حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ

بَاب يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ ، وَفِي الْكَعْبَةِ ، وَقَالَ : إِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ 509 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى ، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ ، فَقَالَ : مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ يَرُدُّ الْمُصَلِّي مِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ) أَيْ : سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَمْ غَيْرَهُ .

قولُهُ : ( وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ ) أَيْ : رَدَّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي حَالِ التَّشَهُّدِ ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعِنْدَهُمَا أَنَّ الْمَارَّ الْمَذْكُورَ هُوَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( وَفِي الْكَعْبَةِ ) قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ : وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : وَفِي الرَّكْعَةِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ الْجُمْهُورِ مُتَّجِهَةٌ ، وَتَخْصِيصُ الْكَعْبَةِ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يُتَخَيَّلَ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهَا الْمُرُورُ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ الْمُزَاحَمَةِ .

وَقَدْ وَصَلَ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ بِذِكْرِ الْكَعْبَةِ فِيهِ أَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي فِي الْكَعْبَةِ فَلَا يَدَعُ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ يُبَادِرُهُ قَالَ : أَيْ : يَرُدُّهُ . قَوْلُهُ : ( إِنْ أَبَى ) أَيِ : الْمَارُّ ، ( إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَهُ ) أَيِ : الْمُصَلِّي ، ( قَاتَلَهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي ، وَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ . وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : ( إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ ) بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَةِ ، ( فَقَاتِلْهُ ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ .

وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا ، وَقَدْ وَصَلَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَا تَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي ، فَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِسِيَاقِ الْكُشْمِيهَنِيِّ . قَوْلُهُ : ( يُونُسُ ) هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ ، وَقَدْ قَرَنَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَتَهُ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَتَبَيَّنَ مِنْ إِيرَادِهِ أَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ لَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا هُوَ لَفْظُ سُلَيْمَانَ أَيْضًا لَا لَفْظُ يُونُسَ ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ لَنَا ذَلِكَ مِنَ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ سَاقَ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بِعَيْنِهِ ، وَلَفْظُ الْمَتْنِ مُغَايِرٌ لِلَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ هُنَا ، وَلَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدُ الدَّفْعِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ . وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ سُلَيْمَ بْنَ حَيَّانَ تَابَعَ يُونُسَ ، عَنْ حُمَيْدٍ عَلَى عَدَمِ التَّقْيِيدِ .

قُلْتُ : وَالْمُطْلَقُ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُصَلِّي إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِهَا ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ صَلَّى فِي مَشَارِعِ الْمُشَاةِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَنْ يُصَلِّي إِلَى سُتْرَةٍ وَإِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ . وَفِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهَا : وَلَوْ صَلَّى إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ كَانَتْ وَتَبَاعَدَ مِنْهَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ لِتَقْصِيرِهِ وَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ حِينَئِذٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ( تَنْبِيهٌ ) : ذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ لِسُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ شَيْئًا مَوْصُولًا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ ) وَقَعَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، أَخْرَجَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : بَيْنَمَا أَبُو سَعِيدٍ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَقْبَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَدَفَعَهُ ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَهُ هَذَا آخِرُ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ .

وَفِي تَفْسِيرِ الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ الْوَلِيدُ هَذَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ . زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ ا هـ . وَمَرْوَانُ إِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَلَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ حِينَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ تَحَوَّلَ إِلَى الْجَزِيرَةِ ، فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَلَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمَنْ خَالَفَهُ .

وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ شَابًّا ، بَلْ كَانَ فِي عَشْرِ الْخَمْسِينَ فَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ : فَأَقْبَلَ ابْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ فَيَتَّجِهُ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَقَالَ فِيهِ : إِذْ جَاءَ شَابٌّ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَيْضًا . وَعَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَالَ فِيهِ : فَذَهَبَ ذُو قَرَابَةٍ لِمَرْوَانَ .

وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَلَاءِ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، فَقَالَ فِيهِ : مَرَّ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : فَمَرَّ ابْنٌ لِمَرْوَانَ وَسَمَّاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى دَاوُدَ بْنَ مَرْوَانَ ، وَلَفْظُهُ : أَرَادَ دَاوُدُ بْنُ مَرْوَانَ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي تَسْمِيَةِ الْمُبْهَمِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ دَاوُدُ بْنُ مَرْوَانَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ وَلَيْسَ مَرْوَانُ مِنْ بَنِيهِ ، بَلْ أَبُو مُعَيْطٍ ابْنُ عَمِّ وَالِدِ مَرْوَانَ ؛ لِأَنَّهُ أَبُو مُعَيْطِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، وَوَالِدُ مَرْوَانَ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَلَيْسَتْ أُمُّ دَاوُدَ وَلَا أُمُّ مَرْوَانَ وَلَا أُمُّ الْحَكَمِ مِنْ وَلَدِ أَبِي مُعَيْطٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَاوُدُ نُسِبَ إِلَى أَبِي مُعَيْطٍ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعَةِ ، أَوْ لِكَوْنِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ كَانَ أَخًا لِلْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ لِأُمِّهِ ، فَنُسِبَ دَاوُدُ إِلَيْهِ وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ تَعَدَّدَتْ لِأَبِي سَعِيدٍ مَعَ غَيْرِ وَاحِدٍ . فَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحَدِيثَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مَخْزُومِيٌّ مَا لَهُ مِنْ أَبِي مُعَيْطٍ نِسْبَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ مَمَرًّا . وَقَوْلُهُ : فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، أَيْ : أَصَابَ مِنْ عِرْضِهِ بِالشَّتْمِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ مَالِكٌ : وَلِابْنِ أَخِيكَ ؟ ) أَطْلَقَ الْأُخُوَّةَ بِاعْتِبَارِ الْإِيمَانِ ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمَارَّ غَيْرَ الْوَلِيدِ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ عُقْبَةَ قُتِلَ كَافِرًا ، وَاسْتَدَلَّ الرَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدَّفْعِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَسْلَكٌ غَيْرُهُ ، خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ .

