حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ . 537 - وَاشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا ، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ . 876 قَوْله ( حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ .

قَوْله ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ ، عَنْ أَبِي قُدَامَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ أَبِي سَلَمَةَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ وَحْدَهُ ، وَالطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَانِ ، فَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ السَّرَّاجِ ، سِتَّتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَوْله ( وَاشْتَكَتِ النَّارُ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ : وَاشْتَكَتِ النَّارُ وَفَاعِلُ قَالَ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ قَبْلُ ، وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا أَوْ مُعَلَّقًا . وَقَدْ أَفْرَدَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، وَكَذَلِكَ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّكْوَى هَلْ هِيَ بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ ؟ وَاخْتَارَ كُلًّا طَائِفَةٌ .

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ وَنَظَائِرُ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : إِنَّهُ الْأَظْهَرُ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَا إِحَالَةَ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ . قَالَ : وَإِذَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ بِأَمْرٍ جَائِزٍ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْوِيلِهِ فَحَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى .

وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ هُوَ الصَّوَابُ . وَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ التُّورِبِشْتِيُّ ، وَرَجَّحَ الْبَيْضَاوِيُّ حَمْلَهُ عَلَى الْمَجَازِ فَقَالَ : شَكَوَاهَا مَجَازٌ عَنْ غَلَيَانِهَا ، وَأَكْلُهَا بَعْضُهَا بَعْضًا مَجَازٌ عَنِ ازْدِحَامِ أَجْزَائِهَا ، وَتَنَفُّسُهَا مَجَازٌ عَنْ خُرُوجِ مَا يَبْرُزُ مِنْهَا . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الْمُخْتَارُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِصَلَاحِيَّةِ الْقُدْرَةِ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ اسْتِعَارَةَ الْكَلَامِ لِلْحَالِ وَإِنْ عُهِدَتْ وَسُمِعَتْ ، لَكِنَّ الشَّكْوَى وَتَفْسِيرَهَا وَالتَّعْلِيلَ لَهُ وَالْإِذْنَ وَالْقَبُولَ وَالتَّنَفُّسَ وَقَصْرَهُ عَلَى اثْنَيْنِ فَقَطْ بَعِيدٌ مِنَ الْمَجَازِ خَارِجٌ عَمَّا أُلِفَ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ .

قَوْلُهُ ( بِنَفَسَيْنِ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ ، وَالنَّفَسُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْجَوْفِ وَيَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْهَوَاءِ . قَوْله ( نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا عَلَى الْبَدَلِ أَوِ الْبَيَانِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ . قَوْله ( أَشُدُّ ) يَجُوزُ الْكَسْرُ فِيهِ عَلَى الْبَدَلِ ، لَكِنَّهُ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ .

قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : فَذَلِكَ أَشَدُّ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : جَعْلَ أَشَدَّ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ أَوْلَى ، وَالتَّقْدِيرُ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ ذَلِكَ النَّفَسِ . قُلْتُ : يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظٍ فَهُوَ أَشَدُّ ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ ، وَفِي سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ ، وَهُوَ مُرَتَّبٌ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ .

وَالْمُرَادُ بِالزَّمْهَرِيرِ شِدَّةُ الْبَرْدِ ، وَاسْتُشْكِلَ وُجُودُهُ فِي النَّارِ ، وَلَا إِشْكَالَ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّارِ مَحَلُّهَا ، وَفِيهَا طَبَقَةٌ زَمْهَرِيرِيَّةٌ : وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ النَّارَ لَا تُخْلَقُ إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( تَنْبِيهَانِ ) الْأَوَّلُ : قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهَا مَشْرُوعِيَّةُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ شِدَّةِ الْبَرْدِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ غَالِبًا فِي وَقْتِ الصُّبْحِ فَلَا تَزُولُ إِلَّا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ، فَلَوْ أُخِّرَتْ لَخَرَجَ الْوَقْتُ . الثَّانِي : النَّفَسُ الْمَذْكُورُ يَنْشَأُ عَنْهُ أَشَدُّ الْحَرِّ فِي الصَّيْفِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرْ فِي الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ عَلَى أَشَدِّهِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ عِنْدَ شَدِيدِهِ أَيْضًا ، فَالْأَشَدِّيَّةُ تَحْصُلُ عِنْدَ التَّنَفُّسِ ، وَالشِّدَّةُ مُسْتَمِرَّةٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَسْتَمِرُّ الْإِبْرَادُ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ الشِّدَّةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث