حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا

1
بَاب مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا وَقَوْلِهِ : إِنَّ الصَّلاةَكَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا مُوَقَّتًا ، وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ
521
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْعِرَاقِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : بِهَذَا أُمِرْتُ . فَقَالَ عُمَرُ ، لِعُرْوَةَ : اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ ، أَوَ إنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ قَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ .
522
قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُعَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ .

( بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَبَعْدَهُ الْبَسْمَلَةُ ، وَلِرَفِيقَيْهِ الْبَسْمَلَةُ مُقَدَّمَةٌ وَبَعْدَهَا بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا وَكَذَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ ، وَكَذَا لِكَرِيمَةَ لَكِنْ بِلَا بَسْمَلَةٍ ، وَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ لَكِنْ بِلَا بَابٍ . وَ الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنَ الْوَقْتِ ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُحَدَّدُ لِلْفِعْلِ مِنَ الزَّمَانِ أَوِ الْمَكَانِ . قَوْله : كِتَابًا مَوْقُوتًا مُوَقَّتًا وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ ) كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَسَقَطَ فِي بَعْضِهَا لَفْظُ مُوَقَّتًا فَاسْتَشْكَلَ ابْنُ التِّينِ تَشْدِيدَ الْقَافِ مِنْ وَقَّتَهُ ، وَقَالَ : الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ التَّخْفِيفُ ا هـ .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مُوَقَّتًا بَيَانَ أَنَّ قَوْلَهُ مَوْقُوتًا مِنَ التَّوْقِيتِ ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ مَوْقُوتًا قَالَ : مَفْرُوضًا ، وَعَنْ غَيْرِهِ مَحْدُودًا . وَقَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى : كُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ لَهُ حِينٌ وَغَايَةٌ فَهُوَ مُوَقَّتٌ ، يُقَالُ : وَقَّتَهَ لِيَوْمِ كَذَا ، أَيْ أَجَّلَهُ . قَوْله : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلُ شَيْءٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَرِجَالُهُ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ .

قَوْله : ( أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ) وَلِلْمُصَنِّفِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بَيَانُ الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلَفْظُهُ : أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا مَا ، لَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةً لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ بَيْتِهِ مَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ اهـ . وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ قَرِيبًا فِي بَابِ تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا وَكَذَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخَّرَ الصَّلَاةَ مَرَّةً يَعْنِي الْعَصْرَ ، وَلِلطَّبَرانِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ - وَكَانَ ذَلِكَ زَمَانٌ يُؤَخِّرُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ ، يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ .

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْمُرَادُ أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ ، لَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ اهـ . وَيُؤَيِّدُهُ سِيَاقُ رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْمُتَقَدِّمَةِ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ دَعَا الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَأَمْسَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَارَبَ الْمَسَاءَ لَا أَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ .

وَقَدْ رَجَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ذَلِكَ ، فَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِي فِي خِلَافَتِهِ - كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعَصْرَ فِي السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ حِينَ تَدْخُلُ . قَوْله ( أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ) بَيَّنَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ الْعَصْرُ أَيْضًا ، وَلَفْظُهُ أَمْسَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ . قَوْله ( وَهُوَ بِالْعِرَاقِ ) فِي الْمُوَطَّأِ رِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ .

وَالْكُوفَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِرَاقِ ، فَالتَّعْبِيرُ بِهَا أَخَصُّ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالْعِرَاقِ ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . قَوْله ( أَبُو مَسْعُودٍ ) أَيْ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْبَدْرِيُّ . قَوْله ( مَا هَذَا ) أَيِ التَّأْخِيرُ .