وَلِابْنِ الرِّفْعَةِ فِيهِ بَحْثٌ سَنُشِيرُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَلْيَدْفَعْهُ ) ، وَلِمُسْلِمٍ : فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ : بِالْإِشَارَةِ وَلَطِيفِ الْمَنْعِ . وَقَوْلُهُ : ( فَلْيُقَاتِلْهُ ) أَيْ : يَزِيدُ فِي دَفْعِهِ الثَّانِي أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ .

قَالَ : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ بِالسِّلَاحِ ، لِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِقَاعِدَةِ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا وَالْخُشُوعِ فِيهَا ا هـ . وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَقِيقَةً ، وَاسْتَبْعَدَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ذَلِكَ فِي الْقَبَسِ ، وَقَالَ : الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ الْمُدَافَعَةُ . وَأَغْرَبَ الْبَاجِيُّ ، فَقَالَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُقَاتَلَةِ اللَّعْنَ أَوِ التَّعْنِيفَ .

وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّكَلُّمَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُبْطِلٌ ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يَلْعَنُهُ دَاعِيًا لَا مُخَاطِبًا ، لَكِنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ يُخَالِفُهُ ، وَهُوَ أَدْرَى بِالْمُرَادِ . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ : فَإِنْ أَبَى فَلْيَجْعَلْ يَدَهُ فِي صَدْرِهِ وَيَدْفَعْهُ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّفْعِ بِالْيَدِ .

وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَاتَلَةِ دَفْعٌ أَشَدُّ مِنَ الدَّفْعِ الْأَوَّلِ ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ إِنَّمَا تُشْرَعُ إِذَا تَعَيَّنَتْ فِي دَفْعِهِ ، وَبِنَحْوِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا ، فَقَالُوا : يَرُدُّهُ بِأَسْهَلِ الْوُجُوهِ ، فَإِنْ أَبَى فَبِأَشَدَّ ، وَلَوْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ . فَلَوْ قَتَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُ مُقَاتَلَتَهُ ، وَالْمُقَاتَلَةُ الْمُبَاحَةُ لَا ضَمَانَ فِيهَا . وَنَقَلَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ عِنْدَهُمْ خِلَافًا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ .

وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَشْيُ مِنْ مَكَانِهِ لِيَدْفَعَهُ ، وَلَا الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي مُدَافَعَتِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْمُرُورِ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَرَّ وَلَمْ يَدْفَعْهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِعَادَةً لِلْمُرُورِ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا رَدَّهُ فَامْتَنَعَ وَتَمَادَى ، لَا حَيْثُ يُقَصِّرُ الْمُصَلِّي فِي الرَّدِّ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ هَذَا الدَّفْعِ ، بَلْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ .

انْتَهَى . وَقَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِهِ أَهَّلُ الظَّاهِرِ ، فَكَأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُرَاجِعْ كَلَامَهُمْ فِيهِ أَوْ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ) أَيْ : فِعْلُهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّهُ أَبَى إِلَّا التَّشْوِيشَ عَلَى الْمُصَلِّي .

وَإِطْلَاقُ الشَّيْطَانِ عَلَى الْمَارِدِ مِنَ الْإِنْسِ سَائِغٌ شَائِعٌ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى : شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّيْطَانِ عَلَى مَنْ يَفْتِنُ فِي الدِّينِ ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي دُونَ الْأَسْمَاءِ ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَصِيرَ الْمَارُّ شَيْطَانًا بِمُجَرَّدِ مُرُورِهِ . انْتَهَى . وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الشَّيْطَانِ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْجِنِّيِّ ، وَمَجَازًا عَلَى الْإِنْسِيِّ ، وَفِيهِ بَحْثٌ .

وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : فَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْطَانُ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ : فَإِنَّمَا معه الشَيْطَانُ وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ . وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ : فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : فَلْيُقَاتِلْهُ الْمُدَافَعَةُ اللَّطِيفَةُ لَا حَقِيقَةُ الْقِتَالِ ، قَالَ : لِأَنَّ مُقَاتَلَةَ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا هِيَ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالتَّسَتُّرِ عَنْهُ بِالتَّسْمِيَةِ وَنَحْوِهَا ، وَإِنَّمَا جَازَ الْفِعْلُ الْيَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ ، فَلَوْ قَاتَلَهُ حَقِيقَةَ الْمُقَاتَلَةِ لَكَانَ أَشَدَّ عَلَى صَلَاتِهِ مِنَ الْمَارِّ .

قَالَ : وَهَلِ الْمُقَاتَلَةُ لِخَلَلٍ يَقَعُ فِي صَلَاةِ الْمُصَلِّي مِنَ الْمُرُورِ ، أَوْ لِدَفْعِ الْإِثْمِ عَنِ الْمَارِّ ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي . انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : بَلِ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ إِقْبَالَ الْمُصَلِّي عَلَى صَلَاتِهِ أَوْلَى لَهُ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِدَفْعِ الْإِثْمِ عَنْ غَيْرِهِ .

وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي يَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاتِهِ ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ : لَوْ يَعْلَمُ الْمُصَلِّي مَا يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا صَلَّى إِلَّا إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ . فَهَذَانِ الْأَثَرَانِ مُقْتَضَاهُمَا أَنَّ الدَّفْعَ لِخَلَلٍ يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْمُصَلِّي ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَارِّ ، وَهُمَا وَإِنْ كَانَا مَوْقُوفَيْنِ لَفْظًا فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الرَّفْعِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُمَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْي .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث