهُ سُتْرَةً . وَقَوْلُهُ : ( فَيَعْدِلُهُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهُ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الدَّالِ ، أَيْ : يُقِيمهُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ .
وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ . وَقَوْلُهُ : ( إِلَى أَخَرَتِهِ ) بِفَتَحَاتٍ بِلَا مَدٍّ وَيَجُوزُ الْمَدُّ ، ( وَمُؤْخِرَتِهِ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ ، وَأَمَّا الْخَاءُ فَجَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ بِكَسْرِهَا وَجَوَّزَ الْفَتْحَ ، وَأَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الْفَتْحَ ، وَعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ مَكِّيٍّ فَقَالَ : لَا يُقَالُ مُقْدِمٌ وَمُؤْخِرٌ بِالْكَسْرِ إِلَّا فِي الْعَيْنِ خَاصَّةً ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيُقَالُ بِالْفَتْحِ فَقَطْ . وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ .
وَالْمُرَادُ بِهَا الْعُودُ الَّذِي فِي آخِرِ الرَّحْلِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الرَّاكِبُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّسَتُّرِ بِمَا يَسْتَقِرُّ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ الْمَعَاطِنَ مَوَاضِعُ إِقَامَتِهَا عِنْدَ الْمَاءِ ، وَكَرَاهَةُ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ عِنْدَهَا إِمَّا لِشَدَّةِ نَتَنِهَا ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَخَلَّوْنَ بَيْنَهَا مُسْتَتِرِينَ بِهَا . انْتَهَى .
وَقَالَ غَيْرُهُ : عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْإِبِلِ خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ ، فَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي السَّفَرِ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا عَلَى حَالَةِ الضَّرُورَةِ ، وَنَظِيرُهُ صَلَاتُهُ إِلَى السَّرِيرِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ لِكَوْنِ الْبَيْتِ كَانَ ضَيِّقًا . وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ : لَا يُسْتَتَرُ بِامْرَأَةٍ وَلَا دَابَّةٍ ، أَيْ : فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى بَعِيرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ رَحْلٌ ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا فِي حَالِ شَدِّ الرَّحْلِ عَلَيْهَا أَقْرَبُ إِلَى السُّكُونِ مِنْ حَالِ تَجْرِيدِهَا .
( تَكْمِلَةٌ ) : اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ مُؤَخِّرَةَ الرَّحْلِ فِي مِقْدَارِ أَقَلِّ السُّتْرَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا بِفِعْلِ ذَلِكَ . فَقِيلَ ذِرَاعٌ ، وَقِيلَ ثُلُثَا ذِرَاعٍ وَهُوَ أَشْهَرُ ، لَكِنْ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ مُؤَخِّرَةَ رَحْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَتْ قَدْرَ ذِرَاعٍ .