قَوْله ( أَلَيْسَ ) كَذَا الرِّوَايَةُ ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ ، لَكِنَّ الْأَكْثَرَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فِي مُخَاطَبَةِ الْحَاضِرِ أَلَسْتَ وَفِي مُخَاطَبَةِ الْغَائِبِ أَلَيْسَ . قَوْله ( قَدْ عَلِمْتَ ) قَالَ عِيَاضٌ : يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى عِلْمِ الْمُغِيرَةِ بِذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ مِنْ أَبِي مَسْعُودٍ لِعِلْمِهِ بِصُحْبَةِ الْمُغِيرَةِ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلُ رِوَايَةُ شُعَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ بِلَفْظِ : فَقَالَ لَقَدْ عَلِمْتُ بِغَيْرِ أَدَاةِ اسْتِفْهَامٍ ، وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ جَمِيعًا .

قَوْله ( أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ ) بَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُغَازِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ صَبِيحَةَ اللَّيْلَةِ الَّتِي فُرِضَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ وَهِيَ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُ : لَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْرِيَ بِهِ لَمْ يَرُعْهُ إِلَّا جِبْرِيلُ نَزَلَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْأُولَى أَيْ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، فَأَمَرَ فَصِيحَ بِأَصْحَابِهِ : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ، فَاجْتَمَعُوا ، فَصَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَيَانَ الْأَوْقَاتِ إِنَّمَا وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَهَا بِبَيَانِ جِبْرِيلَ ، وَبَعْدَهَا بِبَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْله ( نَزَلَ فَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ عِيَاضٌ : ظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ جِبْرِيلَ ، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ فِي غَيْرِهِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ صَلَّى فَصَلَّى عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ كُلَّمَا فَعَلَ جُزْءًا مِنَ الصَّلَاةِ تَابَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِفِعْلِهِ اهـ . وَبِهَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ .

وَقَالَ غَيْرُهُ : الْفَاءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي بَعْضِ الْأَرْكَانِ عَلَى جِبْرِيلَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ الْجَمْعِ . وَأُجِيبَ بِمُرَاعَاةِ الْحَيْثِيَّةِ وَهِيَ التَّبْيِينُ ، فَكَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ يَتَرَاخَى عَنْهُ . وَقِيلَ : الْفَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَقولِهِ تَعَالَى : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ : نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ : نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى النَّاسُ مَعَهُ .

وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمُتَقَدِّمَةَ ، وَإِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ حِينَئِذٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الِائْتِمَامِ بِمَنْ يَأْتَمُّ بِغَيْرِهِ ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا يُجَابُ بِهِ عَنْ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَلَاةُ النَّاسِ خَلْفَهُ ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُبَلِّغًا فَقَطْ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِمِثْلِ مَا كُلِّفَ بِهِ الْإِنْسُ . قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ .

وَأَجَابَ عِيَاضٌ بِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَكُونَ تِلْكَ الصَّلَاةُ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ . وَتَعَقَّبَهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ ، وَأَجَابَ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ كَانَ مُعَلَّقًا بِالْبَيَانِ ، فَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْوُجُوبُ إِلَّا بَعْدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ . قَالَ : وَأَيْضًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ مُتَنَفِّلًا ، بَلْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِتَبْلِيغِهَا ، فَهِيَ صَلَاةُ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ اهـ .

وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْ يُجَوِّزُ صَلَاةَ مُفْتَرِضٍ بِفَرْضٍ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ بِفَرْضٍ آخَرَ ، كَذَا قَالَ ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ لَهُ فِي صُورَةِ الْمُؤَدَّاةِ مَثَلًا خَلْفَ الْمَقْضِيَّةِ لَا فِي صُورَةِ الظُّهْرِ خَلْفَ الْعَصْرِ مَثَلًا . قَوْله ( بِهَذَا أُمِرْتَ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَالْمَعْنَى هَذَا الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ أَنْ تُصَلِّيَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَرُوِيَ بِالضَّمِّ ، أَيْ هَذَا الَّذِي أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ لَكَ . قَوْله ( اعْلَمْ ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ .

قَوْله ( أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوُ هِيَ الْعَاطِفَةُ ، وَالْعَطْفُ عَلَى شَيْءٍ مُقَدَّرٍ وَبِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنَّ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ . قَوْله ( وُقُوتَ الصَّلَاةِ ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَلِلْبَاقِينَ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ لِلْجِنْسِ . قَوْله ( كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرٌ ) هُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ بِوَزْنِ فَعِيلٍ .

وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ ؛ لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَآهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا السِّيَاقُ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ لَمْ يَقُلْ حَضَرْتُ مُرَاجَعَةَ عُرْوَةَ ، لِعُمَرَ ، وَعُرْوَةُ لَمْ يَقُلْ حَدَّثَنِي بَشِيرٌ ، لَكِنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِثُبُوتِ اللِّقَاءِ وَالْمُجَالَسَةِ لَا بِالصِّيَغِ اهـ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ بِهَذَا الطَّرِيقِ لَيْسَ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ ؛ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَبُو مَسْعُودٍ : شَاهَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قُلْتُ : هَذَا لَا يُسَمَّى مُنْقَطِعًا اصْطِلَاحًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ ، فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بَلَغَهُ عَنْهُ بِتَبْلِيغِ مَنْ شَاهَدَهُ أَوْ سَمِعَهُ كَصَحَابِيٍّ آخَرَ . عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ اللَّيْثِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ تُزِيلُ الْإِشْكَالَ كُلَّهُ ، وَلَفْظُهُ : فَقَالَ عُرْوَةُ : سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَكَذَا سِيَاقُ ابْنِ شِهَابٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُرْوَةَ ، وَابْنُ شِهَابٍ قَدْ جُرِّبَ عَلَيْهِ التَّدْلِيسُ ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؛ فَذَكَرَهُ .

وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : سَمِعْتُ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَدِيثَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَوْلُ عُرْوَةَ : إِنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْأَوْقَاتِ . قَالَ : وَغَايَةُ مَا يُتَوَهَّمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَبَّهَهُ وَذَكَّرَهُ بِمَا كَانَ يَعْرِفُهُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَوْقَاتِ .

قَالَ : وَفِيهِ بُعْدٌ ، لِإِنْكَارِ عُمَرَ عَلَى عُرْوَةَ حَيْثُ قَالَ لَهُ اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةَ قَالَ : وَظَاهِرُ هَذَا الْإِنْكَارِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ . قُلْتُ : لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَفَاصِيلِ الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ الْمُسْتَمِرِّ ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ أَصْلَهُ بِتَبْيِينِ جِبْرِيلَ بِالْفِعْلِ ، فَلِهَذَا اسْتَثْبَتَ فِيهِ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا مُفَاضَلَةَ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ الْوَاحِدِ ، وَكَذَا يُحْمَلُ عَمَلُ الْمُغِيرَةِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَلَى جَوَابِ الْمُغِيرَةِ ، لِأَبِي مَسْعُودٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا زَادَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُعَلِّمُ الصَّلَاةَ بِعَلَامَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ، وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ الْمَوَاقِيتِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : مَا زَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَتَعَلَّمُ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ حَتَّى مَاتَ .

وَمِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَكِيمٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَعَلَ سَاعَاتٍ يَنْقَضِينَ مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ زَادَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَمَا أَخَّرَهَا حَتَّى مَاتَ فَكُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاطُ فِي الْأَوْقَاتِ كَثِيرَ احْتِيَاطٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ عُرْوَةُ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَرَدَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بَيَانُ أَبِي مَسْعُودٍ لِلْأَوْقَاتِ ، وَفِي ذَلِكَ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، وَيُوَضِّحُ تَوْجِيهَ احْتِجَاجِ عُرْوَةَ بِهِ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ كِلَاهُمَا عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ تَفَرَّدَ بِتَفْسِيرِ الْأَوْقَاتِ فِيهِ ، وَأَنَّ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ .

قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي مَرْزُوقٍ ، عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَذْكُرَا تَفْسِيرًا اهـ . وَرِوَايَةُ هِشَامٍ أَخْرَجَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ ، وَرِوَايَةُ حَبِيبٍ أَخْرَجَهَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ . وَقَدْ وَجَدْتُ مَا يُعَضِّدُ رِوَايَةَ أُسَامَةَ ، وَيَزِيدُ عَلَيْهَا أَنَّ الْبَيَانَ مِنْ فِعْلِ جِبْرِيلَ ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَاغَنْدِيُّ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، فَذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا ، لَكِنْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، فَرَجَّعَ الْحَدِيثَ إِلَى عُرْوَةَ ، وَوَضَّحَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا ، وَأَنَّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ اخْتِصَارًا ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ فَلَا تُوصَفُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِالشُّذُوذِ .

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ : دُخُولُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأُمَرَاءِ ، وَإِنْكَارُهُمْ عَلَيْهِمْ مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ ، وَاسْتِثْبَاتُ الْعَالِمِ فِيمَا يَسْتَغْرِبُهُ السَّامِعُ ، وَالرُّجُوعُ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى السُّنَّةِ . وَفِيهِ فَضِيلَةُ عُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْمُبَادَرَةِ بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْفَاضِلِ .

وَقَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الثَّبَتِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ بِالْمُتَّصِلِ دُونَ الْمُنْقَطِعِ ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ أَجَابَ عَنِ اسْتِفْهَامِ عُمَرَ لَهُ لَمَّا أَنْ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ بِذِكْرِ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ ، فَكَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ : تَأَمَّلْ مَا تَقُولُ ، فَلَعَلَّهُ بَلَغَكَ عَنْ غَيْرِ ثَبْتٍ . فَكَأَنَّ عُرْوَةَ قَالَ لَهُ : بَلْ قَدْ سَمِعْتُهُ مِمَّنْ قَدْ سَمِعَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّاحِبُ قَدْ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَاسْتَدَلَّ بِهِ عِيَاضٌ عَلَى جَوَازِ الِاحْتِجَاجِ بِمُرْسَلِ الثِّقَةِ كَصَنِيعِ عُرْوَةَ حِينَ احْتَجَّ عَلَى عُمَرَ قَالَ : وَإِنَّمَا رَاجَعَهُ عُمَرُ لِتَثَبُّتِهِ فِيهِ لَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَرْضَ بِهِ مُرْسَلًا . كَذَا قَالَ ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَشْهَدُ لِمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمَيْنِ لِوَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ يُنْكِرْ عُرْوَةُ عَلَى عُمَرَ صَلَاتَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ مُحْتَجًّا بِصَلَاةِ جِبْرِيلَ ، مَعَ أَنَّ جِبْرِيلَ قَدْ صَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي آخِرِ الْوَقْتِ ، وَقَالَ : الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَأُجِيبُ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ عُمَرَ كَانَتْ خَرَجَتْ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَهُوَ مَصِيرُ ظَلِّ الشَّيْءِ مَثْلَيْهِ ، لَا عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ وَهُوَ مَغِيبُ الشَّمْسِ ، فَيَتَّجِهُ إِنْكَارُ عُرْوَةَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْفُ الْحَدِيثِ .

أَوْ يَكُونُ عُرْوَةُ أَنْكَرَ مُخَالَفَةَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَرَأَى أَنَّ الصَّلَاةَ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْفُ الْحَدِيثِ أَيْضًا . وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مُرْسَلًا قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَتْهُ ، وَلمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ احْتِجَاجُ عُرْوَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي كَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا ، وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي وَقَعَ الْإِنْكَارُ بِسَبَبِهَا ، وَبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ يُشْعِرُ بِمُوَاظَبَتِهِ عَلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَحَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ أَصْلَ بَيَانِ الْأَوْقَاتِ كَانَ بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ . قَوْله ( قَالَ عُرْوَةُ : وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هُوَ إِمَّا مَقُولُ ابْنِ شِهَابٍ أَوْ تَعْلِيقٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ .

قُلْتُ : الِاحْتِمَالُ الثَّانِي - عَلَى بُعْدِهِ - مُغَايِرٌ لِلْوَاقِعِ ، كَمَا سَيَظْهَرُ فِي بَابِ وَقْتِ الْعَصْرِ قَرِيبًا . فَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْنَدًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، فَهُوَ مَقُولُهُ وَلَيْسَ بِتَعْلِيقٍ ، وَسَنَذْكُرُ الْكَلَامَ عَلَى فَوَائِدِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث